تجدد النقاش الاقتصادي في ليبيا حول الطريقة الأكثر كفاءة وعدالة لإدارة النقد الأجنبي، في ظل استمرار حساسية سعر صرف الدينار وتأثيراته المباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وأسعار السلع والخدمات، وذلك على خلفية طرحين اقتصاديين يختلفان في آلية توزيع العملة الصعبة، بينما يلتقيان عند ضرورة معالجة الاختلالات التي تشهدها سوق النقد الأجنبي.
ويطرح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، رؤية تدعو إلى إصلاح منظومة تمويل الواردات عبر الاعتمادات المصرفية بدلاً من إلغائها وتحويل الموارد من النقد الأجنبي مباشرة إلى الأفراد. ويقول الشريف إن الاعتمادات المصرفية تظل أداة أساسية لتمويل استيراد السلع والخدمات، وإن المشكلة، من وجهة نظره، تكمن في أوجه الخلل والفساد التي قد تشوب المنظومة، وليس في وجودها من حيث المبدأ.
وبحسب طرح الشريف، فإن إلغاء دور الاعتمادات وتحويل مبالغ النقد الأجنبي إلى المواطنين قد يقود إلى اضطراب في سوق الاستيراد، ويؤثر في آلية توفير السلع، مع احتمال اختفاء بعض المنتجات من الأسواق، فضلاً عن دخول أعداد كبيرة من الأفراد في عمليات مضاربة على الدولار بدلاً من توجيه النقد الأجنبي إلى النشاط الاقتصادي والإنتاجي والتجاري.
ويربط الشريف جانباً من الطلب المتزايد على الدولار بتراجع قيمة الدينار، موضحاً أن شريحة من المواطنين الذين يمتلكون فائضاً من السيولة المحلية قد تلجأ إلى شراء العملة الأجنبية ليس بهدف استيراد السلع والخدمات، وإنما بهدف حماية مدخراتها من فقدان جزء من قيمتها.
ويرى أن هذا السلوك يحول الدولار من وسيلة لتمويل النشاط الاقتصادي إلى سلعة قابلة للمضاربة ووسيلة للتحوط من تراجع قيمة المدخرات، الأمر الذي يضيف طلباً على العملة الأجنبية ويمارس ضغوطاً إضافية على سعر الصرف.
وفي المقابل، يذهب الشريف إلى أن جزءاً من هذا الطلب قد يتراجع تلقائياً إذا انتهت الأسباب الأساسية التي أدت إلى انخفاض قيمة الدينار واستقر سعر الصرف لفترة زمنية كافية، باعتبار أن الدافع إلى شراء الدولار والاحتفاظ به كملاذ آمن يرتبط، في هذا التصور، بمخاوف فقدان قيمة المدخرات.
ويأتي هذا النقاش في وقت يواصل فيه مصرف ليبيا المركزي إدارة ملف النقد الأجنبي عبر مجموعة من الأدوات والضوابط. وتظهر منشورات المصرف لعام 2026 وجود إجراءات لتنظيم بيع النقد الأجنبي للأفراد، إلى جانب تعليمات تخص سعر الصرف ومكاتب وشركات الصرافة.
وفي اتجاه مختلف، قدم المهتم بالشأن الاقتصادي علاء محمود القزار مقترحاً يقوم على منح كل مواطن، استناداً إلى الرقم الوطني، حقاً دورياً في شراء كمية محددة من العملة الصعبة، على أن تكون هذه الحصة في صورة حق إلكتروني يمكن تداوله وفق قواعد محددة وشفافة.
ويقول القزار، الذي أوضح أنه يعمل في مجال التجارة منذ أكثر من عشرين عاماً ويحمل مؤهلاً أكاديمياً عالياً في إدارة الأعمال، إنه يكرر منذ سنوات ضرورة تغيير آلية بيع العملة الأجنبية في ليبيا.
وبموجب التصور الذي طرحه، يستطيع المواطن الذي يحتاج العملة الأجنبية استخدام حصته مباشرة، بينما يمكن لمن لا يحتاجها بيع حقه إلكترونياً بسعر السوق. أما التاجر، فيمكنه عند الاستيراد شراء تلك الحقوق من المواطنين، ثم تمويل وارداته عبر آلية مصرفية وقانونية منظمة.
ويرى القزار أن مثل هذه الآلية يمكن أن تعيد توزيع منفعة النقد الأجنبي على نطاق أوسع من المجتمع، بدلاً من تركّز الاستفادة لدى فئات محددة تستطيع الوصول إلى الاعتمادات أو إلى العملة بالسعر الرسمي.
ويتركز أحد أبرز أوجه الخلاف في الطرحين حول أثر الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق على سلوك التجار والمواطنين. فالقزار يرى أن بيع العملة الأجنبية للتجار بالسعر الرسمي، عندما يكون الفارق مع سعر السوق كبيراً، يمكن أن ينتج عنه ريع مرتفع لمن يحصل على العملة بالسعر الرسمي، ويخلق حوافز للمضاربة والمحسوبية وتشوهات في الأسعار والمنافسة.
ويضيف أن المواطن والطبقة الوسطى يتحملان بصورة غير مباشرة تكلفة تلك التشوهات، بينما يفترض أن تكون الموارد العامة، ومنها النقد الأجنبي الناتج أساساً عن ثروة البلاد، موزعة وفق قواعد موحدة وواضحة.
أما الشريف، فيركز على ضرورة إصلاح منظومة الاعتمادات بدلاً من إلغائها، محذراً من أن تحويل النقد الأجنبي مباشرة إلى الأفراد قد يفتح المجال أمام المضاربة ويضعف ارتباط العملة الأجنبية بتمويل النشاط التجاري الحقيقي.
ويعتقد القزار أن نظام الحقوق القابلة للتداول يمكن أن يؤدي، وفق تصوره، إلى خلق سوق أكثر شفافية، بحيث يصبح التاجر مطالباً بالمنافسة على أساس كفاءة النشاط التجاري وسعر السلعة وجودتها، بدلاً من التنافس على الوصول إلى العملة المدعومة.
كما يرى أن تطبيق هذا النظام قد يساعد المواطنين والتجار على تبني سلوك اقتصادي أكثر رشادة، ويجعل الاستفادة من النقد الأجنبي أقرب إلى التوزيع العام بدلاً من حصرها في قنوات محددة.
ويذهب القزار أبعد من ذلك في تقديره للنتائج المحتملة، إذ يرى أن التهريب سيكون محدوداً جداً في ظل النظام المقترح، وحتى في حال حدوثه فلن يؤدي، بحسب رأيه، إلى ضرر اقتصادي كبير، كما يتوقع توافر السلع على أساس العرض والطلب والمنافسة بين التجار، مع تحسن وضع مصرف ليبيا المركزي من حيث إدارة النقد الأجنبي.
وهذه التقديرات تمثل رأياً اقتصادياً لصاحب المقترح، ولا تعني بالضرورة تحقق هذه النتائج بصورة تلقائية، إذ يتوقف نجاح أي آلية لتوزيع النقد الأجنبي على تفاصيل التطبيق والرقابة المصرفية والقانونية، وقدرة المؤسسات على منع التلاعب والتحايل.
وفي جانب آخر من النقاش، أشار الشريف إلى تأثير قرارات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة على الدول التي تمتلك أسواقاً مالية متطورة ومفتوحة، موضحاً أن رفع الفائدة قد يدفع الأموال الباحثة عن عوائد أعلى إلى الانتقال نحو الولايات المتحدة، بما يمكن أن يؤدي إلى خروج جزء من الأموال من الأسواق الأخرى، والضغط على عملاتها وأسواقها المالية، ورفع تكلفة الاقتراض والتمويل الخارجي.
ويرتبط هذا الطرح بالسياق الأوسع لإدارة سعر الصرف، غير أن طبيعة الاقتصاد الليبي، وهيكل القطاع المالي ومحدودية انفتاح الأسواق المالية المحلية، تجعل إسقاط تجربة الاقتصادات ذات الأسواق المالية المتطورة بصورة مباشرة على الحالة الليبية أمراً يحتاج إلى دراسة منفصلة.
ويكشف الخلاف بين الطرحين عن سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين حماية الاستقرار النقدي، وضمان تمويل الواردات، وتوفير السلع، ومنع المضاربة، وفي الوقت نفسه إتاحة منفعة النقد الأجنبي للمواطنين بصورة أكثر عدالة.
ويشير مصرف ليبيا المركزي رسمياً إلى استمرار العمل بآليات بيع مخصصات النقد الأجنبي للأغراض الشخصية، كما أعلن في أبريل 2026 تخصيص مليار دولار للمصارف التجارية على دفعتين لبيع الدولار نقداً للمواطنين، مع التأكيد على توفير العملة الأجنبية وفق الضوابط والإجراءات المعتمدة.
كما أعلن المصرف في أغسطس 2026 استمرار عمل مراكز بيع النقد الأجنبي للأغراض الشخصية، سواء عبر البيع النقدي أو شحن البطاقات المصرفية، بالتوازي مع إجراءات لتطوير الخدمات المصرفية وتعزيز الاستقرار المالي والنقدي.
وفي 21 سبتمبر 2026، أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن متوسط سعر الدولار بلغ 6.3703 دينار، فيما بلغ سعر البيع 6.3862 دينار وسعر الشراء 6.3543 دينار.
وبين الدعوة إلى إصلاح منظومة الاعتمادات المصرفية، والمقترح القائم على توزيع حقوق شراء العملة الأجنبية على المواطنين، يبقى جوهر النقاش مرتبطاً بكيفية إدارة مورد نقدي يرتبط مباشرة بالتجارة والأسعار والمدخرات ومستوى معيشة المواطنين، وبمدى قدرة المؤسسات الليبية على بناء آلية واضحة وشفافة تحد من المضاربة والتلاعب وتضمن وصول النقد الأجنبي إلى الاستخدامات الاقتصادية المستهدفة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤