يتجه التعاون العسكري بين الهند وروسيا نحو مرحلة جديدة تتجاوز صفقات السلاح التقليدية. وتستند هذه المرحلة إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، لتأسيس شراكة إستراتيجية طويلة الأمد قادرة على الصمود أمام الضغوط الجيوسياسية، وفق المحللين.
وتؤكد المعطيات استمرار هذا التعاون الدفاعي على المدى الطويل، رغم الضغوط الأمريكية والأوروبية المكثفة الممارسة على نيودلهي وموسكو. وتستهدف هذه الضغوط المتواصلة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا لجم العلاقات الإستراتيجية بين البلدين.
وتتمسك الهند بروسيا كشريك أمني رئيسي لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الراهن. ويأتي هذا التمسك في ظل تصاعد التوترات خاصة مع باكستان فضلا عن تدهور الوضع الأمني في المحيط الإقليمي، مما يزيد احتياج نيودلهي للحليف الروسي.
ويرى المحلل الروسي نيكولا ميكوفيتش، في تحليل نشره مركز "جيوبوليتيكال مونيتور"، أن الطرفين يتجهان لتجاوز مبيعات الأسلحة التقليدية نحو تعاون أكثر تطورا يركز على الإنتاج المشترك، متوقعا أن ترسم التكنولوجيا الملامح المستقبلية لهذه الشراكة.
وتتجلى مؤشرات تطوير الشراكة في الزيارة الرسمية التي قام بها مؤخرا قائد الجيش الهندي الجنرال ديراج سيث إلى روسيا بين 16 و18 سبتمبر/أيلول الجاري. وتُعد موسكو أول محطة إستراتيجية يزورها سيث منذ توليه منصبه في يونيو/حزيران الماضي.
ومطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، حل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضيفا على رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في أول زيارة له للهند منذ اندلاع حرب أوكرانيا، في خطوة كرّست حرصهما على إبقاء قنوات التواصل الإستراتيجي مفتوحة.
وتأتي هذه الزيارات بين البلدين في أعقاب 4 أعوام ونصف العام من المحاولات الغربية لعزل روسيا بعد حرب أوكرانيا. غير أن نيودلهي اتجهت عكس ذلك تماما عبر توسيع وارداتها من النفط الخام الروسي لتصبح المشتري الأكبر له.
وفي المقابل، تزود نيودلهي موسكو بمنتجات نفطية مكررة لمعالجة النقص الناجم عن الهجمات الأوكرانية المتكررة على المصافي الروسية. ويبرز هذا التبادل المتزايد حجم التشابك الميداني والاقتصادي بين الطرفين في الوقت الراهن، بحسب مركز المخاطر الأمنية في آسيا.
من جانبه، يرصد "معهد كارنيغي للسلام" مؤشرات قوية على تجدد التعاون العسكري التقني بين البلدين خلال العقود المقبلة. ويرى المعهد أن روسيا تظل الركيزة الأمنية الأساسية للهند لمواجهة التهديدات الإقليمية الصادرة عن باكستان.
كما تدفع حالة عدم اليقين في العلاقات مع واشنطن الهند نحو التمسك بحليفها الروسي، إذ تعتبره نيودلهي ركيزة محورية في سياسة تعدد الشراكات وسعيها الدائم للحفاظ على استقلالية قرارها الإستراتيجي في القضايا الدولية.
وتتجسد هذه الشراكة في عدد من مجالات التعاون العسكري والتقني خلال 2025 و2026:
ويمتد التعاون العسكري والتقني بين البلدين بعد 2027 عبر تحديث المقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي، وتطوير صواريخ براهموس، مع توسيع نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك والتصنيع المحلي للمعدات العسكرية الروسية في الهند.
وتاريخيا، قامت العلاقات الدفاعية بين البلدين على استيراد المعدات العسكرية الجاهزة مباشرة من المصانع الروسية. غير أن النمو المتسارع للقدرات الدفاعية الهندية بدأ يعيد تشكيل توازن القوى بينهما، بحسب التحليل الذي قدمه الكاتب نيكولا ميكوفيتش.
بدوره، يؤكد مركز المخاطر الأمنية في آسيا أن قسما كبيرا من المنظومات الروسية لدى الجيش الهندي يُصنّع حاليا داخل الهند عبر خطوط الإنتاج بموجب تراخيص رسمية والمشاريع المشتركة القائمة بين المؤسسات العسكرية في البلدين.
ورغم ذلك، سعت الهند لتقليص اعتمادها المفرط على السلاح الروسي نتيجة تأخر تسليم منظومات "إس-400" الدفاعية. كما دفعت سياسة "صنع في الهند" للتحول نحو التسلح المحلي وإبرام عقود تسليح بديلة مع شركاء غربيين بارزين.
وشملت العقود الهندية الجديدة شراء مقاتلات " رافال" من فرنسا وغواصات من ألمانيا إضافة إلى طائرات مسيّرة بعيدة المدى ومحركات جوية من الولايات المتحدة. وقد أدى هذا التنوع إلى تقليص الاعتماد الحصري على موسكو مقارنة بالتسعينيات.
وللحفاظ على شراكتها التاريخية مع الهند، تضطر روسيا لتقديم تنازلات كبرى للجانب الهندي في الصفقات المقبلة، إذ لم تعد نيودلهي تقبل بالعقود التجارية البحتة، بل تصر بشكل صارم على تضمين أي اتفاق ضمانات ملزمة بنقل التكنولوجيا إليها.
وتشير أرقام الحكومة الهندية إلى أن نحو 65% من المعدات العسكرية للبلاد يُنتج حاليا محليا. وتُعد هذه النسبة تحولا إستراتيجيا هائلا مقارنة بالوضع قبل عقد، عندما كان ثلثا السلاح الهندي مستوردا من الخارج، وفق الكاتب نيكولا ميكوفيتش.
وتُوازن الهند بين تعزيز صناعاتها العسكرية المحلية وتوسيع شراكاتها الدفاعية مع القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا. وتمنح هذه التطورات نيودلهي موقعا أكثر قوة ونفوذا في مفاوضاتها المباشرة مع الجانب الروسي.
ويخلص ميكوفيتش إلى أنه مع نمو الصناعة الدفاعية الهندية، وانشغال موسكو بتبعات حرب أوكرانيا، باتت لدى نيودلهي مساحة أكبر لإعادة تشكيل شراكتهما، وهو ما يتيح للهند فرض شروطها الخاصة لإدارة المستقبل الدفاعي بين البلدين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة