تواجه سوق الصرف في ليبيا ضغوطًا جديدة، في وقت تتداخل فيه عوامل خارجية مرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية مع عوامل داخلية تتصل بإدارة النقد والإنفاق وتنظيم عمليات التوريد.
وقال عضو إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقًا، مراجع غيث، إن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة من شأنه زيادة سعر صرف الدولار الرسمي، بما قد ينعكس بدوره على السوق الموازية، موضحًا أن العملة الأمريكية تمثل نحو نصف سلة العملات لدى ليبيا.
وكان مجلس الاحتياطي الاتحادي قد رفع في 16 سبتمبر الجاري نطاق سعر الفائدة الأساسي بواقع ربع نقطة مئوية إلى ما بين 3.75 و4 في المائة، مؤكدًا استمرار ارتفاع التضخم والحاجة إلى إعادة التضخم نحو مستهدفه البالغ 2 في المائة.
وفي ما يتعلق بالوضع المالي المحلي، رأى غيث أن بيان مصرف ليبيا المركزي الخاص بالأشهر الثمانية الماضية أظهر، بحسب قراءته، أن الإنفاق الموازي ليس العامل الأساسي وراء ارتفاع الدولار، خلافًا لما جرى الترويج له، وإنما يمثل عاملًا من بين عوامل أخرى، مستندًا إلى وجود فائض مالي.
وأوضح أن الحديث عن فائض يبلغ 30 مليارًا لا يعكس، من وجهة نظره، الرقم المتاح فعليًا، مشيرًا إلى ضرورة خصم أكثر من 6 مليارات مخصصة لمرتبات أغسطس، إلى جانب التزامات وديون الحكومة وغيرها من البنود، بما يخفض الرقم إلى نحو 24 مليارًا قبل احتساب بقية الالتزامات.
ويأتي ذلك في سياق بيانات الإيرادات والإنفاق التي استأنف مصرف ليبيا المركزي نشرها، والتي تغطي الإيرادات والإنفاق خلال الفترة من بداية يناير وحتى نهاية أغسطس 2026.
وبحسب غيث، فإن العامل الأبرز في ارتفاع سعر الدولار يرتبط بسياسات مصرف ليبيا المركزي، فيما اعتبر أن قرار وزير الاقتصاد والتجارة بشأن تنظيم التوريد خارج القنوات المصرفية المعتمدة يمكن أن يمثل عاملًا مساعدًا في معالجة جانب من المشكلة.
وأعلن وزير الاقتصاد والتجارة القرار رقم 449 لسنة 2026 بشأن تنظيم توريد السلع والبضائع لغرض التجارة، متضمنًا وقف التوريد التجاري خارج القنوات والإجراءات المصرفية المعتمدة اعتبارًا من 30 سبتمبر الجاري، إلى جانب وضع ضوابط للإفراج الجمركي عن الشحنات التجارية.
وقال غيث إنه يؤيد قرار وزارة الاقتصاد، لكنه أشار إلى ما وصفه بوجود عيوب في آليات تطبيقه، وفي مقدمتها قصر المهلة المحددة حتى 30 سبتمبر، معتبرًا أن ذلك يمثل خطأً، ومبديًا مخاوفه من أن يؤدي منح استثناءات لبعض الشركات إلى تحول الاستثناء بمرور الوقت إلى قاعدة.
وأشار إلى وجود تجار مرتبطين بعقود لتوريد بضائع تحتاج إلى عدة أشهر للوصول، ورأى أن منحهم مهلة تمتد لأربعة أشهر إضافية، حتى 31 ديسمبر المقبل، سيكون أكثر ملاءمة لطبيعة الالتزامات التجارية القائمة.
كما توقف عند المادة الرابعة من القرار، التي تسمح لأصحاب الأنشطة الفردية باستيراد سلع وبضائع مخصصة للتجارة بحد أقصى سنوي قدره 100 ألف دولار أو ما يعادله بالعملات الأخرى، معتبرًا أن عدم وضوح كيفية التعامل مع هذا الحد قد يثير إشكالات في التطبيق. وينص القرار المنشور على أن هذا الاستثناء مخصص لأصحاب الأنشطة الفردية، مع احتساب الحد بصورة إجمالية وتراكمية خلال السنة الميلادية.
وحذر غيث من أن اعتبار مبلغ 100 ألف دولار استثناءً يسمح بالتوريد عبر السوق الموازية، إذا كان هذا هو المقصود بالتطبيق، سيكون من وجهة نظره بداية لإضعاف القرار، مستخدمًا تعبيره بأن ذلك قد يكون «أول مسمار في نعش القرار».
وشدد على أن المعيار الحقيقي، بحسب تصوره، لا يتمثل في إصدار القرار وإنما في تنفيذه، مشيرًا إلى صدور قرارات مماثلة في فترات سابقة دون أن تحقق نتائجها بسبب ضعف التنفيذ.
ودعا إلى استمرار تطبيق القرار لمدة لا تقل عن خمس سنوات، إلى حين انتظام الأوضاع، مع معالجة الثغرات وتلافي الأخطاء التي قد تظهر أثناء التطبيق، بهدف الوصول إلى النتائج المستهدفة.
وتكشف هذه الملاحظات عن تداخل واضح بين السياسة النقدية، وإدارة الموارد العامة، وتنظيم التجارة الخارجية، في وقت يبقى فيه سعر الدولار أحد أبرز المؤشرات التي تنعكس مباشرة على تكلفة السلع والخدمات وقدرة المواطن الليبي على مواجهة أعباء المعيشة. وفي المقابل، تبقى آثار الإجراءات المقترحة مرتبطة بمدى اتساقها مع آليات المصرف المركزي والجمارك والجهات التنفيذية، وبدرجة الالتزام الفعلي بتطبيقها على أرض الواقع.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤