لم تكن الضربة التي تلقتها الدكتورة منال أبو عميد وهي طفلة مجرد لحظة عابرة انتهت بانتهاء العقاب، بل تحولت، كما تروي، إلى ذكرى بقيت حاضرة في ذاكرتها بعد عقود، لتعيد من خلالها طرح سؤال يتجاوز تجربتها الشخصية: ماذا يفعل العنف بالطفل حين يقدم إليه على أنه وسيلة للتربية؟
عضو لجنة الحوار المهيكل استعادت تجربة من سنوات الدراسة الأولى، عندما تعرضت لعقوبة بدنية داخل الفصل بسبب موقف يتعلق بإجابة دراسية، مؤكدة أن العقوبة تركت أثراً جسدياً آنذاك، لكنها تركت كذلك أثراً نفسياً امتد إلى علاقتها بالمعلمة والمادة التي كانت تدرسها.
وتكشف هذه التجربة، بحسب أبو عميد، جانباً كثيراً ما يغيب عند الحديث عن العقاب البدني، إذ قد ينتهي الألم الجسدي سريعاً، بينما تبقى مشاعر الخوف والإحراج والرفض مرتبطة في ذاكرة الطفل بالمكان أو الشخص أو الموقف الذي تعرض فيه للعقاب.
ترفض أبو عميد النظر إلى الضرب باعتباره حلاً تربوياً لمشكلة عدم الحفظ أو ضعف الإجابة، انطلاقاً من حقيقة أن الأطفال لا يتعلمون بالطريقة نفسها، ولا يمتلكون القدرات ذاتها على الاستيعاب والحفظ والاستجابة.
فطفل قد يتمكن من فهم المعلومة سريعاً، بينما يحتاج آخر إلى وقت أطول أو طريقة مختلفة في الشرح حتى يصل إلى النتيجة نفسها. وبالتالي، فإن التعامل مع كل حالة بالوسيلة العقابية ذاتها قد يتجاهل السبب الحقيقي وراء تعثر الطفل.
ومن هذه الزاوية، ترى أبو عميد أن وظيفة التربية هي اكتشاف قدرات الطفل ومساعدته على التطور، لا دفعه إلى الإجابة بدافع الخوف من العقاب.
فالطفل الذي يخشى الخطأ قد يتعلم كيف يتجنب العقوبة، لكنه ليس بالضرورة قد تعلم كيف يفهم أو يسأل أو يناقش أو يصحح خطأه.
وهنا يصبح الفرق جوهرياً بين الانضباط والعنف؛ الأول يضع للطفل حدوداً واضحة، أما الثاني فقد يجعل الخوف نفسه جزءاً من عملية التعلم.
ومن وجهة نظرها، لا يمكن النظر إلى أساليب تربية الأطفال بمعزل عن البيئة التي يعيشون فيها.
فليبيا مرت بسنوات ثقيلة من الحروب والانقسامات والصراعات والتجاذبات، وهي ظروف تركت آثارها على المجتمع، وفي ظل هذا الواقع يصبح من الضروري، بحسب رؤيتها، التوقف أمام كل ممارسة قد تساهم في تطبيع العنف باعتباره وسيلة مقبولة لحل المشكلات أو فرض الإرادة.
وتشير أبو عميد إلى أن المجتمع الليبي يواجه بالفعل مظاهر مقلقة من انتشار ثقافة القوة، وصولاً إلى توجه بعض الشباب نحو التشكيلات المسلحة، معتبرة أن مواجهة هذه الظواهر لا تبدأ فقط عند لحظة انخراط الشاب في العنف، وإنما تمتد إلى الطريقة التي جرى بها بناء سلوكه منذ الطفولة.
وتستند أبو عميد في موقفها أيضاً إلى تجربتها مع أبنائها، مؤكدة أنها لم تجعل الضرب جزءاً من أسلوب تربيتها لهم.
فالأطفال، بحسب ما توضح، ليسوا نسخة واحدة؛ بينهم من تظهر قدراته مبكراً، ومن يحتاج إلى وقت أطول حتى يتحسن أداؤه الدراسي، ومن يتأخر في الحفظ ثم يحقق تقدماً واضحاً مع مرور الوقت.
وهذا الاختلاف يجعل مقارنة الأطفال ببعضهم أو إخضاعهم لمعيار واحد أمراً قد يقود إلى نتائج عكسية.
فالطفل الذي يحتاج إلى وقت إضافي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره أقل قدرة، كما أن عدم الإجابة في موقف معين لا يعني بالضرورة أن العقوبة البدنية ستجعله أكثر قدرة على الإجابة في المرة المقبلة.
وترى أبو عميد أن التربية الأكثر فاعلية تبدأ من فهم الطفل، ومعرفة إمكاناته، واختيار الوسيلة التي تساعده على تجاوز الصعوبة بدلاً من تحويل الخطأ إلى مناسبة للعقاب.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بالضربة وحدها، وإنما بما يمكن أن تتركه داخل الطفل.
أبو عميد تتحدث من تجربة شخصية تقول إن تفاصيل الواقعة ظلت حاضرة في ذاكرتها بعد سنوات طويلة، حتى عندما عادت المعلمة نفسها إلى التواصل معها في مرحلة لاحقة من حياتها.
وهنا تبرز المفارقة التي تريد أبو عميد لفت الانتباه إليها: قد ينسى الطفل السؤال الذي أخطأ فيه، وقد ينسى تفاصيل الدرس، لكنه قد لا ينسى الطريقة التي عومل بها عندما أخطأ.
وقد تتحول لحظة العقاب إلى صورة ذهنية ثابتة عن المعلم أو المدرسة أو حتى عن التعلم نفسه.
ومن ثم، فإن أثر العنف لا يقاس فقط بما يحدث في اللحظة التي تقع فيها العقوبة، وإنما بما قد يبقى بعدها في نفس الطفل وطريقة نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
وتدفع أبو عميد باتجاه إعادة تعريف مفهوم التربية، بعيداً عن الاعتقاد بأن نجاح المعلم أو الأب يقاس بمدى قدرة الطفل على الخوف منه.
فالانضباط لا يعني الإهانة، ووضع الحدود لا يعني الإيذاء، وتصحيح الخطأ لا يحتاج بالضرورة إلى الألم.
وفي بيئة تعليمية سليمة، يفترض أن يكون الخطأ فرصة للتعلم، لا سبباً يجعل الطفل يخشى المشاركة أو السؤال أو الاعتراف بعدم الفهم.
وتحمل تجربة أبو عميد، التي ربطت بين ذكرى طفولية قديمة وموقفها الحالي من العقاب البدني، رسالة واضحة مفادها أن ما يفعله الكبار مع الأطفال لا ينتهي دائماً بانتهاء الموقف.
فالطفل يكبر، لكن ذاكرته تكبر معه.
وفي مجتمع عانى طويلاً من الصراع والعنف، يصبح التعامل مع الطفل جزءاً من معركة أوسع حول شكل المستقبل الاجتماعي الذي يجري بناؤه اليوم.
وبحسب رؤية أبو عميد، فإن مواجهة ثقافة العنف لا تبدأ فقط برفض مظاهرها الكبيرة، بل أيضاً بمراجعة الممارسات الصغيرة التي قد تُقدم للأجيال الجديدة باعتبارها أمراً طبيعياً أو أسلوباً ناجحاً للتربية.
وفي النهاية، لا تسأل أبو عميد فقط عن جدوى الضرب، وإنما تطرح سؤالاً أبعد: إذا كان الهدف من التربية هو بناء إنسان متزن، فهل يحتاج بناء هذا الإنسان إلى أن يتعلم منذ طفولته أن الألم هو الطريق إلى الطاعة؟
هذه هي الفكرة التي تنطلق منها أبو عميد في رفضها للعقاب البدني: التربية يفترض أن تترك في ذاكرة الطفل معرفة وثقة وقدرة على التعلم، لا خوفاً وجرحاً يتذكره بعد أن يكبر.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤