أعاد مقطع فيديو متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، يظهر تعرض أحد الأطفال للضرب داخل أحد مراكز تحفيظ القرآن الكريم في ليبيا، فتح نقاش يتجاوز تفاصيل الواقعة ذاتها إلى أسئلة أكثر عمقاً حول مفهوم التأديب، وحدود السلطة التربوية، ومسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية، ودور الأسرة والدولة في حماية الأطفال.
وبينما أثار المقطع موجة من الاستنكار بين متابعين ونشطاء وحقوقيين، سارعت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية إلى إعلان رفضها التام لأي شكل من أشكال العنف أو الضرب المبرح وسوء معاملة الطلاب، مؤكدة أن تعليمات سابقة وُجهت إلى مراكز تحفيظ القرآن بضرورة الالتزام بالرفق واللين وحسن التربية، وأنها باشرت متابعة الواقعة للتحقق من ملابساتها، مع التأكيد على اتخاذ إجراءات إدارية وقانونية إذا ثبتت مخالفة التعليمات.
وهنا تبدو المسألة بحاجة إلى قدر من الدقة في توصيفها؛ فالواقعة، إن ثبتت، تتعلق بتصرف بشري يخضع للتحقيق والمساءلة، ولا يصح أن تتحول إلى اتهام للقرآن الكريم أو لتعليم كتاب الله. فالتعليم القرآني في ذاته ليس موضوع الإشكال، وإنما الطريقة التي قد يستخدم بها بعض الأفراد سلطتهم التربوية، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها تلك السلطة.
هذا الفصل بين الرسالة والممارسة يكتسب أهمية خاصة في مجتمع ينظر إلى معلم القرآن باعتباره صاحب مكانة دينية وتربوية، بينما يرى في الوقت نفسه أن الطفل أمانة تستوجب الحماية والرعاية.
وفي هذا السياق، يوضح الشيخ إبراهيم بالأشهر، عضو لجنة الإفتاء في الهيئة العامة للأوقاف، أن الأصل في علاقة المعلم ومقرئ القرآن بتلاميذه هو التوجيه الحسن، والأخذ بأيديهم إلى طريق العلم والهداية، والتعامل معهم بالرفق، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه».
ويحذر بالأشهر من الأساليب التي وصفها بالعتيقة، والتي كانت موجودة لدى بعض معلمي القرآن، وقامت على القسوة والترهيب أثناء تعليم الأطفال وحثهم على الحفظ، مؤكداً أن الأصل في تعليم كتاب الله هو الرحمة وحسن التعامل.
وفي الوقت ذاته، يوضح أن بعض العلماء تناولوا مسألة التأديب في حالات محددة، مستشهداً بحديث «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، لكنه يشير إلى أن من أجازوا التأديب وضعوا له قيوداً، من بينها أن يكون متعلقاً بواجب مطلوب من الصبي، وأن يكون غير مبرح ولا يترتب عليه ضرر أو أذى، وأن يظل في حدود المقصود التربوي.
وتشير هذه الرؤية إلى أن الحديث عن التأديب الشرعي لا يمكن أن يتحول إلى تصريح مفتوح بالعنف، كما لا ينبغي أن يستخدم النقاش حول حماية الطفل ذريعة لإلغاء الدور التربوي للمعلم أو الانتقاص من مكانته.
لكن الإشكال، بحسب الأكاديمية جميلة بن عيسى، يبدأ عندما يصبح الخوف هو الأداة الأساسية التي يُراد من خلالها إجبار الطفل على التعلم أو الحفظ.
وترى بن عيسى أن ظاهرة استخدام العنف في حلقات تحفيظ القرآن قضية اجتماعية وتربوية تستحق معالجة جادة، لأن الطفل يدخل هذه الأماكن بهدف التعلم والتربية وحفظ القرآن، وليس للتعرض للعنف أو الإساءة.
ومن هذا المنطلق، تدعو إلى تطوير أساليب التعامل مع الأطفال والانتقال من العقاب البدني إلى الحوار والتشجيع والتدرج والقدوة الحسنة، بالتوازي مع وضع آليات واضحة للرقابة والتدخل وتلقي الشكاوى.
وتحذر من أن إجبار الطفل على الحفظ عبر الضرب والتخويف قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عندما تصبح علاقته بالتعلم مرتبطة بالخوف بدلاً من الطمأنينة، مشيرة إلى أن العنف قد يؤثر كذلك في ثقته بنفسه وبالمحيطين به، وربما يدفع بعض الأطفال إلى العزوف عن مراكز التحفيظ أو تركها.
وفي هذا الجانب تحديداً، تتقاطع رؤيتها مع موقف الحقوقية رفيعة البرناوي، رئيس مجلس إدارة منظمة الرونق للمرأة والطفل، التي تؤكد أن تعليم القرآن الكريم «رسالة عظيمة»، وأن هذه الرسالة ينبغي أن تقوم على الرحمة والحكمة والقدوة الحسنة، لا على الإيذاء.
وتشدد البرناوي على أن خطورة العنف تتضاعف عندما يقع داخل الخلوات أو المساجد، باعتبارها أماكن يفترض أن يشعر الطفل فيها بالأمان، مطالبة بالتحقيق في الواقعة والتحقق من ملابساتها ومحاسبة المسؤول عنها وفق القانون إذا ثبتت الواقعة.
ولا تقف المسألة، وفق الباحثة في شؤون الأمن والهجرة ريم البركي، عند حدود الإصابة أو الألم الناتج عن واقعة بعينها، إذ ترى أن العنف الذي يتعرض له الطفل في سنوات تكوينه يمكن أن يترك آثاراً نفسية وسلوكية تمتد إلى مراحل لاحقة من حياته.
وتتوقف البركي عند استخدام وسائل مثل «الفلكة»، معتبرة أن الأمر عندما يتجاوز الحدود التربوية ويتحول إلى ضرب مؤذٍ أو مهين، يصبح أقرب إلى إخضاع الطفل وإشعاره بالخوف والمهانة.
وتستحضر في هذا السياق تجربة جيل التسعينات الذي تربى، بحسب توصيفها، على مثل هذه الأساليب، معتبرة أن المشكلة لا تكمن فقط في الماضي، وإنما في استمرار إعادة إنتاج بعض ممارساته مع أجيال جديدة.
وترى البركي أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يتعلم فيها أن الأقوى يستطيع إيذاء الأضعف قد يحمل هذه القاعدة إلى مراحل أخرى من حياته، وأن استمرار دائرة العنف دون معالجة اجتماعية ومؤسسية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج السلوك ذاته داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع.
ومن هنا، تتحول القضية في قراءتها من مسألة تربوية ضيقة إلى قضية تتصل بالأمن المجتمعي؛ لأن آثار العنف المبكر، في تقديرها، قد تمتد إلى طريقة تعامل الأفراد مع السلطة والآخرين في المستقبل.
وتأخذ البركي النقاش إلى زاوية أكثر حساسية تتعلق بثقة الأسرة في مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية الطفل.
فهي تقول، في معرض حديثها عن احتمال تعرض طفل من أسرتها لاعتداء مماثل، إنها ستقتص له علناً وستذل المعتدي قبل أن تتراجع تحت ضغط اجتماعي.
ويعكس هذا التصريح، في سياق طرحها، قلقاً من احتمال انتقال الأسرة من المسار القانوني إلى رد الفعل المباشر عندما لا تشعر بأن المؤسسات قادرة على تحقيق العدالة أو حماية الطفل.
وهنا تظهر المسألة الأمنية بوضوح؛ فالمجتمع الذي لا يجد فيه المواطن مساراً مؤسسياً واضحاً للشكوى والتحقيق والمحاسبة قد يصبح أكثر عرضة لردود الفعل الفردية، بما يحول الاعتداء الأصلي إلى سلسلة من الأفعال الانتقامية التي يصعب ضبطها.
لكن المعالجة المؤسسية تظل هي المسار الذي يمنع تحول حماية الطفل نفسها إلى بوابة جديدة للعنف.
ليبيا.. أزمات تكرّس العنف ضد الأطفال وتكشف فجوة الوعي المجتمعيومن زاوية اجتماعية أوسع، ترى الناشطة السياسية نادية الراشد أن ما يحدث للأطفال لا يمكن فصله عن الظروف التي تمر بها ليبيا، مشيرة إلى أن الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية انعكست على الأسرة والمجتمع وأثرت في الحالة الاجتماعية والنفسية.
وتقول الراشد إن الضغوط التي يعيشها الليبيون قد تكون من بين العوامل التي ساهمت في انتشار بعض السلوكيات العنيفة، لكنها تؤكد أن الظروف الصعبة لا تجعل من استخدام وسائل لا تجوز تربوياً أو دينياً أو أخلاقياً أمراً مقبولاً.
وتضع الراشد جزءاً كبيراً من المسؤولية على الأسرة، باعتبارها البيئة الأولى التي يتشكل فيها الطفل، لكنها في الوقت نفسه ترى أن حماية الأطفال مسؤولية جماعية تشترك فيها الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
وتنتقد ما تعتبره تراجعاً في أدوار بعض هذه المؤسسات في التوعية والتدريب والتوجيه والإرشاد، وترى أن الاعتقاد بأن الضرب هو الطريق إلى بناء الإنسان المنضبط يعكس حاجة المجتمع إلى مراجعة كثير من المفاهيم التربوية التي انتقلت من جيل إلى آخر دون تقييم كافٍ لنتائجها.
الناشطة السياسية نادية الراشد،وعند جمع هذه الرؤى، تبدو واقعة الطفل جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة المجتمع لعلاقة القوة بالطفولة.
فالأسرة تمتلك سلطة التربية، والمعلم يمتلك سلطة التعليم، والمؤسسة الدينية تمتلك سلطة التوجيه، والدولة تمتلك سلطة القانون؛ لكن اجتماع هذه السلطات حول الطفل يجب ألا يعني غياب الضوابط.
ومن هنا فإن وجود لوائح تمنع الضرب داخل مراكز تحفيظ القرآن يمثل خطوة تنظيمية مهمة، لكن قيمة أي لائحة تقاس بمدى تطبيقها، وبقدرة الجهة المشرفة على اكتشاف المخالفات والتعامل معها، وبمدى معرفة الأسرة بحقوق الطفل وطرق الإبلاغ عن أي تجاوز.
كما أن تدريب المحفظين والمعلمين لا يقل أهمية عن العقوبة بعد وقوع الاعتداء؛ لأن الوقاية تبدأ من تأهيل من يتعاملون يومياً مع الأطفال، وتعريفهم بأساليب إدارة السلوك والانضباط التي تحقق الهدف التعليمي دون إيذاء.
وتزداد هذه الملفات تعقيداً في ليبيا بفعل الانقسام السياسي واستمرار الأزمات الأمنية والاقتصادية وضعف قدرة المؤسسات العامة على العمل بصورة مستقرة في كثير من المجالات.
وفي هذا السياق، تصبح حكومة الدبيبة أمام مسؤولية سياسية وإدارية في ما يتعلق بإنفاذ القواعد وحماية الأطفال داخل المؤسسات الواقعة تحت إشراف الدولة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الوقائع بعد انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمواطن الليبي الذي يواجه أزمات متراكمة في حياته اليومية يحتاج إلى دولة تحميه وتحمي أبناءه، لا إلى مؤسسات تتحرك فقط عندما تتحول الواقعة إلى قضية رأي عام.
وفي الوقت ذاته، فإن اختزال مشكلة العنف ضد الأطفال في أداء الحكومة وحدها سيكون تبسيطاً للمشهد؛ لأن الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمؤسسات المدنية جميعها تشكل حلقات في منظومة الحماية.
استباحة الحرمات تحت غطاء الخلافات العائلية تفضح غياب دولة القانونالمطلوب في النهاية ليس وضع الطفل والمعلم في طرفي معادلة متعارضة.
فالمعلم يحتاج إلى الهيبة التي يكتسبها من العلم والقدوة والانضباط، والطفل يحتاج إلى حدود واضحة تعلمه الالتزام وتحترم في الوقت نفسه كرامته وسلامته.
الهيبة شيء، والخوف شيء آخر.
والانضباط شيء، والإيذاء شيء آخر.
والتأديب التربوي شيء، والإهانة شيء آخر.
وحين تختلط هذه المفاهيم، تصبح العملية التعليمية نفسها معرضة للاختلال.
لذلك فإن حماية الطفل لا ينبغي أن تعني إضعاف مكانة المعلم، وإنما حماية مكانة المعلم من أن تتحول السلطة التربوية التي مُنحت له إلى ممارسة فردية تتجاوز القانون أو اللوائح أو القواعد المهنية.
ويبقى الفصل الأهم في هذه القضية هو عدم الخلط بين قدسية القرآن وبين سلوك البشر.
فالقرآن الكريم لا علاقة له بأي اعتداء قد يرتكبه فرد داخل مؤسسة تعليمية، ولا يجوز تحميل كتاب الله مسؤولية ممارسة تتعارض مع الرحمة والرفق وحسن التربية.
وفي المقابل، فإن معالجة أي تجاوز داخل مركز لتحفيظ القرآن يجب ألا تتحول إلى إساءة للمؤسسة الدينية أو إلى تشكيك في قيمة تعليم القرآن للأطفال.
إنما المطلوب هو حماية الرسالة من الممارسات التي قد تسيء إليها، وحماية الطفل من أي تجاوز، وحماية المعلم من الفوضى التي قد تضعه في مواجهة اتهامات جماعية، وحماية المجتمع من انتقال العنف من جيل إلى آخر.
ولهذا فإن التحقيق في الواقعة المتداولة، وتحديد المسؤولية، وتطبيق اللوائح والقانون إذا ثبتت المخالفة، ينبغي أن يتزامن مع مراجعة أوسع لآليات الرقابة والتأهيل والشكاوى داخل مراكز تحفيظ القرآن والمؤسسات التعليمية.
فالمجتمع الذي يريد لأبنائه أن يتعلموا القرآن والعلم لا يحتاج إلى الاختيار بين الدين والطفل، ولا بين المعلم وكرامة تلميذه.
الطريق الأكثر اتزاناً هو أن يكون العلم مصحوباً بالرحمة، والانضباط مقروناً بالعدل، وهيبة المعلم قائمة على القدوة، وحماية الطفل جزءاً أصيلاً من مسؤولية المجتمع والدولة.
وعند هذه النقطة فقط يمكن أن تتحول الواقعة من مقطع أثار الغضب على منصات التواصل إلى فرصة لمراجعة منظومة التربية والحماية، بحيث لا يصبح الطفل ضحية لتراكم أزمات ليبيا، ولا يصبح المعلم ضحية لفوضى المفاهيم، ولا يصبح القرآن الكريم طرفاً في جدل سببه سلوك البشر.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤