أقر مجلس النواب، اليوم الاثنين، الاتفاق النهائي للجنة المصغرة «4+4» خلال جلسة عقدت بمقر المجلس في مدينة بنغازي برئاسة المستشار عقيلة صالح، في خطوة اعتبرها مؤيدو الاتفاق دفعة جديدة نحو تحريك المسار السياسي والانتخابي، بينما فجرت الجلسة في المقابل خلافًا حادًا بشأن قانونية انعقادها والنصاب اللازم للتصويت على مخرجاتها.
وبينما أعلن الناطق باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق، التصويت بالإجماع على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4»، شكك عدد من أعضاء المجلس في قانونية الجلسة، مؤكدين أن عددًا كبيرًا من النواب قاطعوا الحضور اعتراضًا على جدول الأعمال وعدم اكتمال النصاب، وسط حديث عن إمكانية اللجوء إلى القضاء والطعن في المخرجات.
وتزامن ذلك مع مواقف متباينة من أعضاء مجلس النواب ومحللين وشخصيات سياسية، تراوحت بين اعتبار اعتماد «4+4» خطوة مهمة لإنهاء الانسداد السياسي، وبين وصف الجلسة بأنها «مهزلة» و«ضحك على الذقون»، والتحذير من أن اعتماد الاتفاق بصورته الحالية قد يبقى عرضة للطعن ويعيد ترتيب المشهد بين مسارات «4+4» و«6+6» و«5+5».
أعلن الناطق باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق، أن المجلس صوت على الاتفاق النهائي للجنة المصغرة «4+4»، خلال جلسة عقدت اليوم الاثنين بمقر المجلس في مدينة بنغازي، برئاسة المستشار عقيلة صالح.
ولم يوضح الإعلان الرسمي عدد النواب الذين حضروا الجلسة أو شاركوا فعليًا في عملية التصويت، الأمر الذي فتح الباب أمام خلافات واسعة بين أعضاء المجلس بشأن النصاب القانوني للجلسة ومدى صحة المخرجات التي صدرت عنها.
وفي كلمته خلال جلسة مجلس النواب، دعا رئيس المجلس عقيلة صالح إلى تشكيل حكومة واحدة تفرض سيطرتها على كامل التراب، والإسراع في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، محذرًا من أن استمرار الانقسام السياسي يهدد مؤسسات الدولة وسيادتها.
وقال عقيلة صالح إن ليبيا تمر بـ«لحظة فارقة في تاريخ ليبيا المعاصر»، معتبرا أن البلاد تواجه أزمات وخلافات استنزفت طاقاتها ومقدراتها.
وأضاف صالح أن الليبيين «لا يملكون ترف الوقت ولا رفاهية التردد»، محذرًا من استمرار الأزمة والانقسام، وداعيًا إلى اتخاذ «قرارات» وصفها بالحاسمة لتدارك الوضع.
وأكد صالح أن حالة التشتت والانقسام في ليبيا «ليست مجرد مناكفات سياسية أو تباين في وجهات النظر»، بل أصبحت، بحسب وصفه، «استنزافًا كليًا لكيان الدولة، وتفكيكًا لأركانها، وإهدارًا لسيادتها».
وأشار إلى أن الخلاف السياسي انعكس على أمن المواطنين ومعيشتهم، محذرًا من تراكم الأزمات اليومية بما يهدد مؤسسات الدولة.
وانتقد رئيس مجلس النواب ما وصفه بإثارة الاعتراضات لمجرد الاعتراض والتعنت في المسائل الخلافية، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى إطالة الأزمة وزيادة معاناة المواطن الذي يبحث عن الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية.
وفي الشأن الأمني، قال عقيلة صالح إن الجنوب يواجه، بحسب وصفه، انتهاكات وأخطارًا تتجاوز قدرة أي طرف بمفرده على مواجهتها، مشيرًا إلى مخاطر الهجرة غير الشرعية والتهريب والتسلل، وربط ذلك بما وصفه بغياب الدولة الموحدة القادرة على فرض سيادتها وحماية حدودها.
وأشار رئيس مجلس النواب إلى استمرار ليبيا، بحسب قوله، تحت أحكام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، معتبرًا أن هذا الوضع يمثل «قيدًا يكبل الإرادة الوطنية» و«تهديدًا مباشرًا بالوصاية الدولية والتدخلات الخارجية».
ودعا صالح إلى التوافق الداخلي، محذرًا من أن استمرار الانقسام، بحسب رؤيته، يمكن أن يؤدي إلى تسليم إرادة ليبيا للخارج.
وقال صالح إن طريق الخروج من الأزمة «بات واضحًا جليًا»، مشيرًا إلى تشكيل لجان وتوصلها إلى مخرجات وصفها بالتوافقية، وقال إن الهدف يتمثل في تشكيل حكومة واحدة تبسط سيطرتها على كامل التراب الوطني وتتولى الإشراف على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ووصف عقيلة صالح هذه الفرصة بأنها متاحة أمام الليبيين للخروج من الأزمة والتأسيس لـ«شرعية دستورية دائمة»، مؤكدًا أنها ليست ملكًا لشخص أو كتلة أو مجلس، وإنما للشعب.
وحذر من المراهنة على كسب الوقت أو عرقلة التوافق من أجل مكاسب آنية، معتبرًا أن هذا المسار لا يخدم المصلحة الوطنية العليا.
ووجه رئيس مجلس النواب نداء إلى أعضاء مجلس النواب ومجلس الدولة وحكماء ليبيا ومشايخها وشبابها ونسائها، داعيا إلى «لمّ الشمل» وطي صفحات الماضي وفتح صفحة جديدة تقوم على التسامح وتجاوز الخلافات.
وقال إن «الوطن يتسع للجميع»، مضيفًا أن بناء الدولة لا يستقيم إلا بمشاركة الجميع، وأن «القوة في الاجتماع، والضعف في الفرقة».
وأشار عقيلة صالح إلى أن مجلس النواب أصدر قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، واعتمد الميزانية المطلوبة لإجراء الانتخابات، وقال إن هذه القوانين موجودة لدى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وفي ما يتعلق بمقترح لجنة «4+4»، قال عقيلة صالح إن ما ورد في المقترح يتوافق مع رؤية مجلس النواب، مشيرًا إلى القانون رقم «28» لسنة 2023، الذي قال إنه يسمح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات والترشح.
كما أشار إلى أحقية حامل الجنسية الأجنبية في الترشح بشرط التنازل عن جنسيته قبل حلف اليمين.
وأضاف أنه كان يرى، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس النواب، أن حصول المرشح على نسبة «51» في الجولة الأولى يعني انتخابه رئيسًا من دون الحاجة إلى جولة إعادة.
وقال إن ما قدمته لجنة «4+4» يمثل «جهدًا مشكورًا»، داعيًا إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعديل التشريعات بما يحقق المصلحة العامة وبمقتضى قانون مجلس النواب.
ودعا عقيلة صالح إلى تقديم «الدعم المطلق» للجهات المشرفة على الانتخابات لضمان نزاهتها وشفافيتها، واحترام نتائج صناديق الاقتراع.
وطالب بالمباشرة الفورية في إجراءات انتقال السلطة إلى الجهات الجديدة، وتهيئة المناخ وتوفير المتطلبات اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، داعيًا إلى تحديد مدة للسلطة الجديدة بحيث «تسقط شرعيتها وولايتها» إذا لم تبدأ في إنجاز الاستحقاق الانتخابي.
وقال إن هذه الخطوات تعيد القرار إلى الشعب الليبي باعتباره «مصدر السلطات»، ليختار حكامه وممثليه في السلطة التشريعية بإرادته الحرة والمستقلة.
من جانبه قال المحلل السياسي، علام الفلاح إن مخرجات لجنة «4+4» تم اعتمادها من قبل مجلس النواب بعد جلسة تخللتها اعتراضات من عدد كبير من الأعضاء، مشيرًا إلى أن كثيرًا من النواب لم يدخلوا إلى القاعة.
وأوضح الفلاح أن هناك حديثًا عن عدم وجود نصاب قانوني، إضافة إلى أن الجلسة، «غير معلقة من الجلسة السابقة».
وأضاف: «ننتظر إصدار قرار بالموافقة على مخرجات 4+4 ضمن الإعلان الدستوري».
وأشار إلى أنه «بسبب عدم وجود نصاب حضر رئيس المجلس ودخل للقاعة 17 نائبًا، وتواجد 78 نائبًا خارج القاعة لعدم الاتفاق على جدول الأعمال».
وفي المقابل، أكد 64 عضوًا من أعضاء مجلس النواب الذين أعلنوا مقاطعتهم للجلسة، في بيان لهم، عدم اكتمال النصاب القانوني للجلسة.
وقال النواب إن الجلسة كانت بحضور 87 نائبًا، معتبرين أن مخرجاتها، في ظل الخلاف حول النصاب، ستكون محل طعن أمام القضاء المختص.
ولوح الأعضاء بإمكانية عقد جلسة مكتملة النصاب برئاسة أكبر الأعضاء سنا، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاختيار رئاسة جديدة للمجلس.
ومن جهته أكد المحلل السياسي عمر بوسعيدة، أنه عقب تعثر انعقاد جلسة مجلس النواب، تم التوصل إلى انعقاد الجلسة، وقام المجلس باعتماد مخرجات اللجنة المصغرة «4+4» في جلسته المنعقدة اليوم بمقره في بنغازي.
ويعكس هذا الموقف، بحسب قراءته، اعتبار ما جرى في بنغازي خطوة فعلية لاعتماد مخرجات اللجنة، رغم الجدل الذي رافق انعقاد الجلسة والخلافات بشأن النصاب.
عضو مجلس النواب الليبي عبدالمنعم العرفيوبدوره، قال عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي إن جلسة اليوم خصصت بالكامل لمناقشة اتفاق لجنة «4+4»، مشيرا إلى أن عدد حاضريها قارب 40 عضوا.
وأوضح العرفي أن اعتماد الاتفاق بالأغلبية استند إلى توقيعات سابقة لـ103 أعضاء وافقوا على تمرير الاتفاق، معتبرًا أن ذلك «يطابق اللائحة الداخلية للمجلس».
ويقدم هذا الطرح رواية مختلفة عن الأرقام المتداولة بشأن النصاب والحضور، إذ يستند إلى توقيعات سابقة لأعضاء المجلس لتأكيد وجود تأييد واسع لمخرجات الاتفاق.
رئيس مجلس النواب يأذن باتخاذ إجراءات قانونية بحق النائب عصام الجهانيوفي موقف شديد اللهجة، قال عضو مجلس النواب عصام الجهاني: «كما توقعت ومن عرف لغة قوم اتقى شرهم، ما حدث مهزلة وضحك على الذقون».
وأضاف: «بعد أن ضاقت بهم قاموا بافتتاح جلسة بعدد 30 عضوا والتصويت على الاتفاقية بإجماع عدد الحاضرين».
وأكد الجهاني أن الاتفاقية تحتاج إلى تضمين في الإعلان الدستوري، وهو ما وصفه بالتعديل الرابع عشر، مشيرا إلى الحاجة إلى 111 صوتا، متسائلا: «هل علمتم كيف يضيع الوطن؟».
وختم موقفه بالقول: «المحصلة أن الإصلاح بالمجلس أصبح مطلب أمن قومي وسيادي للأمة وكفى طبطة».
وقالت عضو لجنة تأسيس الدستور رانيا الصيد: «أرفع القبعة لمعالي المستشار عقيلة صالح»، مضيفة «ذهب إلى تكالة فتكلم عن 6+6، فأعطى إيحاء برفض 4+4»، وتابعت: «فغاب المؤيدون، وطعنوا في قانونية الانعقاد، ثم أُقرت مخرجات 4+4 بغيابهم».
ووصفت ما حدث بأنه «درس سياسي بامتياز»، قائلة إن عقيلة صالح هو «عقيلة التوافقي الذي لا يصطدم»، و«عقيلة غير المعرقل والذي لا يرد له قرار»، مضيفة: «وليعلم الجميع: مقاطعة المؤسسات ليست حلًا، بل هي تسليم بالمقعد للخصم».
وتابعت مخاطبة المقاطعين: «فاشربوا الآن مرارة الغياب»، وقالت أيضًا: «وعلى فكرة… عقيلة باق ويتمدد كرئيس لكم».
وفي قراءة أخرى، اعتبرت رانيا الصيد أن اعتماد مخرجات «4+4» سيبقى شكليا لمجلس النواب، ومعرضا للطعن الواضح والبين، مشيرة إلى وجود «رفض قاطع في الغرب المتمثل في مجلس الدولة».
وأضافت: «ولا عزاء لفزان وممثليها شرقا وغربا، فلم نسمع لهم صوتا ولا استنكارا».
عيسى عبدالقيومأما المحلل السياسي عيسى عبد القيوم، فقال إنه «في حال دستر قرار جلسة مجلس النواب اليوم، فإن 4+4 سينهي 6+6 وسيقوي 5+5».
ويضع هذا الطرح اعتماد «4+4» أمام تداعيات أوسع من مجرد التصويت على اتفاق اللجنة، باعتباره قد يعيد ترتيب أدوار المسارات السياسية والأمنية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، خصوصًا مسار «6+6» الخاص بالقوانين الانتخابية ومسار «5+5» العسكري.
ويأتي اعتماد مخرجات لجنة «4+4» بعد توقيع أعضاء اللجنة، في 30 أغسطس الماضي، على تفاهم بشأن تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في محاولة لإعادة تحريك المسار الانتخابي المتعثر منذ سنوات.
وتتضمن التفاهمات إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب إدخال تعديلات على الأطر القانونية والدستورية التي يُفترض أن تهيئ الظروف اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
كما تتضمن الخارطة فك الارتباط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بما يسمح بعدم تعطيل أحد الاستحقاقين بسبب الخلافات المتعلقة بالآخر، على أن تجرى الانتخابات خلال عامين من تاريخ توقيع الاتفاق.
وتكتسب هذه التفاهمات أهمية خاصة في ظل تعثر المسار الانتخابي، بعدما أخفق الليبيون في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة في 24 ديسمبر 2021.
وأدى خلاف سياسي وقانوني بشأن القواعد المنظمة للاستحقاق، ولا سيما شروط الترشح للرئاسة، إلى انهيار المسار الانتخابي قبل ساعات من الموعد المحدد، وسط خلافات حادة حول ترشح شخصيات أثارت جدلًا واسعًا.
ومنذ ذلك الحين، بقيت الانتخابات المؤجلة واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين الأطراف الليبية، في ظل عدم التوافق على القوانين الانتخابية والجهة التي تتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية، إضافة إلى استمرار التنافس بين المؤسسات السياسية على الشرعية والصلاحيات.
وبين إعلان رسمي باعتماد الاتفاق، وتصريحات نيابية تتحدث عن جلسة بحضور أعداد محدودة، ومواقف أخرى تستند إلى توقيعات سابقة لـ103 أعضاء، يتجه الجدل داخل مجلس النواب إلى ما هو أبعد من مخرجات «4+4» نفسها.
فالقضية باتت مرتبطة أيضا بشرعية انعقاد الجلسة وآلية التصويت ومدى انطباق النصاب واللائحة الداخلية عليها، وهو ما يفسر تلويح النواب المقاطعين باللجوء إلى القضاء والدعوة إلى جلسة أخرى مكتملة النصاب.
وفي المقابل، يرى مؤيدو الاعتماد أن وجود تأييد سابق من عدد كبير من النواب لمخرجات اللجنة يمثل سندا سياسيا لتمرير الاتفاق، وأن المجلس اتخذ قرارا باتجاه تحريك العملية السياسية والانتخابية.
ويضع المشهد الجديد مجلس النواب أمام اختبار مزدوج؛ فمن جهة، يسعى المجلس إلى تقديم اعتماده لمخرجات «4+4» باعتباره خطوة نحو توحيد السلطة التنفيذية والوصول إلى الانتخابات، ومن جهة أخرى، تهدد الخلافات الداخلية بشأن النصاب وقانونية الجلسة بتحويل الاعتماد نفسه إلى نقطة صراع جديدة.
كما أن ربط مصير الاتفاق بالإعلان الدستوري يفتح بابا إضافيا للنقاش القانوني والسياسي، خصوصا مع حديث معارضين عن ضرورة الحصول على عدد أكبر من الأصوات، بينما يتمسك مؤيدون بسلامة إجراءات التصويت استنادًا إلى اللائحة وتوقيعات سابقة.
وبينما يعتبر مؤيدو «4+4» أن اعتماد مخرجات اللجنة يمثل خطوة باتجاه كسر الجمود وإعادة الانتخابات إلى صدارة المشهد، تكشف الخلافات التي رافقت جلسة مجلس النواب أن الأزمة الليبية لا تزال تتجاوز النصوص والاتفاقات إلى أزمة ثقة وصراع على الشرعية وآليات اتخاذ القرار.
فإذا تمكنت الأطراف من تحويل الاعتماد إلى مسار دستوري وقانوني متوافق عليه، فقد يشكل ذلك دفعة جديدة نحو توحيد السلطة التنفيذية والذهاب إلى الانتخابات.
أما إذا بقي الخلاف حول النصاب وقانونية الجلسة قائما، فإن «4+4» قد يجد نفسه أمام طعون واعتراضات جديدة، بما يعيد إنتاج الحلقة ذاتها التي عطلت المسارات السياسية والانتخابية في ليبيا لسنوات.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤