عاد ملف الإنفاق العام في ليبيا إلى واجهة النقاش الاقتصادي، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى الالتزام باتفاق توحيد الإنفاق الذي جرى برعاية دولية وإشراف مصرف ليبيا المركزي، في وقت يواصل فيه سعر الصرف في السوق الموازية تسجيل مستويات مرتفعة مقارنة بالسعر الرسمي.
ويرى الخبير الاقتصادي إدريس الشريف أن جوهر المشكلة يرتبط بالعلاقة بين الإنفاق العام والإيرادات المتاحة للدولة، موضحا أن نحو 98 بالمئة من إيرادات الحكومة التي تمول الإنفاق العام تأتي أساسا من بيع دولارات النفط إلى مصرف ليبيا المركزي بالسعر الرسمي.
ويقول الشريف إن تحرك الإنفاق ضمن حدود الإيرادات من شأنه الحفاظ على قدر أكبر من التوازن في سوق الصرف، باعتبار أن الدينارات التي تدخل الاقتصاد يقابلها دولارات موجودة لدى المصرف المركزي. ويشير إلى أن هذا كان تحديدا الهدف من اتفاق توحيد الإنفاق، الذي رعاه المصرف المركزي عبر وضع سقف للإنفاق لا يتجاوز الإيرادات.
غير أن الشريف يرى أن المؤشرات المتاحة، في ظل غياب البيانات المالية أو ما وصفه بحجبها، تشير إلى أن الإنفاق الفعلي قد يكون أكبر بكثير من الإيرادات. ووفقا لتحليله، فإن استمرار العجز يستلزم تمويله عبر الدين العام وخلق دينارات جديدة، بما يؤدي إلى ضخ سيولة لا تقابلها زيادة مماثلة في الدولار أو الإنتاج الحقيقي.
ويحذر الشريف من أن طبيعة الاقتصاد الليبي المعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتوفير السلع والخدمات تجعل جزءا من السيولة الإضافية يتحول إلى طلب على الدولار، بما يوسع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
ويضيف أن تراجع قيمة الدينار لا يولد طلبا تجاريا فقط، بل يفتح المجال أيضا أمام المضاربة والتحوط، عبر شراء الدولار للاستفادة من فروق الأسعار أو حماية المدخرات من تآكل قيمتها، بما قد يجعل انخفاض الدينار عاملا إضافيا في زيادة الطلب على العملة الأجنبية.
وبحسب الشريف، فإن ضخ دولارات إضافية من الاحتياطيات أو اللجوء إلى خفض قيمة الدينار وفرض رسوم على بيع الدولار قد يؤخر المشكلة، لكنه لا يعالج أصلها، والمتمثل في ضخ دينارات تفوق ما يقابلها من موارد وإنتاج حقيقي في ظل انقسام سياسي وإداري واقتصادي.
وشدد الشريف على أن المسؤولية، في تقديره، تقع على من قرر الإنفاق الزائد، ومن موّل العجز، ومن سمح بخلق دينارات جديدة دون موارد حقيقية مقابلة، لكنه يؤكد أن المواطن هو من يتحمل الكلفة في النهاية. واعتبر أن مستوى الأسعار وسعر الصرف يمثلان المؤشر العملي الذي يلمسه المواطن، مشيرا إلى وصول الدولار إلى 9.15 دينار، بفارق يتجاوز 40 بالمئة عن السعر الرسمي، وفقا لما أورده في منشوره.
من جانبه، يرى عدنان نافو أن الحديث عن تقليص الإنفاق لا ينبغي عزله عن إصلاح اقتصادي شامل، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن ضبط الإنفاق غير المنضبط يمثل بداية لهذا الإصلاح وليس نهايته.
ويشير نافو إلى مجموعة اختلالات هيكلية، بينها اعتماد الاقتصاد على النفط، وتضخم الجهاز الوظيفي، وتشوه سعر الصرف، والاعتمادات والممارسات غير المنتجة، واستنزاف الموارد والاحتياطيات.
ويطرح نافو تساؤلا حول كيفية معالجة هذه الاختلالات مع استمرار الإنفاق المنفلت الممول بالدين، مؤكدا أن الإصلاح الشامل يبدأ بضبط الإنفاق وتوحيده وربطه بالإيرادات الحقيقية، ثم إصلاح السياسة النقدية وسعر الصرف وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي، وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج وخلق سوق عمل حقيقي.
وشبه نافو استمرار الإنفاق المنفلت رغم الحاجة إلى الإصلاح الشامل برفض وقف النزيف قبل إجراء العملية، مؤكدا أن الأولوية، من وجهة نظره، هي وقف النزيف ثم معالجة أسباب المرض الاقتصادي.
وفي منشور آخر، أوضح نافو أن النقاش يدور تحديدا حول اتفاق توحيد الإنفاق الذي وقع برعاية دولية وبإشراف مصرف ليبيا المركزي، مشيرا إلى أن الحديث عن وجود إنفاق مواز لم يعد قائما بعد الاتفاق، وأن الأطراف الموقعة أعلنت التزامها به.
لكنه يرى أن غياب البيانات المالية، بالتزامن مع حركة سعر الصرف، يثير تساؤلات بشأن مدى الالتزام الفعلي بالاتفاق. ويربط بين الإنفاق خارج الاتفاق، واستنزاف الاحتياطيات، والعجز، وتراكم الدين العام، وزيادة الطلب على الدولار، باعتبارها عوامل مترابطة.
ومع ذلك، يؤكد نافو أن تأكيد الالتزام بالاتفاق أو نفيه لا يمكن حسمه من دون نشر بيانات الإنفاق والإيرادات، داعيا إلى وقف الإنفاق المنفلت الممول بالدين العام، وسد الاختلالات في جانبي الإيرادات والمصروفات باعتبار ذلك شرطا أساسيا لبدء الإصلاح.
أما عمر البربار، فيرى أن اتفاق توحيد الإنفاق وإعداد ميزانية موحدة تشمل جميع نفقات الدولة وإيراداتها، وتوقيع الأطراف عليه برعاية دولية وإشراف مصرف ليبيا المركزي، كان يفترض أن يعالج القضايا التي أثيرت بشأن الإنفاق والموارد.
وأكد البربار أن الموقف النهائي يظل مرتبطا بانتظار نشر البيانات المالية، بما يسمح بتقييم مدى الالتزام بالاتفاق استنادا إلى أرقام واضحة، وليس إلى المؤشرات وحدها.
عميد طرابلس المركز: الغلاء يبدد فرحة العيد والحكومة تتحمل المسؤوليةوبينما يستمر الجدل بشأن حجم الإنفاق ومدى الالتزام بالاتفاق، تبقى انعكاسات سعر الصرف والأسعار في صدارة ما يواجهه المواطن الليبي يوميا. فارتفاع تكلفة الدولار ينعكس على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فيما يؤدي اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى زيادة الضغوط على القوة الشرائية والمدخرات.
وفي ظل غياب البيانات المالية التفصيلية، تتقاطع آراء الشريف ونافو والبربار عند نقطة أساسية، هي أن نشر بيانات الإيرادات والإنفاق يمثل المدخل الضروري للحكم على مدى تنفيذ اتفاق توحيد الإنفاق، وتحديد مصادر العجز وكيفية تمويله، قبل الانتقال إلى تقييم أوسع لمسار الإصلاح الاقتصادي والسياسة النقدية في البلاد.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤