حذر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف من استمرار حالة الضبابية التي تحيط بالاقتصاد الليبي، معتبرا أن البلاد تواجه أزمات متلاحقة في غياب رؤية واضحة يمكن البناء عليها حتى على المدى القصير، في وقت تتجه فيه دول أخرى إلى وضع استراتيجيات تمتد لعقود مقبلة.
وقال الشريف، في منشور عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن ليبيا تبدو عاجزة عن تقديم مسار اقتصادي واضح للمستقبل، بينما تتراكم الملفات التي تحتاج إلى معالجة، من الإنفاق العام وسوق الصرف إلى الوقود والاستيراد وإدارة الموارد النفطية.
وفي ملف الوقود، تساءل الشريف عن استمرار أزمة الطوابير أمام محطات التوزيع رغم تواصل تزويد السوق بالمحروقات، معتبرا أن استمرار الطوابير في هذه الظروف يتناقض مع المنطق، وطالب شركة البريقة بتفسير أسباب استمرار الأزمة.
وتأتي أزمة السيولة والعملة الأجنبية في وقت تشير فيه بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، بحسب ما أورده الشريف، إلى وصول إيرادات النفط إلى نحو 2.55 مليار دولار قبل خصم تكلفة توريد المحروقات.
وأشار إلى أن فاتورة توريد المحروقات يتوقع أن تتجاوز مليار دولار، بما قد يخفض صافي الإيرادات المتبقية إلى نحو 1.5 مليار دولار فقط، وهو مستوى يراه محدودا مقارنة بحجم الالتزامات ومتطلبات الاقتصاد الليبي في المرحلة الحالية.
ويرى الشريف أن هذا الوضع قد يضع مصرف ليبيا المركزي أمام تحديات متزايدة في تلبية الطلب على النقد الأجنبي وتوفير الاحتياجات الأساسية للاقتصاد، خصوصا مع ارتفاع الإنفاق العام واتساع الطلب على العملات الأجنبية.
وفي المقابل، اعتبر الشريف أن اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي ووزير الاقتصاد بحكومة الوحدة الوطنية يمثل خطوة مهمة في اتجاه تنظيم السوق وضبط منظومة الاعتمادات.
وأعرب عن أمله في أن ينعكس التنسيق بين الجانبين بصورة مباشرة على توجيه الاعتمادات نحو توريد الاحتياجات الفعلية للسوق الليبية، والحد من الطلب غير المبرر على النقد الأجنبي الناتج عن الاعتمادات الوهمية، مؤكدا أن استمرار التنسيق بين الجهات المعنية يمثل أساسا لأي جهود تستهدف استقرار السوق وترشيد استخدام النقد الأجنبي وتعزيز الثقة بالاقتصاد.
وفي السياق ذاته، أشار الشريف إلى قرار وزير الاقتصاد في الحكومة الليبية المتعلق بمنع الاستيراد خارج النظام المصرفي، معتبرا أنه يتماشى مع قرار مماثل صادر عن وزير الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما قد يمثل خطوة نحو توحيد إجراءات التجارة الخارجية.
ويرى أن توحيد مواد القرارين يمكن أن يعزز فرص نجاح السياسة الجديدة، لكنه شدد على أن فاعلية القرار ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بمدى تطبيقه في المنافذ البرية والبحرية والجوية، باعتبارها الحلقة الحاسمة في ضبط حركة الاستيراد ومنع الالتفاف على الإجراءات المصرفية.
ولم يتوقف الشريف عند الجانب الاقتصادي من توحيد الإجراءات، إذ أعرب عن أمله في أن يكون توحيد قرارات وزارتي الاقتصاد خطوة أولى باتجاه توحيد الحكومات، وصولا إلى وجود قرار واحد يصدر عن حكومة واحدة.
وفي تقييمه لقرار وزارة الاقتصاد بحكومة عبد الحميد الدبيبة بشأن منع الاستيراد خارج النظام المصرفي، أوضح الشريف أن القرار يأتي ضمن التنسيق بين الوزارة ومصرف ليبيا المركزي، ويستهدف تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد.
وأشار إلى أن التطبيق الفعال للقرار، بمشاركة جميع الجهات ذات العلاقة، يمكن أن يساعد في تقليص الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي والحد من التعاملات في السوق الموازية، بما قد يدعم استقرار سوق الصرف وينظم النشاط التجاري.
ليبيا الغنية بالنفط تواجه أزمة خدمات متفاقمة وسط فجوة بين الموارد والإنفاقوفي قراءة أوسع لمستقبل الاقتصاد الليبي، أشار الشريف إلى توقعات وكالة بلومبيرغ الأمريكية بشأن إمكانية ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 120 دولارا للبرميل، لكنه لفت إلى أن هشاشة الوضع السياسي قد تحول دون استفادة ليبيا بصورة كاملة من أي نمو مرتقب في الإيرادات.
وبحسب الطرح الوارد في منشوره، فإن استمرار الهشاشة السياسية وما يرتبط بها من فساد قد يحد من قدرة الدولة على تحويل ارتفاع الإيرادات النفطية إلى تحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وتكشف مجمل الملفات التي أثارها الشريف عن ترابط وثيق بين إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام، وتوفير النقد الأجنبي، وتنظيم الاستيراد، وأزمة الوقود، واستقرار سعر الصرف. فزيادة الإيرادات وحدها لا تبدو كافية، وفق هذا الطرح، ما لم ترافقها إدارة أكثر انضباطا للموارد وتنسيق فعلي بين المؤسسات.
وبالنسبة للمواطن الليبي، فإن نتائج هذه السياسات لا تقاس فقط بحجم الإيرادات النفطية المعلنة، وإنما بما ينعكس على توافر الوقود، وأسعار السلع، وسعر العملة، وقدرة السوق على توفير الاحتياجات الأساسية.
وفي ظل استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي، تظل مسألة توحيد القرارات الاقتصادية محل اختبار حقيقي، فيما يبقى نجاح أي إجراء مرهونا بمدى تنفيذه على الأرض، وبقدرة المؤسسات المعنية على الانتقال من القرارات المتوازية إلى سياسة اقتصادية موحدة تخدم المواطن وتحافظ على موارد الدولة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤