لم يعد اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» مجرد تفاهم سياسي جديد يضاف إلى سلسلة المبادرات التي عرفتها ليبيا خلال سنوات الانقسام، بل انتقل إلى مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الاختبار الحقيقي لقدرة المؤسسات والأطراف السياسية على تحويل التوافق إلى خطوات عملية.
وبينما أعلنت عضو مجلس النواب عائشة الطبلقي استعداد المجلس لمناقشة الاتفاق، يتعامل أعضاء آخرون معه من زوايا مختلفة، بعضها يركز على حجم التأييد، وبعضها على المهلة الممنوحة للمؤسسات، فيما يضع آخرون نجاح الاتفاق في ميزان القدرة على توحيد الحكومة وإجراء الانتخابات.
وتكشف المواقف المتداخلة أن هناك اتفاقًا واسعًا على أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولًا، لكن النقاش يبدأ عندما ينتقل السؤال من «هل نريد إنهاء الانقسام؟» إلى «كيف، ومتى، ومن يضمن التنفيذ؟».
تضع عائشة الطبلقي نقطة البداية عند مجلس النواب نفسه، مؤكدة أن المجلس مستعد لاعتماد المخرجات النهائية للجنة «4+4»، وأن جلسة لمناقشتها مرتقبة خلال الفترة المقبلة. وتستند الطبلقي في تقديرها إلى إعلان 105 نواب دعمهم للاتفاق، معتبرة أن هذا التأييد يعزز فرص تنفيذه ويدفع المسار الانتخابي إلى الأمام.
لكن عضو مجلس النواب سعيد امغيب ينقل النقاش من عدد المؤيدين إلى ما يعتبره الاختبار الأهم: جدية المؤسسات في التعامل مع المهلة التي حددها الاتفاق.
فبالنسبة إليه، نجاح لجنة الحوار في معالجة ملفات كانت عالقة لا ينبغي أن يتحول إلى جولة جديدة من إضاعة الوقت، مؤكدًا أن استخدام الحوارات لكسب الوقت لم يعد مقبولًا.
ومن هذه الزاوية، لا يختلف امغيب مع الطبلقي في أهمية اعتماد الاتفاق، لكنه يضع شرطًا سياسيًا مختلفًا لقيمته؛ فالمشكلة، في تقديره، لن تكون في إعلان التأييد، وإنما في تحويله إلى قرار وتنفيذ.
ولذلك يرى أن «الكرة الآن في ملعب مجلس الدولة وبقية الأطراف السياسية»، وأن الالتزام بالمهلة يمكن أن يفتح الطريق أمام توحيد السلطة التنفيذية والانتخابات، بينما قد يعني الرفض، من وجهة نظره، أن الأزمة مرتبطة باستمرار الانقسام أكثر من ارتباطها بغياب الحلول.
عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي يقترب من الاتفاق من زاوية أخرى. فهو يرى أن توقيعه يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو توحيد مؤسسات الدولة، لكنه يلفت إلى ملف محدد يرى أن حسمه يحمل أهمية عملية مباشرة، وهو ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وبينما تركز الطبلقي على استعداد مجلس النواب للاعتماد، يوضح العرفي أن الاتفاق عالج جانبًا من الخلاف حول المفوضية، بعدما كان مجلس النواب قد سمّى أعضاء مجلس إدارتها، في حين ظل الخلاف قائمًا حول منصبي الرئيس ونائبه قبل حسم المسألة بالتوافق.
وهنا تتسع دائرة النقاش؛ فالاتفاق، بحسب العرفي، لا يتعامل فقط مع هندسة السلطة السياسية، بل مع التفاصيل التي يفترض أن تجعل الانتخابات قابلة للتنفيذ، من الاستعدادات اللوجستية إلى الإشراف وإعلان النتائج. لكنه، في الوقت نفسه، لا يمنح الاتفاق صك نجاح مسبق، إذ يرى أن السؤال الحاسم سيظهر عند بدء التنفيذ، عندما تتضح حقيقة وجود مماطلات أو خلافات جديدة.
وفي هذا الجزء تحديدًا، يلتقي العرفي مع امغيب في نقل مركز الثقل من نص الاتفاق إلى تطبيقه، وإن كان كل منهما ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: الأول من خلال ترتيبات المفوضية والاستحقاق الانتخابي، والثاني من خلال جدية المؤسسات والتزامها بالمهلة.
أما عضو مجلس النواب بدر النحيب، فيضع معيارًا أكثر ارتباطًا بالنتيجة النهائية. فهو يرى أن الاتفاق يصبح «إنجازًا عظيمًا جدًا» إذا قاد إلى لمّ شمل الشعب الليبي وتشكيل حكومة واحدة والوصول إلى الانتخابات.
وهنا يلتقي النحيب مع الاتجاه الداعي إلى إنهاء الانقسام، لكنه يوسع دائرة القياس لتشمل شكل السلطة التنفيذية. فهو لا يرى أن مجرد توقيع الاتفاق كافٍ، بل يربط قيمته بإنهاء واقع وجود حكومتين وجهازين للرقابة وديوانين للمحاسبة.
ويضيف النحيب زاوية زمنية إلى النقاش، مؤكدًا أن الليبيين سئموا المراحل الانتقالية، وأنه يدعم إجراء الانتخابات سواء جاءت بعد 20 شهرًا أو 24 شهرًا، لكنه يرى أنه كان من الأفضل أن تتضمن الوثيقة تعهدًا واضحًا بإجرائها بعد 24 شهرًا، بما يمنح المرحلة سقفًا زمنيًا محددًا.
وعندما انتقل النقاش إلى مسألة مشاركة شخصيات في الاتفاق ومدى تكليفها، أشار النحيب إلى حضور عضوين من مجلس النواب وعضوين من مجلس الدولة، متسائلًا عن سبب إجراء البعثة الأممية اجتماعات وجولات معهم إذا لم يكونوا مكلفين، ومؤكدًا، بحسب قوله، أن المشاركين لم يتحركوا من تلقاء أنفسهم وإنما عن طريق مجلس النواب والقيادة العامة.
أما غياب جلسات مجلس النواب، فلم يحمّل النحيب مسؤوليته لأعضاء المجلس، بل أعاد تحديد مواعيد الجلسات إلى رئاسة المجلس، مشيرًا إلى اجتماعات عقدها النواب من تلقاء أنفسهم، مع تأكيده أن حضور الرئاسة ضروري لانعقاد الجلسات بصورة رسمية.
عضو المجلس الأعلى للدولة منصور الحصادي، من جهته، يتجاوز مسألة التأييد السياسي إلى المطالبة بإطار تنفيذي أكثر وضوحًا. فهو يدعو مجلسي النواب والدولة إلى اعتماد الاتفاق النهائي والتعامل معه بصورة إيجابية، لكنه يضيف مطلبًا آخر يتمثل في إلزام البعثة الأممية باستكمال الخطوات التأسيسية لخارطة الطريق وفق توافق وطني واسع ومسار شفاف وجدول زمني ملزم.
وهكذا، إذا كان النحيب يضع الانتخابات باعتبارها الغاية، فإن الحصادي يركز على الطريق المؤدي إليها. فالسلطة التنفيذية الجديدة، في تصوره، يجب أن تكون موحدة وذات كفاءة، وقادرة على تحقيق الاستقرار ومعالجة الأزمات وتهيئة الظروف للانتخابات.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه العرفي بشأن أثر الانقسام على حياة المواطن، لكنها تضيف إليها مطلبًا مؤسسيًا: تجديد الشرعية عبر الانتخابات لا ينفصل عن توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار والمصالحة الوطنية.
أستاذ العلوم السياسية الدكتور يوسف الفارسي يدخل إلى النقاش من زاوية مختلفة، إذ يربط النجاح الذي تحقق في «4+4» بالدعم الذي قدمته القيادة العامة للقوات المسلحة، وعلى رأسها المشير خليفة حفتر ونائب القائد العام الفريق صدام حفتر.
ويعتبر الفارسي أن التجربة السابقة للجنة «6+6» كشفت حجم الخلاف حول ملفات بينها ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، ويرى أن مواقف داخل مجلس الدولة بشأن هذه القضايا ساهمت في تعثر المسار السابق، بينما أسهم تجاوز مجلسي النواب والدولة في جعل عمل اللجنة الحالية، من وجهة نظره، أكثر وضوحًا.
لكن هذه القراءة لا تتوقف عند الملفات الانتخابية، إذ يضع الفارسي التحركات الخارجية للقيادة العامة والفريق صدام حفتر في سياق سياسي وأمني واقتصادي أوسع، معتبرًا أنها ساعدت في حشد الدعم والتأييد ودفع العملية السياسية.
وفي المقابل، ينتقد الفارسي أداء حكومة الدبيبة خلال المرحلة السابقة، معتبرًا أنها أخفقت في عدد من الملفات، بينما يرى أن تحركات القيادة العامة خارجيًا منحتها حضورًا ودعمًا متزايدين في دفع العملية السياسية.
كما يربط الفارسي المسار الحالي بجهود الأمم المتحدة والمبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، ويذهب إلى أن «4+4» لم تكن لتنجح، في تقديره، من دون الدعم الأميركي، معتبرًا أن تجاوز ملف القوانين الانتخابية يمثل تقدمًا بارزًا.
ويضيف إلى ذلك تحذيرًا سياسيًا واضحًا، إذ يتوقع أن تكون المحافظة على الاتفاق تحت رعاية دولية، وأن تواجه الأطراف التي تحاول عرقلته عقوبات دولية.
عضو مجلس النواب عصام الجهاني يقترب من الاتفاق بنبرة متفائلة، واصفًا إياه بأنه «تاريخي» ومختلف عن التوافقات السابقة، ويرى أن ما تحقق يمثل «قفزة حقيقية» جاءت بعد جهود واجتماعات مكثفة، وليس نتيجة تحرك عابر.
لكن الجهاني، رغم إشادته بالاتفاق، لا يمنح مجلس النواب موقفًا مريحًا؛ إذ ينتقد بيان رئيس المجلس بشأن المخرجات، واصفًا إياه بأنه «مايع والرمادي وخلط الأوراق»، معتبرًا أن المرحلة لا تحتمل المواقف الرمادية.
ومن هنا يلتقي الجهاني مع امغيب في أولوية الحسم، لكنه يذهب أبعد في نقد أداء المؤسسة التشريعية نفسها، معتبرًا أن المجلس أصبح معطلًا وأن أداءه تراجع، وأن بعض قراراته وبياناته وتصريحاته انعكست سلبًا على صورته.
ومع ذلك، لا يجعل الجهاني الخلاف حول أداء المجلس سببًا لرفض الاتفاق؛ بل يدعو النواب إلى دعمه والمضي معه، محذرًا من أن يؤدي موقف رئاسة مجلس النواب إلى تعقيد تمرير المخرجات.
وفي قراءته لدور القيادة العامة، يتقاطع الجهاني مع الفارسي في الإشادة بتحركاتها، معتبرًا أنها تقدم خطوات فعلية وتنازلات بهدف الوصول إلى توافق بين الأطراف الفاعلة على الأرض، بما في ذلك الحكومة، وتوحيد البلاد.
عند هذه النقطة، تتجمع الخيوط السياسية التي طرحتها الشخصيات المختلفة حول سؤال واحد: ماذا بعد التوقيع؟
الجهاني يرى أن الخطوة المقبلة يجب أن تكون توحيد مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطة التنفيذية، ويقول إن التحضيرات لهذه الخطوة بدأت بالفعل، وإن المسار لن ينتظر بالضرورة مرور الشهر الكامل لإحالة الاتفاق إلى مجلس النواب.
أما الحصادي فيشترط أن تكون السلطة التنفيذية الجديدة موحدة وذات كفاءة، بينما يربط النحيب قيمة الاتفاق بإنهاء وجود حكومتين، في حين يعتبر امغيب أن توحيد السلطة التنفيذية والانتخابات يمكن أن يصبحا ممكنين إذا التزمت الأطراف بالمهلة.
وبذلك لا تبدو الحكومة الموحدة تفصيلًا إداريًا في النقاش، بل أصبحت بالنسبة إلى عدد من المتحدثين الجسر الذي يفصل بين استمرار الانقسام وبين الانتقال إلى مرحلة انتخابية جديدة.
لكن عضو لجنة الحوار المهيكل أشرف بودوارة يعيد النقاش من غرف المؤسسات إلى حياة الليبيين اليومية.
فهو يدعو إلى بدء مرحلة جديدة من المسؤولية السياسية عقب توقيع الاتفاق، والعمل على تهيئة المناخ لتنفيذه وإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
وبينما انشغل جزء كبير من النقاش بتفاصيل المؤسسات والمفوضية والمهل والسلطة التنفيذية، يضع بودوارة معيارًا اجتماعيًا واقتصاديًا مباشرًا: المواطن يريد مؤسسات موحدة وقوية وانتخابات تنهي المراحل الانتقالية، ولا يمكن أن تؤدي إعادة تدوير أزمات الماضي إلى معالجة أزمات الحاضر.
ويحدد بودوارة الكهرباء والغلاء والوقود وتدهور الخدمات باعتبارها ملفات لا يمكن حلها بإنتاج أزمة سياسية جديدة، مؤكدًا أن ليبيا تحتاج في هذه المرحلة إلى تنفيذ اتفاق «4+4» لا إلى صناعة أزمات إضافية.
وهنا تتقاطع رؤيته مع النحيب والعرفي، لكن من زاوية أكثر التصاقًا بالحياة اليومية؛ فالمواطن الذي يدفع ثمن الانقسام لا ينتظر فقط إعادة ترتيب المؤسسات، وإنما ينتظر أن تتحول تلك الترتيبات إلى خدمات واستقرار وفرصة حقيقية للخروج من المرحلة الانتقالية.
أما الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى فيقدم أكثر القراءات ارتباطًا بحسابات النفوذ السياسي. فهو يرى أن مجلسي النواب والدولة يواجهان خيارًا صعبًا في المصادقة على وثيقة «4+4» أو رفضها.
فالموافقة، بحسب عيسى، قد تعني التنازل عن جزء من النفوذ، خصوصًا أن «4+4» جاء لمعالجة ملفات تعثرت أصلًا داخل مسار مجلسي النواب والدولة.
لكن الرفض، في قراءته، قد يكون أكثر خطورة؛ إذ يرى أن الاتفاق يمكن أن يتحول إلى مسار بديل عن المجلسين إذا استمر مدعومًا دوليًا وبرعاية مباشرة من الأمم المتحدة.
ولا يضع عيسى المسألة في إطار تأييد الاتفاق أو رفضه فقط، بل يحذر من تغير قواعد اللعبة السياسية. فإذا رفض المجلسان ثم مضت الأمم المتحدة والدول المؤثرة في التنفيذ، فقد يحتفظان بوجودهما القانوني والسياسي، لكنهما قد يخسران تدريجيًا القدرة على التحكم في مسار المرحلة الانتقالية.
أما الموافقة، فيراها قبولًا بقواعد جديدة مع محاولة الحفاظ على دور داخلها، ولذلك يخلص إلى أن الموافقة قد تكون مؤلمة، لكن الرفض، في تقديره، أخطر.
بين هذه المواقف، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا من مجرد توافق أو خلاف حول وثيقة سياسية. فهناك دعم نيابي معلن، ودعوات من داخل مجلس الدولة لاعتماد الاتفاق، ورؤى تعتبر أن القيادة العامة كان لها دور مؤثر في الدفع نحو التوافق، ومواقف تنتقد أداء حكومة الدبيبة، وأصوات تحذر من عرقلة التنفيذ، وأخرى تطالب بجدول زمني واضح لا يترك الانتخابات رهينة للتأجيل.
لكن القاسم المشترك الأوضح بين معظم هذه المواقف هو أن قيمة «4+4» ستُختبر خارج قاعة التفاوض.
فالطبلقي تتحدث عن اعتماد مخرجات الاتفاق، وامغيب عن اختبار الجدية، والعرفي عن التنفيذ الانتخابي، والنحيب عن الحكومة الواحدة والانتخابات، والحصادي عن خارطة طريق وجدول زمني ملزم، والفارسي عن حماية الاتفاق من العرقلة، والجهاني عن الانتقال المباشر إلى توحيد السلطة التنفيذية، وبودوارة عن أثر الانقسام على حياة المواطن، فيما يضع عادل عيسى المسألة في إطار صراع النفوذ ومن يملك زمام المرحلة المقبلة.
وهكذا يتحول اتفاق «4+4» من وثيقة توافق إلى امتحان سياسي مفتوح: مجلس النواب أمام قرار الاعتماد، ومجلس الدولة أمام خيار التعامل معه، والأطراف التنفيذية أمام استحقاق توحيد المؤسسات، والمفوضية أمام مهمة الاستعداد للانتخابات، والمجتمع الدولي أمام مسؤولية حماية المسار، فيما يبقى المواطن الليبي الطرف الذي ينتظر النتيجة لا البيانات.
فالاختبار الحقيقي، وفق مجمل المواقف المطروحة، ليس في القدرة على توقيع اتفاق جديد، وإنما في القدرة على منع تحوله إلى محطة أخرى في سلسلة المراحل الانتقالية، وتحويله إلى مسار يقود بالفعل إلى سلطة تنفيذية موحدة ومؤسسات موحدة وانتخابات تنهي حالة الانقسام وتعيد تجديد الشرعية السياسية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤