لم تعد أزمة انقطاع الكهرباء في ليبيا قضية مرتبطة بإضاءة المنازل أو تشغيل المصانع والمحال التجارية فحسب، بعدما امتدت تداعياتها إلى أحد أكثر الملفات حساسية، وهو حفظ اللقاحات وضمان سلامتها قبل وصولها إلى الأطفال والمراكز الصحية. ومع استمرار الانقطاعات لساعات طويلة لأكثر من شهرين، برزت سلسلة من الوقائع والتحذيرات التي تضع منظومة التطعيمات أمام اختبار مباشر لقدرة الدولة على حماية مخزون دوائي لا يحتمل اضطراب درجات الحرارة.
وكان مركز الرقابة على الأغذية والأدوية قد أعلن، قبل نحو أسبوع، تعرض قرابة ألفي جرعة لقاح للتلف داخل مخازن التطعيمات بسبب انقطاع الكهرباء وعدم توافر كميات كافية من الوقود لتشغيل المولدات الاحتياطية. وحذر المركز من أن استمرار الظروف ذاتها قد يؤدي إلى وصول جرعات غير صالحة للاستخدام إلى المراكز الصحية، مطالباً بالتدخل العاجل للتأكد من سلامة اللقاحات قبل توزيعها.
لكن وزارة الصحة التابعة لحكومة الدبيبة منتهية الولاية قدمت رواية مختلفة، إذ نفت تعرض مخازن التطعيمات لخطر يهدد سلامة اللقاحات، وقالت إن المخازن تستمر في العمل بواسطة المولدات الكهربائية خلال فترات انقطاع التيار، مؤكدة أنها لم تتلق بلاغاً رسمياً بشأن نقص الوقود أو تعطل المولدات.
غير أن التطورات اللاحقة أعادت الأزمة إلى الواجهة بصورة أكثر حدة، بعدما أعلن فرع مركز الرقابة على الأغذية والأدوية في سوق الجمعة بطرابلس إعدام 4941 جرعة لقاح من أنواع تطعيم مختلفة، إثر ارتفاع درجة الحرارة داخل غرفة التبريد المركزية نتيجة انقطاع الكهرباء وتعطل منظومة التبريد، ما جعل الجرعات غير صالحة للاستخدام.
وبذلك انتقلت القضية من مستوى التحذير من احتمال تلف اللقاحات إلى واقعة معلنة لإعدام آلاف الجرعات، وهو ما يطرح أسئلة تتجاوز الخلاف بين البيانات الرسمية والرقابية إلى صميم إدارة ملف الخدمات الأساسية في البلاد.
المركز الرقابي شدد مجدداً على أن استمرار انقطاع الكهرباء وشح الوقود وتقادم المولدات ومصادر الطاقة البديلة يشكل تهديداً مباشراً لمخزونات اللقاحات، محذراً من أن المخاطر تصبح أكبر في المناطق النائية التي قد تواجه فترات أطول من الانقطاع.
وفي مواجهة هذه الانتقادات، أعلنت وزارة الصحة في طرابلس تنفيذ تدخلات لتعزيز سلسلة تبريد اللقاحات بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة، وقالت إن الإجراءات شملت توفير أكثر من 1700 ثلاجة مخصصة لحفظ اللقاحات، إلى جانب منظومات للطاقة الشمسية ومصادر احتياطية للطاقة.
وأوضحت الوزارة تركيب 218 ثلاجة تعمل بالطاقة الشمسية في مواقع تطعيم موزعة على عدد من البلديات والمناطق، ودعم 44 مرفقاً للرعاية الصحية الأولية بمنظومات للطاقة الشمسية، فضلاً عن تزويد البرنامج الوطني للتطعيم بأكثر من 1500 ثلاجة مخصصة لحفظ اللقاحات.
غير أن طبيب أطفال انتقد طريقة تقديم هذه الأرقام، معتبراً أن التجهيزات التي تتحدث عنها الوزارة تأتي في إطار مشروع بدأ عام 2023، أي قبل تفاقم أزمة انقطاع الكهرباء الحالية. وبحسب الطبيب، فإن عرض أعداد الثلاجات لا يقدم إجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف وصلت الأمور إلى إعدام آلاف الجرعات، في وقت تؤكد فيه الوزارة وجود وسائل مخصصة للحفظ والتبريد؟
وأكد الطبيب أنه لا يوجه اتهاماً للوزارة، لكنه يطالبها بالتأكد ميدانياً من وصول الثلاجات إلى المراكز الصحية وتشغيلها بالفعل، وعدم الاكتفاء بالتقارير الورقية، مع إعطاء اهتمام أكبر للمناطق الهامشية ومخازن حفظ اللقاحات فيها.
ويكتسب هذا الجدل بعداً أكثر خطورة مع استمرار الحديث عن انقطاعات قد تصل في بعض المناطق إلى 15 ساعة يومياً، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة الخارجية إلى أكثر من 40 درجة مئوية، وصعوبة توفير الوقود اللازم لتشغيل المولدات.
ويشرح الطبيب أن معظم اللقاحات تحتاج إلى حفظها في درجات حرارة تتراوح بين درجتين وثماني درجات مئوية. وإذا تجاوزت الحرارة هذه الحدود، فإن صلاحية الجرعة لا تُحسم بمجرد النظر إليها، وإنما يعاد تقييم مدة تعرضها للحرارة وفق نوع اللقاح وبياناته الفنية.
أما وصول درجة الحرارة إلى 15 درجة مئوية، فيمثل وفق التقييم الطبي الذي عرضه الطبيب حالة خطرة تستوجب عزل الجرعات وعدم استخدامها إلى حين إخضاعها للتقييم، وقد ينتهي الأمر إلى إعدامها إذا ثبت فقدانها صلاحيتها.
وهنا تتقاطع أزمة الكهرباء مع ملف صحي وإنساني بالغ الحساسية؛ فالمشكلة لم تعد فقط في توفير التيار للمواطن، وإنما في ضمان استمرار سلسلة تبريد تمتد من المخازن المركزية إلى مواقع التطعيم، مروراً بالمرافق الصحية والمناطق البعيدة.
ويحذر مركز الرقابة على الأغذية والأدوية من أن ملف التطعيمات يمثل أمناً قومياً، وهي عبارة تكشف حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن التعامل مع الكهرباء والوقود ومصادر الطاقة الاحتياطية باعتبارها ملفات خدمية منفصلة عن الأمن الصحي للمجتمع.
ومن منظور المواطن الليبي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك الرواية الأدق بشأن حالة المخازن، بل بمن يتحمل مسؤولية ضمان ألا تتحول أعطال الكهرباء إلى خسائر في اللقاحات أو تهديد لسلامة الأطفال، خصوصاً في ظل استمرار الأزمة وعدم وجود مؤشرات واضحة على معالجة جذورها.
وبين بيانات وزارة الصحة التي تستعرض حجم التجهيزات، وتحذيرات مركز الرقابة التي تتحدث عن جرعات تعرضت للتلف، وملاحظات الطبيب المطالب بالتحقق الميداني، تبدو الحاجة ملحة إلى آلية رقابية عملية تكشف واقع سلسلة التبريد على الأرض، لا على الورق فقط.
فإعدام 4941 جرعة لقاح لا يمكن اختزاله في عطل فني عابر، كما أن توفير مئات أو آلاف الثلاجات لا يمثل حلاً مكتملًا ما لم تكن تلك المعدات موزعة فعلياً، وتعمل بكفاءة، ومدعومة بمصادر طاقة مستقرة ووقود كافٍ، خصوصاً في المناطق التي تطول فيها ساعات انقطاع الكهرباء.
وفي بلد يعيش المواطن فيه تحت ضغط أزمة كهرباء ممتدة، تصبح حماية اللقاحات اختباراً مباشراً لكفاءة الإدارة العامة. فحين تصل تداعيات انقطاع التيار إلى مخازن التطعيمات، فإن القضية تتجاوز حدود الخدمة اليومية لتلامس الحق في الصحة وسلامة الأطفال ومسؤولية مؤسسات الدولة عن حماية الموارد الطبية ومنع تحول الأزمات الخدمية إلى أزمات إنسانية.
أزمة الكهرباء تهدد سلسلة تبريد اللقاحات في ليبيا، بعدما أُعدمت 4941 جرعة، وسط تحذيرات من تلف مخزونات أخرى ونقص الوقود وتقادم المولدات.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤