في ليبيا، لم تعد صيغ الحوار مجرد أرقام تختصر أسماء اللجان، بل أصبحت تعكس مسارات متشابكة لأزمة ممتدة منذ سنوات. فـ«4+4» و«5+5» تمثلان مسارين سياسيًا وعسكريًا حاول الليبيون من خلالهما إدارة خلافاتهم، بينما ظلت الدولة نفسها عالقة بين مؤسسات متوازية ومراكز نفوذ متنافسة.
أربعة مقابل أربعة، وخمسة مقابل خمسة، شرق في مواجهة غرب، وعسكريون يتحاورون مع عسكريين، وسياسيون يبحثون عن صيغة جديدة لتقاسم السلطة، فيما تبقى الدولة في حاجة إلى تسوية تتجاوز إدارة الانقسام نحو إنهائه.
ما يجعل التقاطع بين المسارين السياسي والعسكري أكثر أهمية هو أنه يأتي في لحظة بدأت فيها فكرة استمرار الانقسام تفقد قدرتها على إقناع أطراف عديدة داخل ليبيا.
فالحرب لم تعد بالنسبة لأي طرف مشروعًا قابلًا لتحقيق انتصار كامل، والسلطة المنقسمة لم تعد قادرة على إنتاج استقرار دائم، بينما يواجه اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط ضغوطًا متزايدة نتيجة استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي.
وبذلك، بات هناك إدراك متنامٍ بأن استمرار الوضع القائم لا يمنح الليبيين دولة مستقرة، بل يكرّس نفوذًا مؤقتًا لمراكز القوة ويؤجل بناء الدولة.
لكن الاعتراف بأن الانقسام لم يعد قابلًا للاستمرار لا يعني بالضرورة أن جميع الأطراف أصبحت مستعدة لإنهائه.
وهنا تبرز أهمية قراءة تفاهمات «4+4» و«5+5» من زاوية مختلفة؛ فليبيا لم تعجز خلال السنوات الماضية عن إنتاج الاتفاقات، بل أنتجت عشرات التفاهمات والمبادرات، إلا أن الاختبار الحقيقي كان دائمًا يبدأ بعد مراسم التوقيع.
من ينفذ الاتفاق؟ ومن يتخلى عن جزء من نفوذه؟ ومن يضمن عدم تحول التسوية إلى مجرد إعادة توزيع مؤقت لمراكز القوة؟
لذلك، فإن قيمة التقاطع بين المسارين لا تكمن في الأرقام، وإنما في السؤال الذي يفرضه على المشهد: هل بدأت ليبيا تنتقل فعلًا من إدارة الانقسام إلى محاولة إنهائه؟
هذا السؤال يتجاوز أي لجنة أو حكومة مؤقتة، لأن التجربة الليبية أثبتت أن المسارين السياسي والأمني لا يمكن أن يسيرا بمعزل عن بعضهما.
فعلى مدى سنوات، جرى التعامل مع السياسة والأمن باعتبارهما ملفين منفصلين؛ السياسيون يتفاوضون بشأن الحكومات والانتخابات والقوانين، بينما ينشغل العسكريون بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية.
لكن الواقع أثبت أن بناء سلطة سياسية موحدة يظل صعبًا في ظل قوى عسكرية متنافسة، كما أن توحيد المؤسسة العسكرية يصبح أكثر تعقيدًا في ظل نظام سياسي منقسم يمنح أطرافه حوافز للاحتفاظ بالسلاح والنفوذ.
من هنا تكتسب اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» أهمية تتجاوز مهمتها المباشرة.
فالمسار العسكري أثبت، رغم محدودية نتائجه، أن الحوار بين القوى التي كانت تقف على طرفي الحرب ممكن، وأن قنوات الاتصال يمكن أن تظل مفتوحة حتى في أصعب مراحل الانسداد السياسي.
لكن وقف إطلاق النار وحده لا يستطيع إنتاج دولة، فغياب الحرب لا يعني بالضرورة تحقق السلام، والهدوء الأمني لا يساوي تلقائيًا الاستقرار.
فإذا بقيت المؤسسات منقسمة، والسلاح موزعًا خارج سلطة وطنية موحدة، والموارد العامة خاضعة لموازين سياسية وجغرافية، فإن أسباب الصراع ستظل قائمة، وقد تعود المواجهة في أي لحظة.
لهذا، فإن الحديث عن حكومة موحدة يجب ألا يختزل في البحث عن اسم رئيس الحكومة أو توزيع الحقائب الوزارية.
السؤال الحقيقي هو: ما طبيعة السلطة التي ستنتجها هذه التسوية؟
فإعلان حكومة واحدة يمكن أن يتم خلال فترة قصيرة، لكن ذلك لا يعني أن ليبيا أصبحت دولة موحدة.
الحكومة تصبح موحدة بالفعل عندما يصبح قرارها قابلًا للتنفيذ في مختلف المناطق، وعندما تتمكن مؤسساتها من إدارة المال العام، وحماية الحدود، وتنظيم الأمن، والإشراف على الانتخابات، وإدارة المؤسسات السيادية باعتبارها مؤسسات وطنية لا أدوات نفوذ سياسي.
المعضلة الأساسية أن تشكيل حكومة موحدة ليس إجراءً إداريًا، بل يعني عمليًا إعادة توزيع للسلطة والنفوذ.
من يختار الوزراء؟ ومن يملك حق تسمية المسؤولين في المؤسسات السيادية؟ وكيف ستوزع المناصب بين المناطق؟ وماذا سيحدث للقوى التي بنت نفوذها خلال سنوات الانقسام؟ وما الذي سيحصل عليه هؤلاء مقابل قبولهم بالتخلي عن جزء من نفوذهم؟
هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من نص الاتفاق نفسه، لأنها ستحدد مدى قدرة أي تسوية على الاستمرار.
الخطر لا يكمن فقط في فشل الحكومة المقبلة، وإنما في نجاحها في التشكيل دون أن تنجح في التحول إلى سلطة فعلية.
عندها قد تتحول الحكومة الجديدة إلى طبقة إضافية من المؤسسات فوق المؤسسات القائمة، وتصبح مرحلة انتقالية جديدة تضاف إلى سلسلة المراحل التي وعدت الليبيين بإنهاء الانقسام لكنها أعادت إنتاجه بصيغ مختلفة.
وهنا تبرز خطورة المحاصصة، التي قد تبدو في البداية وسيلة عملية لطمأنة الأطراف ومنع شعورها بالخسارة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول من أداة مؤقتة لإنتاج التوافق إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة.
فالدولة التي توزع مؤسساتها وفق موازين القوة لا تبني مؤسسات مستقلة، وإنما تنقل الصراع من الشارع إلى داخل مؤسساتها.
في المقابل، يظل للمجتمع الدولي دور مؤثر في المسار، خصوصا في جمع الأطراف إلى طاولة الحوار، وتوفير مظلة سياسية للتفاهمات، وممارسة الضغط الدبلوماسي لدفع العملية السياسية إلى الأمام.
لكن هذا الدور لا يمكن أن يحل محل الإرادة الليبية، فالاعتراف الدولي يمكن أن يدعم أي تسوية، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحها شرعية داخلية مستدامة.
وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل استمرار حضور المصالح الدولية والإقليمية في الملف الليبي، من النفط والطاقة إلى الأمن والهجرة والبحر المتوسط.
المشكلة ليست في حضور الأطراف الدولية بحد ذاته، وإنما تبدأ عندما يصبح الخارج بديلًا عن التوافق الداخلي.
ولهذا، فإن أي اتفاق جديد يحتاج إلى أكثر من الترحيب الدولي؛ يحتاج إلى قبول سياسي واجتماعي واسع، وإلى ضمانات تقنع القوى المؤثرة بأن التسوية لن تكون مقدمة لإقصائها، وفي الوقت نفسه تمنع تحول هذه القوى إلى أصحاب حق دائم في تعطيل مؤسسات الدولة.
فلا يمكن بناء الدولة بإقصاء مراكز القوة، لكن لا يمكن بناء دولة مستقرة أيضا بمنح هذه المراكز حق تعطيلها كلما تعارضت مخرجات المؤسسات مع مصالحها.
وربما تكمن إحدى أهم وظائف المسار العسكري في توفير بيئة أمنية تسمح للمسار السياسي بالتقدم.
فإذا تمكن «5+5» من الانتقال من مجرد الحفاظ على الهدوء إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر مؤسسية، فقد يوفر للمسار السياسي قاعدة أكثر صلابة مما كان متاحًا خلال السنوات الماضية.
أما إذا بقي دوره محصورًا في منع عودة المواجهات، فسيكون قد حقق إنجازًا مهمًا، لكنه لن يكون قد عالج جوهر الأزمة الليبية.
فالسلام الحقيقي لا يعني فقط أن تتوقف الأطراف عن القتال، وإنما أن يصبح السلاح خاضعًا لقواعد الدولة، وأن تصبح المؤسسات قادرة على فرض قراراتها، وأن تتحول التفاهمات السياسية والعسكرية إلى خطوات عملية تنتهي بسلطة موحدة وانتخابات وشرعية مستمدة من الشعب.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح التقاطع بين «4+4» و«5+5» اختبارًا حقيقيًا: هل تستطيع ليبيا تحويل تفاهمات المسارين من أدوات لإدارة الانقسام إلى جسور تعبر بها نحو الدولة؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤