أكد اللواء نايف الحاسي، مدير مكتب المعلومات والتوثيق بوزارة الداخلية سابقاً، أن أبعاد أزمة وطنية غير مسبوقة تتكشف يوماً بعد يوم لتعصف بمنظومة السجلات المدنية والهوية الوطنية في ليبيا.
وجاء ذلك عقب نتائج تحليل أشار إليه، كشف عن حجم مرعب من التلاعب بالتأسيس الديموغرافي للبلاد، مبرزاً وجود نحو 279 ألف ملف جنسية مهدد بالتزوير، وسط تساؤلات قانونية وشعبية حادة حول أدوار الجهات الرقابية والمؤسسات المختصة.
أرقام صادمة وتحقيقات قضائية واسعة
وأوضح اللواء الحاسي أنه، وفقاً لتحليل مستقل أعدته مؤسسة «صحرا إنتليجنس» – والمستند إلى 66 منشوراً رسمياً صادر عن مكتب النائب العام – جرى رصد 278,969 ملف جنسية مهدداً بالتزوير، إلى جانب إخضاع أكثر من 10,620 أسرة للتدقيق، وحصر أكثر من 4 آلاف فرد ضمن مسارات التحقيق الجنائي.
وأشارت التحقيقات القضائية إلى أن العملية تجاوزت الجرائم الفردية لتتحول إلى استراتيجية منظمة لـ “تصنيع الهوية” من داخل المؤسسات الرسمية؛ حيث اعتمدت عصابات التزوير – بالتواطؤ مع موظفين داخل مكاتب السجل المدني ومصلحة الجوازات – على أساليب عدة، أبرزها:
* إقحام قيود عائلية وهمية.
* استغلال السجلات الأرشيفية للوفيات والعائلات المنقطعة.
* التلاعب التقني بقواعد البيانات الإلكترونية لإصدار أرقام وطنية وتمريرها لبنك المعلومات المركزي لإصدار وثائق وجوازات سفر رسمية.
قرارات صارمة لمكتب النائب العام
وعلى إثر هذه الكشوفات، أصدر مكتب النائب العام أوامره بـ:
* القبض والحبس الاحتياطي: ضبط وإحضار العشرات من مسؤولي مكاتب السجل المدني والموظفين المتورطين وإحالتهم للسجن الاحتياطي.
* تجميد المعاملات: إيقاف جميع المعاملات المالية والإدارية والأرقام الوطنية الصادرة عن القيود المزورة.
* استرداد المال العام: تتبع المبالغ الضخمة التي صُرِفت كمرتبات حكومية ومنح أرباب أسر دون وجه حق، وإلزام المتهمين بردها إلى خزينة الدولة.
التكييف القانوني والمخاطر القومية
ولفت اللواء نايف الحاسي إلى أن هذا التلاعب يُعد خرقاً صريحاً لأحكام قانون الجنسية الليبي رقم (24) لسنة 2010، والذي يجيز إسقاط الجنسية وسحبها وتجريد المستفيدين منها حال ثبوت بنائها على بيانات كاذبة أو تزوير، إضافة إلى تفعيل مواد قانون العقوبات المتعلقة بالتزوير في المحررات الرسمية والتعدي على النظام الديموغرافي.
وحذّر الحاسي من خطورة هذا الخرق كونه يشكل اختراقاً مباشراً للأمن القومي الليبي؛ إذ يهدد بنسف التركيبة الديموغرافية للبلاد، والعبث بنزاهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، واستنزاف المال العام لص لصالح آلاف الأجانب الذين حصلوا على رواتب وتعيينات عبر هويات مزيفة.
قراءة ناقدة للحاسي: ثغرات هيكلية ومؤشرات تقصير إداري
وفي قراءته الناقدة لهذه الكارثة الإدارية، شدد اللواء نايف الحاسي على أن هذا الملف يضع مصلحة الجوازات والجنسية ومصلحة الأحوال المدنية في موضع الاتهام المباشر بالتقصير الجسيم والغياب التام لآليات الرقابة، ملخصاً أبرز نقاط الضعف في الثغرات التالية:
* َقِدَم التشريعات وقصورها الجنائي: قِدَم أحكام التزوير في قانون العقوبات الليبي الصادر عام 1953 وعدم مواكبتها لآليات “تصنيع الهوية” في عصر الرقمنة والجرائم السيبرانية، إضافة إلى تشتت النصوص بين قوانين العقوبات والجرائم الاقتصادية والانتخابية.
* الاعتماد على منظومات رقمية هشّة وغير محصنة: تفتقر المنظومة إلى أساليب التشفير المتقدمة، وتسمح للموظفين الصغار في الفروع بتعديل البيانات التاريخية والقيود العائلية دون الحاجة إلى موافقات مركزية مشددة.
* غياب المراجعة والتدقيق المتقاطع: غياب التنسيق الآلي المباشر بين قاعدة بيانات السجل المدني ومصلحة الجوازات والمنظومات المالية، مما سمح بمرور آلاف الملفات المزورة واستخراج جوازات سفر بناءً عليها دون أدنى فحص للأصول الأرشيفية.
* الضعف الرقابي والهيكلي القاتل: الاعتماد المفرط على المستندات الورقية الأرشيفية القديمة التي يسهل دمجها وتزويرها، إلى جانب غياب وحدات التفتيش والتدقيق الداخلي المستقلة داخل المصلحة، مما جعل النيابة العامة تقوم بدور الإدارة والرقابة الإدارية بدلاً من جهات الاختصاص المفترضة.
* التراخي في تطبيق البصمة الحيوية والبيومترية المعقدة: عدم ربط منح البصمة الوراثية (DNA) والبصمات الحيوية بملفات الجنسية المشبوهة أو شريحة “معمّري القيد” بشكل صارم ومسبق قبل إصدار المستندات الرسمية.
خلاصة: واختتم اللواء نايف الحاسي تأكيده بأن معالجة هذه الأزمة الوطنية لا تتطلب فقط ملاحقة المتورطين والأدوات، بل تتطلب إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الرقم الوطني والجنسية في ليبيا، وسد الثغرات التشريعية والتنظيمية فوراً؛ حمايةً للهوية السيادية للدولة من التآكل والتزوير.