طرحت منشورات للدبلوماسي الأسبق عادل عيسى، عبر صفحته على فيسبوك، جملة من التساؤلات السياسية والاجتماعية والأمنية والخدمية التي تعكس جانبًا من الجدل الدائر في ليبيا بشأن أداء القوى السياسية، ومسؤوليتها تجاه الأوضاع التي يعيشها المواطن، إلى جانب ملف حماية الأطفال من الاستخدام غير المنضبط للتقنيات الحديثة، والدعوات إلى إعادة تفعيل إجراءات العزل السياسي، وصولًا إلى أزمة انقطاع الكهرباء في العاصمة.
وفي منشور سياسي، تساءل عيسى عن موقف ما يعرف بـ«جبهة إنقاذ ليبيا» مما يجري في البلاد، متسائلًا عما إذا كان قد حان دورها مجددًا لـ«إنقاذ البلاد»، كما قال، وموجهًا أسئلة بشأن غياب بياناتها ومواقفها الإعلامية عن المشهد الراهن.
وقال عيسى إن الجبهة التي كانت ترفع شعارات سياسية وتتحدث عن معاناة الشعب، لم تعد حاضرة بالقدر نفسه في ظل الأزمات الحالية، متسائلًا عما إذا كانت قد «أنجزت مهمتها التاريخية»، وما إذا كانت قصتها انتهت عند توزيع المكاسب والمناصب.
وتضمن منشور عيسى إشارات إلى أسماء وشخصيات قال إنها ارتبطت بمناصب أو مواقع مختلفة، من بينها يوسف، نجل محمد المقريف، الذي أشار إلى ارتباطه بالاستثمارات والمحافظ، وإبراهيم صهد الذي أشار إلى وصوله إلى مجلس الدولة، إضافة إلى صهره الضراط الذي قال إنه تولى رئاسة المصرف الليبي الخارجي، إلى جانب آخرين.
وطرح عيسى هذه الأسماء في سياق تساؤله عما إذا كانت «إنقاذ ليبيا» قد تحولت، بحسب تعبيره، إلى «محطة عبور إلى المناصب والامتيازات»، مؤكدًا أنه كان يفتقد حضور الجبهة خلال معاناة المواطنين، وأن غيابها بات أكثر وضوحًا في الوقت الراهن.
واختتم منشوره بسؤال ساخر ذي دلالة سياسية، دعا فيه إلى طمأنة الليبيين بشأن ما إذا كانت الجبهة لا تزال في «حالة إنقاذ»، أم أن ليبيا نفسها باتت، بحسب صياغته، بحاجة إلى إنقاذ من جبهة الإنقاذ.
وأثار المنشور ردودًا من متابعين وشخصيات سياسية وأكاديمية. وقالت الناشطة السياسية نادية الراشد، في ردها على عيسى، إن «ليبيا تحتاج جبهات من إنقاذ جبهات الإنقاذ وأذنابهم وتنظيمهم»، في تعبير يعكس حدة الاستقطاب السياسي والنقد الموجه إلى القوى والتنظيمات التي لعبت أدوارًا في المشهد الليبي.
من جانبه، قال الدكتور صالح إبراهيم، مؤسس الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، ردًا على المنشور، إن «المهمة المكلفين بها انتهت»، مضيفًا أن ذلك تمثل، بحسب رأيه، في «تسليم البلاد لأعدائها».
وتأتي هذه المواقف في سياق سياسي ليبي شديد الانقسام، تتداخل فيه الخلافات بشأن شرعية المؤسسات، وتوزيع المناصب، وإدارة الموارد العامة، مع مطالب شعبية متكررة بتحسين الخدمات ووضع حد لحالة الانقسام السياسي والمؤسسي.
وفي ملف اجتماعي مختلف، تناول عيسى مسؤولية الدولة والأسرة والمجتمع في حماية الأطفال من الاستخدامات السلبية للتقنيات الحديثة، مستشهدًا بتوجهات أوروبية نحو فرض قيود أكثر صرامة على استخدام الأطفال للإنترنت والهواتف المحمولة.
وأشار إلى اتجاه الدنمارك نحو إجراءات للحد من استخدام الأطفال للإنترنت قبل سن السادسة عشرة، فضلًا عن توجه فرنسا إلى تشديد القيود على استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية، معتبرًا أن التفاصيل قد تختلف بين الدول، لكن الرسالة الأساسية تتمثل، من وجهة نظره، في ضرورة اتخاذ قرارات جادة لحماية الأطفال.
وأكد عيسى أن المجتمع الليبي مجتمع مسلم محافظ، وأن الاستخدام غير المنضبط للهواتف والإنترنت يمكن أن يترك آثارًا مقلقة على الأطفال، بينها التعرض لمحتوى لا يتناسب مع أعمارهم، وإدمان الشاشات، والتنمر الإلكتروني، وتراجع التركيز والتحصيل، إلى جانب التعرض لأفكار وسلوكيات يرى أنها تتعارض مع قيم الأسرة والمجتمع.
وشدد على أن الدعوة إلى الحماية لا تعني محاربة التقنية أو عزل الأطفال عن العالم، معتبرًا أن التكنولوجيا أداة مهمة للتعلم والتواصل وبناء المستقبل، لكنه حذر من أن الحرية الرقمية، في غياب الوعي والضوابط، يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر على الطفل والأسرة والمجتمع.
وطرح عيسى السؤال من زاوية مختلفة، قائلًا إن القضية لا تتمثل في منع التقنية، وإنما في كيفية ضمان عدم تحولها من وسيلة نافعة إلى باب مفتوح أمام ما يضر بالأبناء، داعيًا إلى قرارات أكثر جدية في المدارس والمؤسسات تضع سلامة الأطفال وقيم المجتمع في مقدمة الأولويات.
وفي منشور آخر، تناول عيسى ملف العزل السياسي، معتبرًا أن ما وصفها بـ«جماعة تنسيقية العزل السياسي» ربما كانت، بحسب رأيه، على حق، وأنها كانت تستشرف أهمية المرحلة أكثر مما كان البعض يتصور فيما يتعلق بمسألة «الاجتثاث».
ودعا عيسى الجهات المختصة إلى تفعيل القانون والهيئة الوطنية للنزاهة والعمل به من جديد، مطالبًا بتطبيق ذلك على كل من تقلد منصبًا أو وظيفة عليا حتى 31 أغسطس 2026، من دون استثناء أو مجاملة.
وشدد على ضرورة عدم التمييز بين الشخصيات على أساس القرب أو الانتماء، في إشارة إلى ما وصفه بمنطق «هذا محسوب علينا وهذا لا»، داعيًا إلى فتح صفحة جديدة وصفها بأنها «نظيفة تمامًا»، ولكن من دون إراقة دماء أو الدخول في صراعات وأزمات.
وأكد عيسى في هذا السياق أن القانون يجب أن يطبق على الجميع، وأن العدالة، بحسب تعبيره، لا تعرف الأسماء.
ويعيد هذا الطرح ملف العزل السياسي إلى دائرة النقاش العام في ليبيا، خصوصًا في ظل استمرار الجدل حول معايير تولي المناصب العامة، ومساءلة المسؤولين، وحدود تطبيق القوانين والإجراءات المرتبطة بالنزاهة والوظائف العليا.
وفي الجانب الخدمي، عبّر عيسى عن استيائه من انقطاع الكهرباء في العاصمة، متسائلًا عن إمكانية استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في بلد يملك موارد وثروات كبيرة.
وقال إنه لا يتحدث عن معاناة الآخرين فقط، وإنما عن معاناته الشخصية ومعاناة عائلته وجيرانه، مشيرًا إلى أن الكهرباء انقطعت، وفق ما كتبه، منذ الساعة العاشرة صباحًا وحتى وقت نشره للمنشور، أي لنحو خمس عشرة ساعة.
ووصف عيسى المفارقة بين امتلاك البلاد للثروات وغياب الكهرباء بأنها أمر يصعب تقبله، قائلًا إن «الثروات موجودة، والبلد موجود، والمواطن موجود، وحدها الكهرباء قررت أن تختفي»، قبل أن يختتم منشوره بالدعاء بالفرج للجميع.
وتسلط هذه الواقعة، كما عرضها عيسى، الضوء مجددًا على الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية التي تمتلكها ليبيا وبين مستوى الخدمات التي يحصل عليها المواطن، وهي فجوة أصبحت من أكثر الملفات حضورًا في النقاش العام، خصوصًا مع استمرار الأزمات المرتبطة بالطاقة والإنفاق العام وإدارة الموارد.
وتكشف سلسلة المنشورات، رغم اختلاف موضوعاتها، عن رؤية واحدة لدى عيسى تربط بين السياسة والخدمات والمجتمع؛ فمن غياب القوى السياسية عن المشهد، إلى الجدل بشأن المناصب والعزل السياسي، ثم حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي، وصولًا إلى انقطاع الكهرباء، تظل مسؤولية مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية المواطن وتوفير الخدمات الأساسية في صدارة الأسئلة المطروحة.
وبينما تعكس ردود المتابعين والشخصيات الواردة في المنشورات استمرار الانقسام الحاد حول تقييم القوى السياسية وأدوارها السابقة والحالية، فإن الجانب الخدمي والاجتماعي من الطرح يضع المواطن الليبي في قلب النقاش، بعيدًا عن الحسابات السياسية، باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا باستمرار الأزمات وضعف الخدمات وتعدد مراكز القرار.
وتبقى الدعوة إلى تطبيق القانون بعدالة، وتحسين الخدمات، وحماية الأطفال، ومساءلة المسؤولين، ملفات مترابطة في النقاش العام الليبي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مؤسسات قادرة على أداء وظائفها، وإلى سياسات تضع احتياجات المواطن واستقرار الدولة فوق صراعات النفوذ والمصالح.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤