عاد ملف الفقر والسياسات الاقتصادية في ليبيا إلى واجهة النقاش العام، في ظل جدل بين عدد من الأكاديميين والخبراء ورجال الأعمال حول أسباب تراجع القوة الشرائية، واستمرار الاعتماد على الدعم، وتضخم القطاع العام، وضعف الإنتاج المحلي، وتآكل قدرة الدولة على تحويل عوائد النفط إلى اقتصاد مستدام يخفف الأعباء عن المواطن.
وجاء النقاش عقب طرح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي وعضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أيوب الفارسي، رؤية اعتبر فيها أن وجود الفقر في بلد يمتلك هذه الثروة النفطية يمثل شهادة حية على فشل السياسات المتبعة على مدى عقود، مؤكداً أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تبدأ من تحميل المواطن تكلفة الإصلاح، وإنما من إصلاح الدولة ومؤسساتها وطريقة إدارتها للثروة.
وأوضح الفارسي أن استمرار دعم المحروقات يرتبط بتراجع القيمة الشرائية للدينار وضعف القوة الإنتاجية للبلاد، فيما تعود المطالبات بدعم السلع الأساسية نتيجة عجز دخول الأسر عن مواجهة التضخم وارتفاع أسعار السلع المستوردة. كما رأى أن دعم الكهرباء وتقديمها بتكلفة شبه مجانية جاء في ظل ضعف البنية التحتية وغياب التنمية الحقيقية، وأن تحميل المواطن تكلفتها الفعلية في الظروف الراهنة قد يقود إلى آثار اجتماعية قاسية.
الفارسي ربط كذلك المطالبة بشبكة أمان اجتماعي بغياب الثقة في القرارات الحكومية، معتبراً أن رفع الدعم دون بديل آمن يمكن أن يدفع شرائح واسعة إلى ما دون خط الفقر.
وفي قراءته لسوق العمل، أشار إلى أن اعتماد أكثر من 80 في المئة من القوى العاملة على القطاع العام يعكس تحول الدولة إلى موزع للمرتبات بدلاً من كونها صانعاً لفرص العمل، بالتزامن مع ضعف القطاع الخاص وعجزه عن منافسة الوظيفة الحكومية المضمونة.
كما ربط ندرة المصانع واتساع نشاط التجارة والاستيراد ببيئة استثمارية محفوفة بالمخاطر، وبغياب الاستقرار المؤسسي والأمني، بما يجعل الاستيراد والبيع السريع أقل مخاطرة وأسرع ربحاً من إقامة مشروع صناعي يحتاج إلى سنوات من الاستقرار وتدفق الطاقة.
وتساءل الفارسي عن استمرار اعتماد ليبيا على استيراد معظم الغذاء والدواء رغم امتلاكها موارد طبيعية وساحلاً طويلاً ومساحات واسعة، وعن أسباب تدهور المدارس والمستشفيات العامة رغم الميزانيات الكبيرة، فضلاً عن اتجاه الشباب نحو الهجرة أو الوظيفة الحكومية بدلاً من الابتكار والمبادرة.
وخلص إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في وجود فقراء داخل دولة راكمت، على مدى أكثر من نصف قرن من تصدير النفط، مئات المليارات من الدولارات، دون أن تنجح في توظيف تلك الموارد لبناء اقتصاد مستدام.
رجل الأعمال حسني بي أبدى اتفاقه مع التشخيص الأساسي للفارسي، معتبراً أن وجود الفقر في بلد يمتلك هذه الموارد يمثل دليلاً على فشل السياسات وليس على فقر الدولة.
لكنه رأى أن الدعم وتضخم التوظيف الحكومي وضعف الإنتاج والاستيراد والمضاربة ليست أسباباً مستقلة للأزمة بقدر ما هي نتائج للسياسات التي أنتجتها.
وضرب مثالاً بدعم الوقود والكهرباء، موضحاً أن دعم سعر السلعة لا يميز بالضرورة بين الفقير والغني والمهرب وغير الليبي، وقد يؤدي إلى حصول من يستهلك كمية أكبر على دعم أكبر. وأكد أنه لا يطالب بإلغاء حق المواطن في الدعم، وإنما بتحويله إلى دعم نقدي مباشر يصل إلى المواطن بدلاً من تضمينه في سعر السلعة.
وربط بي كذلك بين سياسة سعر الصرف والفقر، موضحاً أن تحديد سعر إداري للعملة يقل كثيراً عن سعر السوق، مع صعوبة حصول المواطن على احتياجاته بالسعر الرسمي، يمكن أن يحول الفجوة السعرية إلى ريع تستفيد منه الفئات القادرة على الوصول إلى الدولار بالسعر الإداري.
وبحسب رؤيته، فإن حماية المواطن لا تعني الإبقاء على سياسة فاشلة، بل تغييرها بالتوازي مع تعويض المواطن وحمايته مباشرة، عبر دعم المواطن لا السلعة، وحماية دخله لا السعر المصطنع، وإزالة مصادر الريع بدلاً من إعادة توزيعه.
عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، امراجع غيث، اتفق في العموم مع طرح الفارسي، لكنه تساءل عن جدوى استمرار نموذج الدعم العيني إذا كان جزء منه لا يصل إلى مستحقيه.
ودعا إلى إنشاء شبكة حماية اجتماعية يكون الدعم النقدي أحد مكوناتها، متسائلاً عن أسباب إحجام رأس المال عن الاستثمار في الإنتاج وتفضيله السلع الاستهلاكية، ومشيراً إلى أن سلوك الدولة لم يتغير منذ عقود، إذ ما زالت تتعامل بمنطق الدولة الاشتراكية، في الوقت الذي تطلب فيه من القطاع الخاص المخاطرة وتحمل الأعباء منفرداً.
كما أثار غيث مسألة الودائع المجمدة داخل المصارف ومصرف ليبيا المركزي، موضحاً أن الأموال غير المستخدمة تتراجع قيمتها بمرور الوقت، وتساءل عن الحافز المتاح للاستثمار والائتمان بعد تطبيق القانون رقم 1 لسنة 2013، وعن البديل الحقيقي الذي كان يفترض أن يدفع النشاط الاقتصادي إلى الإنتاج، معتبراً أن غياب البديل دفع النشاط المالي نحو الربح السريع، ومنه المرابحة.
وتساءل أيضاً عن جدوى استمرار تعطيل آليات النمو، وفي مقدمتها الحوافز لرأس المال والمصارف، وعن سبب الاقتداء بتجارب يرى أنها فاشلة، مقترحاً أن يكون نظام التأمين الصحي الشامل والإجباري بديلاً أفضل من دعم المحروقات.
ورد الفارسي بأن المقصود من منشوره هو التأكيد على أن وجود الفقر في ليبيا أمر مخجل في بلد أهدرت فيه ثروات ضخمة، مع استمرار الدعم والمنح كأدوات رئيسية. واتفق مع غيث على ضرورة التدرج في الإصلاح، مؤكداً أن البداية ينبغي أن تكون بتعداد السكان، ثم إنشاء قاعدة بيانات لدخول المواطنين، قبل الانتقال إلى بقية الخطوات.
الخبير الاقتصادي محمد بوسنينة رأى أن النقاش يعكس مشكلة أعمق، قائلاً إن هناك من يعمل على ألا يعرف الناس حقائق الأمور، بينما تساءل حسني بي عن المقصود من ذلك، مؤكداً أن شواهد الواقع المعيش تكفي، من وجهة نظره، للمطالبة بتغيير المنظومة التي أنتجت هذا البؤس.
وفي مداخلة لاحقة، شدد بوسنينة على أنه لا يوجد اقتصادي حقيقي يؤيد سياسة اقتصادية أو اجتماعية تؤدي إلى هدر الموارد أو تعميق الأزمة وزيادة إفقار الناس، كما لا ينبغي تطبيق سياسات تقليدية لمجرد أنها تبدو مناسبة لمعالجة مشكلة ما، من دون توافر شروط نجاحها.
وأوضح أن الأسعار يمكن أن تحول العجز في المعروض إلى فائض، والعكس، وأن بيع السلعة بأقل من تكلفتها الحقيقية قد يؤدي إلى ندرتها أو حدوث عجز فيها وظهور الطوابير.
واستشهد بارتفاع أسعار البنزين والديزل، مشيراً إلى أن ارتفاع سعر الديزل إلى أكثر من سبعة دنانير للتر، في ظل حاجة كبار السن والمرضى إلى تشغيل المولدات بسبب انقطاع الكهرباء، قد يضع بعض الأسر أمام خيارات قاسية، منها بيع مقتنياتها أو الاقتراض لتأمين الوقود.
وانتقد التركيز على رفع أسعار الوقود بدلاً من معالجة مشكلة الكهرباء، كما حذر من سياسات سعر الصرف التي قد تحفز أنشطة التهريب بدلاً من الإنتاج.
ورأى بوسنينة أن الدعوة إلى رفع الدعم فوراً أو استبداله نقدياً، في ظل الفساد والعجز وغياب شبكة الحماية الاجتماعية وتدني الدخول الحقيقية، تحمل مخاطر كبيرة على الفئات الهشة، مشبهاً ذلك بإجراء عملية كبيرة في بيئة غير مهيأة.
وأكد أن الاقتصاد لا يمكن اختزاله في تصنيفات نظرية بين الاشتراكية والرأسمالية، داعياً إلى معالجة الأسباب ومعاقبة المتسببين في الأزمة، وعدم تحميل الضحية تكلفة الفشل.
الخبير الاقتصادي محمد أبو سنينةالخبير الاقتصادي علي الشريف أيد طرح بوسنينة، معتبراً أن رفع الدعم أو استبداله في الظروف الحالية يمثل مخاطرة وتضحية بالطبقة الهشة.
بدوره، أكد الفارسي أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى حوار مجتمعي يشارك فيه أصحاب الرؤى والمصالح المختلفة، وأن معيار تقييم الحلول يجب أن يقوم على فهم هيكل الاقتصاد ومعرفة مآلات السياسات في ضوء هذا الهيكل. وقال إن الإصلاح في غير وقته وبيئته قد يزيد الأزمة سوءاً، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة استيعاب مختلف الأفكار وطرحها للنقاش.
أما أستاذ الاقتصاد عطية الفيتوري، فأرجع التشوهات الاقتصادية المشار إليها في النقاش إلى الفساد المالي والإداري الذي تعمل من خلاله معاملات أجهزة الدولة.
الخبير الاقتصادي إدريس الشريف وصف ليبيا بأنها دولة أصابها سوء الحظ رغم امتلاكها ثروة النفط، معتبراً أن عوائد النفط كان يفترض أن تستخدم في خلق تنمية حقيقية على غرار تجارب دول نفطية أخرى.
وأشار إلى أن مسار التنمية توقف وتعطل بعد إيقاف الخطة الخمسية الثانية للفترة من 1969 إلى 1974، ثم تفاقمت المشكلة نتيجة سوء استخدام الموارد وإجهاض مسار التنمية.
ورأى أن ضعف الإنتاج وانعدام التنوع الاقتصادي وتضخم القطاع العام والاعتماد على الاستيراد ليست أسباباً منفصلة، وإنما نتائج تراكمية لعقود من سوء إدارة الثروة وتعطيل التنمية، مؤكداً أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ من الدولة ومؤسساتها التي تتحكم في موارد البلاد وتدير ثرواتها.
الاقتصاد الريعي يعمّق اختلال العلاقة بين المواطن والدولة في ليبيا … غلاء الأسعار تضخموفي اتجاه مختلف، تساءل عميد كلية الاقتصاد بجامعة عمر المختار، امحمد المنصوري، عن سبب تحمل المواطنين في مصر والأردن وتونس تكلفة الوقود والكهرباء والمواد الغذائية، متسائلاً عما إذا كان المواطن الليبي مختلفاً عن غيره.
وانتقد ما وصفه بضعف إنتاجية الموظف الليبي، والاعتماد على الاستهلاك، معتبراً أن أزمة المحروقات والكهرباء لن تُحل في ظل الأسعار الحالية وغياب ترشيد الاستهلاك، إلى جانب الفساد المستتر في مختلف المجالات، والذي رأى أنه يعوق بناء الدولة.
لكن الفارسي رفض المقارنة مع مصر وتونس والأردن باعتبارها دولاً غير نفطية، ورأى أن الظروف المعيشية فيها أسوأ من ليبيا وفق طرحه، كما أشار إلى ارتباط سياساتها الاقتصادية بديون صندوق النقد الدولي وبرامج الإصلاح المرتبطة بها.
ودعا بدلاً من ذلك إلى مقارنة ليبيا بالدول الخليجية التي استخدمت عوائد النفط لرفع مستوى رفاه مواطنيها، مع الإبقاء في مراحل معينة على دعم السلع والوقود، قبل الانتقال إلى إصلاحات نقدية بعد تهيئة اقتصاداتها لها، بما لا يحمّل المواطن آثاراً مفاجئة.
وشدد الفارسي على أن المواطن الليبي ليس مستثنى من قواعد الاقتصاد، بل يرى أنه ضحية لسياسات حكومات فاسدة أرهقته في مختلف جوانب حياته، وأن هذه الحكومات، في ظل أدائها المؤسسي الحالي، لا يمكن الاطمئنان إلى قدرتها على استبدال الدعم بنظام نقدي عادل وفعال.
وفي الوقت نفسه، أقر بضعف إنتاجية الموظف الليبي، لكنه اعتبر أن تغيير هذه الثقافة مسؤولية حكومية، عبر تبني رؤية اقتصادية ترفع كفاءة المواطن وتدفعه نحو الإنتاج.
ويكشف النقاش الاقتصادي المتشعب عن نقطة اتفاق رئيسية بين معظم المشاركين، تتمثل في أن الفقر وضعف الإنتاج وتضخم القطاع العام والاعتماد على الاستيراد ليست ظواهر منفصلة، وإنما ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بطريقة إدارة الدولة للثروة والسياسات النقدية والمالية والاجتماعية المتبعة.
وفي المقابل، يبرز خلاف واضح حول توقيت الإصلاح وآلياته، خصوصاً ما يتعلق بالدعم، بين من يدعو إلى إصلاحه تدريجياً وربطه بشبكة حماية اجتماعية وقاعدة بيانات دقيقة للسكان والدخول، ومن يحذر من أن استمرار الدعم بصورته الحالية يخلق تشوهات وريعاً ويشجع التهريب والاستهلاك غير الرشيد.
وبين الرؤيتين، تتقدم مسألة المواطن بوصفها الاختبار الأكثر حساسية لأي إصلاح مقبل؛ إذ إن نقل تكلفة اختلالات تراكمت لعقود إلى الأسر محدودة الدخل، دون ضمانات اجتماعية ومؤسسات قادرة على تنفيذ التعويضات بعدالة، قد يحول الإصلاح الاقتصادي من أداة لمعالجة الأزمة إلى عامل إضافي لتفاقمها.
وفي المقابل، فإن استمرار السياسات التي أنتجت ضعف الإنتاج وتضخم الإنفاق العام والاعتماد على الاستيراد لا يوفر، وفق الآراء المطروحة، أساساً لبناء اقتصاد قادر على استيعاب الثروة النفطية وتحويلها إلى فرص عمل وتنمية مستدامة.
وتتقاطع معظم المداخلات في تحميل الدولة ومؤسساتها مسؤولية أساسية عن معالجة الاختلالات، مع اختلاف المشاركين حول الأدوات والسرعة والتوقيت، بينما يبقى المواطن الليبي في قلب المعادلة، بين حاجته إلى حماية دخله ومستوى معيشته، وحاجته في الوقت ذاته إلى اقتصاد منتج يقلل اعتماده على الخزانة العامة ويمنحه فرصة حقيقية للعمل والاستقرار داخل بلاده.
وهنا يبقى السؤال.. هل يبدأ الإصلاح الاقتصادي في ليبيا بإصلاح الدولة أم بإعادة هيكلة الدعم؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤