آخر الأخبار

معركة الاقتصاد الليبي تبدأ من كسر حوافز الريع وبناء الإنتاج - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

خبراء اقتصاد يطرحون مساراً جديداً لتحويل النفط إلى إنتاج

جدل اقتصادي يفتح ملف تحويل النفط إلى اقتصاد منتج

دخل النقاش حول مستقبل الاقتصاد الليبي مرحلة أكثر عمقاً، بعدما طرح رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، تصوراً نظرياً يسعى إلى تجاوز الوصفات التقليدية لتنويع الاقتصاد، عبر إعادة تصميم العلاقة بين النفط والمالية العامة والسياسة النقدية وسوق الصرف والقطاع الخاص، بحيث يتحول الريع النفطي من مصدر للإنفاق والاستهلاك إلى أداة لتكوين رأس المال والإنتاج.

الطرح، الذي قدمه القماطي في منشور عبر صفحته على موقع فيسبوك، أثار رداً تفصيلياً من رجل الأعمال حسني بي، الذي أبدى اتفاقاً مع جوهر الفكرة، لكنه رأى أن الانتقال إلى اقتصاد منتج يحتاج أولاً إلى معالجة الاختلالات والحوافز التي تجعل اقتناص الريع أكثر جاذبية وأقل مخاطرة من الاستثمار والإنتاج.

ويكشف النقاش في جوهره عن أزمة أوسع يعيشها الاقتصاد الليبي، حيث لا ترتبط المشكلة بوجود النفط في حد ذاته، بقدر ما ترتبط بالطريقة التي يجري بها تحويل العائدات النفطية إلى إنفاق عام واستهلاك واستيراد وضغوط نقدية، في ظل ضعف القطاع الخاص والانقسام المؤسسي وتعدد أسعار الصرف واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

مصدر الصورة

القماطي: ليبيا ليست اقتصاداً ريعياً عادياً

ينطلق القماطي من فكرة أساسية مفادها أن ليبيا لا تمثل نموذجاً تقليدياً للاقتصاد الريعي، لأن النفط يتداخل فيها مع هيمنة المالية العامة، والتشوهات النقدية، وتعدد أسعار الصرف، وتضخم القطاع العام، واتساع الدعم، وضعف القطاع الخاص، والاعتماد المرتفع على الاستيراد، وضعف الائتمان الموجه إلى النشاط الإنتاجي، فضلاً عن الانقسام المؤسسي.

ويرى أن التعامل مع كل مشكلة بمعزل عن الأخرى قد يؤدي إلى إنتاج اختلال جديد. فخفض سعر الصرف قد يترتب عليه ارتفاع الأسعار، وتقليص الإنفاق قد يقود إلى الركود، بينما يمكن أن يؤدي توسيع الإنفاق إلى زيادة الضغط على العملة والاحتياطيات.

كما أن رفع أسعار الفائدة، وفق هذا التصور، لا يعالج وحده مشكلة ضعف الإنتاج، فيما قد يتحول توسيع الائتمان المصرفي إلى تمويل للاستهلاك أو المضاربة بدلاً من الاستثمار، وقد تؤدي زيادة الإيرادات النفطية نفسها إلى ارتفاع الواردات بدلاً من زيادة الإنتاج المحلي.

ومن هنا يطرح القماطي رؤيته لما يسميه «نظرية التحول الإنتاجي للاقتصاد الريعي المشوَّه»، باعتبار أن النظام الاقتصادي الليبي يعمل كمنظومة مترابطة، وليس مجموعة أسواق مستقلة يمكن إصلاح كل منها بصورة منفصلة.

مصدر الصورة

النفط ليس المشكلة.. وإنما طريقة توظيفه

يرى القماطي أن تدفق الريع النفطي لا يقود بصورة تلقائية إلى التنمية، لأن أثره يتوقف على البنية المؤسسية والمالية والنقدية التي تستقبله.

وبحسب التصور الذي قدمه، فإن المسار القائم في ليبيا يميل إلى انتقال الريع من النفط إلى المالية العامة، ثم إلى الإنفاق، فالطلب، ثم الاستيراد والاستهلاك، في وقت يفترض فيه أن يتجه جزء أكبر منه إلى الاستثمار وتكوين رأس المال والتكنولوجيا ورفع الإنتاجية والتشغيل والصادرات غير النفطية.

ويطرح في هذا السياق مفهوماً يسميه «معامل التحويل الإنتاجي للريع»، بهدف قياس نسبة الريع التي تتحول فعلياً إلى قدرات إنتاجية مستدامة مقارنة بإجمالي الريع المتاح.

ويعتبر أن انخفاض هذا المعامل يعني إمكانية وجود دولة غنية بالنفط لكنها ضعيفة إنتاجياً، وهي مفارقة يرى أنها تلخص جانباً مهماً من المعضلة الليبية.

ولا يدعو التصور إلى محاربة النفط أو التخلص من الريع، بل إلى إعادة توظيفه، بحيث يمول النفط المرحلة الانتقالية نحو اقتصاد منتج، من دون أن يظل المحرك النهائي للنشاط الاقتصادي.

من «توزيع النفط» إلى «تحويل النفط»

يقترح القماطي نموذجاً يقوم على انتقال الإيرادات النفطية إلى الاستثمار السيادي والإنتاجي، ثم البنية التحتية، فرأس المال الخاص، فالإنتاج والتشغيل والصادرات، وصولاً إلى إيرادات ضريبية يمكن أن تمول الدولة تدريجياً.

وبهذه الطريقة، يتحول النفط من مصدر دائم لتمويل الإنفاق إلى وسيلة لتمويل الانتقال نحو اقتصاد يستطيع خلق الإيرادات من النشاط الاقتصادي نفسه.

ويضع هذا التصور أمام صانع القرار سؤالاً مختلفاً عن السؤال التقليدي المتعلق بكيفية توزيع عائدات النفط، وهو: كيف يمكن استخدام النفط اليوم لبناء اقتصاد يستطيع الاستمرار عندما تتراجع أهمية النفط أو تتراجع الإيرادات الناتجة عنه؟

السياسة النقدية وسوق الصرف في قلب المعادلة

يرى القماطي أن استقرار سعر الصرف، رغم أهميته، لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد للسياسة النقدية، بل يجب أن يصبح الاستقرار النقدي داعماً للتحول الإنتاجي.

ويطرح فكرة قياس مدى انحياز الائتمان المصرفي نحو الصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة المحلية، مقارنة بالتمويل المتجه إلى الاستهلاك والمضاربة والتجارة الاستيرادية البحتة.

كما يرى أن إصلاح المالية العامة ينبغي ألا يقتصر على قياس العجز أو الفائض، بل يجب أن يشمل قياس جودة الإنفاق العام، أي تحديد مقدار ما يضيفه كل دينار تنفقه الدولة إلى القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

ويستشهد ببيانات مصرف ليبيا المركزي لعام 2025، التي أشار إلى أنها تظهر مصروفات بنحو 136.8 مليار دينار، منها 73.3 ملياراً للمرتبات و34.5 ملياراً للدعم، مقابل نحو 20 ملياراً للتنمية، معتبراً أن الأرقام تبرز أهمية النظر إلى تركيب الإنفاق وليس حجمه فقط.

مصدر الصورة التوافق السياسي يمهد لمعالجة الاختلالات الاقتصادية في ليبيا

الدولة لا تنسحب.. لكنها تغير وظيفتها

لا يدعو التصور إلى انسحاب الدولة من الاقتصاد، بل إلى تحولها إلى «دولة تمكينية إنتاجية»، تتولى إنشاء البنية الأساسية اللازمة للنشاط الاقتصادي، بما يشمل الطرق والكهرباء والمياه والموانئ والمناطق الاقتصادية والتعليم الفني والتكنولوجيا والبيانات والبحث والتطوير والبنية الرقمية.

وفي المقابل، يرى أن الإنتاج التجاري ينبغي أن يترك بدرجة أكبر لرأس المال الخاص والمنافسة، بحيث تبني الدولة منصة الإنتاج بينما يستخدمها القطاع الخاص لتطوير النشاط الاقتصادي.

ويقترح القماطي التركيز على مجموعة محدودة من القطاعات القادرة على تشكيل قاطرة للنمو، من بينها الزراعة الصحراوية الحديثة، والصناعات الغذائية، والبتروكيماويات، والطاقة الشمسية، والخدمات اللوجستية والموانئ، والتعدين، والخدمات المالية الرقمية، والسياحة، والصناعات المرتبطة بالنفط والغاز، والخدمات العابرة للحدود مع أفريقيا.

ويشير تحديداً إلى إمكانية تحويل فزان من منطقة تحتاج إلى الإعانات إلى منصة للإنتاج والخدمات اللوجستية والطاقة والزراعة الصحراوية.

حسني بي: قبل الإنتاج يجب إصلاح الحوافز

في رده على الطرح، اعتبر رجل الأعمال حسني بي أن الفكرة تمثل محاولة مهمة للانتقال من شعار «تنويع الاقتصاد» إلى السؤال الأعمق المتعلق بتحويل الريع النفطي إلى قدرة إنتاجية مستدامة.

وأبدى اتفاقه مع فكرة أن النفط ليس المشكلة، لكنه أضاف أن ليبيا بحاجة أولاً إلى معالجة مصادر الاختلال قبل التعامل مع نتائجه، مشيراً إلى أن الاقتصاد أنشأ حوافز تجعل اقتناص الريع أكثر ربحية من الإنتاج نفسه.

ويستند بي إلى واقع موازنة يغلب عليها الإنفاق الاستهلاكي، ودعم للسلع، وسعر إداري للدولار يختلف عن سعر السوق، وقيود تجعل الحصول على النقد الأجنبي الأرخص امتيازاً مالياً.

ويرى أن هذه البيئة تضعف حافز المستثمر، متسائلاً عن جدوى مخاطرة رأس المال في مصنع قد يحقق عائداً محدوداً بعد سنوات، في مقابل إمكانية تحقيق عائد أكبر وبمخاطر أقل من فروق أسعار الصرف أو السلع المدعومة.

مصدر الصورة

«أوقف صناعة الريع» أولاً

يقترح بي إضافة مرحلة تسبق التحول من النفط إلى الإنتاج، تقوم على الانتقال من اقتصاد يكافئ الريع إلى اقتصاد يكافئ خلق القيمة.

وتشمل رؤيته ضبط الإنفاق وخلق النقود، وإزالة ريع تعدد أسعار الصرف، واستبدال دعم السلع بتحويلات نقدية مباشرة للمواطن، وفتح الوصول إلى النقد الأجنبي على أساس تنافسي وشفاف، وإعادة المصارف إلى وظيفة تمويل الاستثمار بدلاً من الاقتصار على نقل المدفوعات.

ويرى أن إصلاح الحوافز يجب أن يسبق الإنتاج، لأن المستثمر والمواطن يتخذان قراراتهما داخل البيئة الاقتصادية التي تحدد أين توجد الأرباح وأين تتركز المخاطر.

خلاف أكاديمي حول قياس التحول الإنتاجي

لم يرفض بي فكرة «معامل التحويل الإنتاجي للريع»، لكنه رأى أن المعادلة تحتاج إلى تطوير قبل اعتمادها كمؤشر اقتصادي قابل للقياس.

وأشار إلى أن الاستثمار ورأس المال البشري والتكنولوجيا والصادرات غير النفطية ليست بالضرورة قيماً متجانسة يمكن جمعها بصورة مباشرة، كما أن الصادرات غير النفطية قد تكون نتيجة للاستثمار والتكنولوجيا ورأس المال البشري، بما قد يؤدي إلى ازدواجية في القياس.

واقترح بدلاً من ذلك تطوير مؤشر مركب بأوزان واضحة، أو قياس أكثر مباشرة للسؤال المتعلق بحجم الريع الذي جرى إنفاقه، وحجم القدرة الإنتاجية المستدامة التي أضافها ذلك الإنفاق بعد خمس أو عشر سنوات.

ويضيف أن تقييم الإنفاق يجب ألا يتوقف عند المبلغ المصروف أو تصنيف المشروع ضمن بند التنمية، وإنما عند الأثر الذي يبقى بعد انتهاء الإنفاق.

فإنفاق مليار دينار على طريق يخفض تكلفة النقل ويرفع الإنتاج والاستثمار يمكن اعتباره إنشاء أصلاً اقتصادياً، بينما لا يصبح الإنفاق استثماراً لمجرد وضعه تحت بند التنمية إذا لم يرفع الإنتاج أو الإنتاجية أو الدخل المستدام.

ومن هنا يقترح بي «العائد الإنتاجي للإنفاق العام»، لقياس مقدار ما يضيفه كل 100 دينار من الإنفاق الحكومي إلى الناتج الحقيقي المستدام والقدرة الإنتاجية بعد مرور عدة سنوات.

الحلقة النقدية التي تربط النفط بالأسعار

يتوقف بي كذلك عند العلاقة بين سعر الصرف والتضخم، معترضاً على التعامل مع خفض سعر الصرف باعتباره سبباً مستقلاً للتضخم في كل الحالات.

ويقول إن السعر الرسمي المصطنع قد يكون منفصلاً عن الأسعار التي تحددها السوق وتكاليف الإحلال، وبالتالي فإن تعديل السعر الرسمي قد لا يكون هو الذي خلق التضخم، بل قد يكشف اختلالاً قائماً قبل القرار.

ويرى أن السؤال الأكثر أهمية هو: من أين جاءت الدينارات التي تطارد الدولار؟

ويقترح إدخال سلسلة مترابطة في النموذج الاقتصادي، تبدأ بالريع الدولاري وتحويله إلى دينار، ثم الإنفاق العام، ونمو المعروض النقدي، وارتفاع الطلب على الاستيراد والدولار، وانعكاس ذلك على الاحتياطيات وسعر الصرف والأسعار.

مصدر الصورة الاقتصاد الريعي يعمّق اختلال العلاقة بين المواطن والدولة في ليبيا … غلاء الأسعار تضخم
غلاء الأسعار ارتفاع الأسعار

من مصنع منفرد إلى سلسلة إنتاج متكاملة

يتفق الطرفان بصورة واضحة على أهمية بناء منظومات إنتاجية، لا مجرد إنشاء مشروعات منفردة.

ويضرب القماطي مثالاً بصناعة العصائر التي لا تنجح بمجرد بناء المصنع، وإنما تحتاج إلى مزارعين وإنتاج زراعي وتخزين ونقل وتصنيع وتعبئة وتمويل وتسويق وتصدير.

ويعتبر أن معيار النجاح ينبغي ألا يكون عدد المشروعات التي أُنجزت، بل عدد سلاسل القيمة التي أُنشئت وقدرتها على الاستمرار والتوسع.

ويعزز بي هذا المنطق من زاوية قياس النتائج، إذ يرى أن الاستثمار الحقيقي هو الذي يترك وراءه قدرة إنتاجية قابلة للاستمرار، لا مجرد أموال جرى إنفاقها.

قاعدة جديدة لعلاقة النفط بالاستهلاك

يلتقي الطرحان أيضاً حول ضرورة منع توسع الاستهلاك الممول من النفط بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على خلق قيمة حقيقية.

ويصوغ القماطي قاعدة مفادها ألا يستخدم الريع النفطي بطريقة تؤدي إلى زيادة الاستهلاك الجاري بصورة أسرع من زيادة القدرة الإنتاجية، بينما يشدد بي على أن الاستهلاك الممول من الريع لا ينبغي أن ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد على خلق قيمة حقيقية قادرة على تمويل ذلك الاستهلاك مستقبلاً.

وبذلك يلتقي النقاش عند ثلاث حلقات متتابعة: وقف الحوافز التي تصنع الريع، ثم تحويل الريع النفطي إلى رأس مال منتج، ثم جعل الإنتاج الجديد يمول الدولة والمواطن تدريجياً بدلاً من الاعتماد الدائم على النفط.

تضخم الإنفاق.. دعوة لـ مساءلة إدارة المال العام وتعزيز الرقابة على المؤسسات

اقتصاد يحتاج إلى اختبار لا إلى شعارات

يرى القماطي أن نظريته يمكن تطويرها إلى إطار بحثي متكامل يتضمن فرضيات ونموذجاً رياضياً ومؤشرات قياس وآليات انتقال تمتد لعشر سنوات، ثم اختبارها على بيانات الاقتصاد الليبي خلال الفترة من 2000 إلى 2026.

ويعتبر أن قوة الفكرة ستكون في قدرتها على قياس مسار التحول بالأرقام، وتحديد الحوافز وآلية الانتقال والنتائج القابلة للاختبار، بدلاً من تكرار الدعوة العامة إلى تنويع الاقتصاد.

أما بي، فيرى أن نجاح المشروع البحثي يتوقف على قدرته على قياس العلاقة بين الريع والحوافز والإنفاق والكتلة النقدية وسعر الصرف والإنتاج، إلى جانب قياس ما يبقى فعلياً من أثر الإنفاق بعد سنوات.

وفي بلد أنهكته سنوات الانقسام السياسي وتضخم الإنفاق العام وضعف الخدمات وتراجع فرص العمل، فإن جوهر هذا النقاش يتجاوز الخلاف الأكاديمي بين رؤيتين اقتصاديتين؛ فهو يلامس سؤالاً يمس حياة المواطن مباشرة: هل تستمر عائدات النفط في تمويل الاستهلاك والإنفاق الجاري، أم تتحول إلى رأس مال يبني اقتصاداً قادراً على إنتاج دخله وفرص عمله واستقراره؟

وفي النهاية، تلتقي الرؤيتان عند هدف واحد رغم اختلاف ترتيب الأولويات: أن يكون النفط وسيلة لبناء اقتصاد ليبي منتج، لا بديلاً دائماً عنه.

ويبقى السؤال هنا.. هل يبدأ إنقاذ الاقتصاد الليبي بإصلاح الريع أم بتحويل النفط إلى إنتاج؟

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا