أعاد تعطل مطار مصراتة بسبب انقطاع الكهرباء ونفاد الديزل المخصص للمولد الاحتياطي، النقاش حول مستوى الخدمات العامة وقدرة مؤسسات الدولة على ضمان الحد الأدنى من التشغيل إلى صدارة المشهد الليبي، في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من تراجع قطاعات حيوية يفترض أن تعمل بمعزل عن التجاذبات السياسية.
وقال عضو مجلس الدولة بالقاسم قزيط، في منشورات عبر صفحته على فيسبوك، إن المطار دخل في حالة شلل كامل نتيجة انقطاع التيار الكهربائي ونفاد الديزل من المولد البديل، لكنه حرص في الوقت نفسه على توجيه التحية إلى العاملين في المطار، مشيدًا بإتمامهم إجراءات المسافرين على ضوء هواتفهم وتسجيل بيانات القادمين يدويًا باستخدام الورقة والقلم.
وتسلط الواقعة الضوء على مفارقة بين جهود العاملين الميدانيين في مواجهة الظروف الصعبة، وبين ما يعتبره منتقدون قصورًا في توفير الاحتياجات الأساسية لتشغيل مرفق حيوي يخدم آلاف المسافرين.
وفي منشور آخر، تناول قزيط مشهدًا قال إنه عاينه خلال رحلة جوية، وقارن فيه بين ظروف سفر أستاذ علم الاجتماع مصطفى عمر التير، الذي وصفه بأنه في التسعين من عمره ويسافر وحيدًا ويتكئ على عكاز، وبين سيدة ليبية قال إنها وصلت إلى الطائرة بسيارة فارهة وبرفقة معاونتين من جنسية عربية، من دون المرور بالتفتيش أو الانتظار في الصالة، وفق روايته.
وأضاف أنه تابع المشهد عند الوصول إلى دولة عربية، حيث حصلت السيدة ومرافقاتُها على معاملة رسمية رفيعة، ودخلن عبر الممر المخصص لكبار مسؤولي الدولة والمراسم، قبل أن يشير إلى ما وصفه بشراء السيدة كميات كبيرة من العطور الفاخرة.
وقدم قزيط هذه الواقعة باعتبارها مثالًا على ما سماه «نظام التفاهة الليبي»، منتقدًا الفجوة بين مظاهر الرفاه والامتياز من جهة، وظروف أصحاب المكانة العلمية والتاريخية من جهة أخرى، من دون أن يحصر نقده في الحكومة وحدها، بل وسّعه ليشمل سلوك المجتمع والنخب والأفراد.
وفي هذا السياق، شدد قزيط على أن انتقاد الآخرين من دون ممارسة النقد على الذات، فرديًا أو جماعيًا، لا يمثل في رأيه نقدًا حقيقيًا، وإنما يتحول إلى وسيلة لإلقاء المسؤولية على الآخر والاحتماء خلف الذات.
ويعكس هذا الطرح جانبًا أوسع من الأزمة الليبية، حيث لا يرتبط الخلل، وفق هذا التصور، بالسلطة التنفيذية أو المؤسسات وحدها، وإنما يمتد إلى الثقافة السياسية والاجتماعية التي تسمح بتكرار السلوكيات ذاتها، حتى عندما تتغير الوجوه والمواقع.
وانتقل قزيط إلى الملف السياسي، مستعينًا بمفهوم «العقبة المعرفية» لدى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، ليطرح ما وصفه بـ«العقبة السياسية» في مبادرة المبعوث الأممي بولس.
ويرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح أبواب التسوية السياسية قد تتحول، إذا أعادت إنتاج توازنات القوى التي أسهمت في حالة الانسداد، إلى جزء من المشكلة بدل أن تكون مدخلًا للحل.
وأوضح أن الإشكالية، وفق رؤيته، ليست دائمًا في غياب أبواب للحل، وإنما في إمكانية تحول الباب الذي يُقدم باعتباره طريقًا للخروج من الأزمة إلى وسيلة لإعادة إنتاجها.
ويحمل هذا الطرح رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي مسار تفاوضي لن يكون كافيًا بمجرد طرحه، ما لم يعالج جذور الانقسام وتوازنات النفوذ التي عطلت بناء دولة قادرة على توحيد مؤسساتها وإنهاء المراحل الانتقالية.
وفي الملف الأمني، استخدم قزيط لغة ساخرة في انتقاد الطريقة التي قد تتعامل بها السلطات مع بعض الأزمات أو الأحداث الغامضة، متسائلًا عن طبيعة البيانات الأمنية التي قد تصدر لاحقًا لكشف ملابساتها.
واستحضر بصورة تهكمية أسماء شخصيات أدبية شهيرة، وتحدث عن احتمال الإعلان عن خلايا مرتبطة بتنصير الشباب أو شبكات دعارة أو منظمات أجنبية أو مخاطر صحية وغذائية، معتبرًا أن مثل هذه الروايات يمكن أن تتحول إلى وسيلة لصرف الانتباه عن الملفات الأساسية التي تؤرق المواطنين.
ولم يقدم قزيط هذه السيناريوهات بوصفها وقائع مثبتة، وإنما استخدمها في سياق نقدي ساخر لما يراه نمطًا من إدارة الأزمات عبر «الفزاعات» وتشتيت الانتباه، داعيًا بصورة غير مباشرة إلى تقديم معلومات أمنية حقيقية تكشف الوقائع بدل الاكتفاء بتفسيرات لا تعالج أصل المشكلة.
وفي أوسع طروحاته الفكرية، اعتبر قزيط أن الأزمة الليبية تجاوزت حدود الصراع على السلطة لتصبح أزمة في مفهوم الدولة والإنسان، منتقدًا تحول الدولة في وعي البعض من مشروع عام إلى غنيمة تتنافس الأطراف على اقتسامها.
وربط ذلك بمنطق السيطرة على السلاح والمال والقرار، معتبرًا أن تراجع قيمة الكفاءة وصعود النفوذ يؤديان إلى تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويجعلان الانتماء إلى الدولة أداة للمصلحة بدل أن يكون قناعة وطنية.
واستشهد في هذا الإطار بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، وبعبد الرحمن الكواكبي، ثم بعمر المختار في التاريخ الليبي، باعتبارهم نماذج لقوة الفكرة والمعنى بعيدًا عن امتلاك السلطة الرسمية.
ومن هذه المقارنة خلص إلى أن الصراع الحقيقي في ليبيا، من وجهة نظره، لا ينبغي اختزاله في شرق وغرب أو حكومة وأخرى، وإنما في صراع بين «منطق الامتلاك» و«منطق الوجود»: بين منطق السيطرة والاحتكار، ومنطق البناء والمشاركة وإضافة القيمة.
وتتقاطع مختلف المنشورات في خلاصة واحدة: ليبيا، وفق الطرح الذي قدمه قزيط، لا تواجه أزمة سياسية منفصلة عن الاقتصاد أو الأمن أو الخدمات، وإنما أزمة مركبة تتداخل فيها هشاشة المؤسسات مع ضعف الخدمات، وتفاوت المعاملة، والامتيازات، والانسداد السياسي، وفقدان الثقة.
وفي ظل استمرار الحكومة التي يقودها عبد الحميد الدبيبة في إدارة المرحلة التنفيذية، تصبح أزمات الكهرباء والوقود والخدمات العامة ومظاهر التفاوت في المعاملة جزءًا من اختبار يومي لمدى قدرة السلطة القائمة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، خصوصًا أن المواطن الليبي هو الطرف الذي يدفع مباشرة ثمن أي قصور مؤسسي أو صراع سياسي.
وبعيدًا عن أي تحميل لتصريحات قزيط ما لا تحتمل، فإن جوهر مواقفه كما وردت في منشوراته لا يقف عند انتقاد حكومة أو مؤسسة بعينها، بل يمتد إلى نقد بنية سياسية واجتماعية واقتصادية يرى أنها كرست منطق الامتياز والسيطرة وأضعفت معنى الدولة.
وفي المحصلة، تضع هذه الطروحات سؤالًا أكبر أمام الليبيين: هل يمكن بناء دولة مستقرة بمجرد تغيير الحكومات وتدوير المناصب، أم أن تجاوز الأزمة يتطلب إعادة بناء قواعد إدارة الدولة، وتوحيد مؤسساتها، وربط السلطة بالمسؤولية، والمال العام بالمصلحة العامة، والأمن بكشف الحقيقة، والسياسة بحل الأزمة لا بإعادة إنتاجها؟
فالدولة التي لا تضمن الكهرباء في مطار، ولا تحقق المساواة في المعاملة، ولا تمنح المواطن شعورًا بالعدالة، ولا تنجح في إنهاء الانقسام السياسي، ستظل معرضة لفقدان ثقة مواطنيها، مهما تعددت الحكومات وتغيرت الأسماء.
ويبقى السؤال هنا.. هل تعكس أزمات ليبيا اليوم فشل الحكومات أم أزمة دولة أعمق؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة