عاد اللقاء الذي جمع رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، إلى الواجهة السياسية مجدداً، بعدما أثار تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين الرجلين، في ظل فتور سياسي شابها خلال الأشهر الماضية وتباين مواقفهما من عدد من الملفات، وفي مقدمتها المبادرة الأميركية.
ويأتي اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع ترقب نتائج اللجنة الأممية المصغرة «4+4»، وما قد تفضي إليه من ترتيبات تتعلق بالقوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب احتمالات الدفع نحو تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد لإجراء الانتخابات.
وبينما يرى فريق من المتابعين أن اجتماع الدبيبة وتكالة قد يمثل محاولة لإعادة ترتيب التحالفات السياسية في المنطقة الغربية، يذهب آخرون إلى أنه لم يكن سوى رسالة سياسية أراد الدبيبة من خلالها التأكيد على امتلاكه ظهيراً سياسياً، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والسياسية على حكومته بسبب أزمات الكهرباء والوقود وتدهور الأوضاع المعيشية.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات مطالبة المجلس الأعلى للدولة النائب العام بالتحقيق في ملف شركة «أركنو» النفطية، إضافة إلى التباين بشأن المبادرة الأميركية، فضلاً عن توافق سابق جمع تكالة برئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بشأن خريطة طريق جديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية والذهاب نحو الانتخابات.
ويكشف ذلك عن حجم التباين الذي شهدته الساحة السياسية خلال الأشهر الماضية، في وقت تحاول فيه الأطراف إعادة رسم مواقعها استعداداً لأي ترتيبات سياسية جديدة.
ويرى محمد معزب أن الدبيبة لا يريد أن يظهر معزولاً سياسياً وشعبياً في المنطقة الغربية، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومته بسبب أزمات الكهرباء والوقود.
ومن هذا المنطلق، قد يكون اللقاء مع تكالة محاولة لإظهار وجود دعم سياسي له داخل أحد أبرز الأجسام السياسية في غرب البلاد، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات سياسية قد تعيد تشكيل المشهد بالكامل.
كما أن نتائج لجنة «4+4» قد تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تتطلب تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وهو ما يجعل تحالفات القوى السياسية في هذه المرحلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
في المقابل، يرفض مدير مركز «صادق» للدراسات، أنس القماطي، تفسير اللقاء باعتباره بحثاً من الدبيبة عن سند سياسي لدى تكالة.
ويرى القماطي أن الهدف الأساسي من الزيارة هو توجيه رسالة إلى الأطراف المحلية والدولية مفادها أن الدبيبة لا يزال يمتلك أوراقاً سياسية تمكنه من التأثير في أي ترتيبات مستقبلية.
ويأتي هذا التفسير في ظل تصاعد الاحتجاجات والأزمات الخدمية، والتي دفعت بعض الأطراف إلى الاعتقاد بأن قدرة حكومة الوحدة على الاستمرار تراجعت، وأن الاستغناء عن الدبيبة أصبح خياراً مطروحاً ضمن أي تسوية مقبلة.
المحلل السياسي حسام الدين العبدلي يضع اللقاء في سياق مختلف، معتبراً أن ظهور الدبيبة إلى جانب تكالة يحمل رسالة موجهة إلى الحلفاء الإقليميين والغربيين.
وبحسب هذا الطرح، يسعى الدبيبة إلى التأكيد على أنه لا يواجه عزلة سياسية رغم الاحتجاجات الأخيرة، وأن لديه القدرة على الحفاظ على قنوات التواصل مع مؤسسات وشخصيات مؤثرة في غرب البلاد.
كما أن الرهان على علاقة الدبيبة بتكالة لضمان قبول المجلس الأعلى للدولة بنتائج لجنة «4+4» يبقى محل شك، خصوصاً أن قرارات المجلس تخضع للتصويت، في ظل وجود كتلة داخله ترفض التعامل مع اللجنة من الأساس.
رغم أهمية اللقاء سياسياً، فإن تأثيره على شعبية حكومة الوحدة يبقى محدوداً، وفق قراءة العبدلي، الذي يشير إلى أن المجلس الأعلى للدولة لا يمتلك حضوراً شعبياً في الشارع يمكنه من معالجة حالة الغضب الناتجة عن الأزمات الخدمية.
وبالتالي، فإن أي تفاهم سياسي بين الدبيبة وتكالة لن يكون كافياً بمفرده لاحتواء الاحتجاجات أو استعادة ثقة المواطنين، ما لم يترافق مع حلول ملموسة لأزمات الكهرباء والوقود والأوضاع المعيشية.
ملف المبادرة الأميركية يظل أحد أبرز العناوين التي تحضر في خلفية العلاقة بين الرجلين، إلا أن المحلل السياسي محمد محفوظ يرى أن الحديث عن خلاف حقيقي بين الدبيبة وتكالة بسبب المبادرة لا يزال مبكراً.
وأشار محفوظ إلى أن الدبيبة لم يعلن موقفاً واضحاً ومؤيداً للمبادرة الأميركية حتى الآن، وبالتالي يصعب اعتبار التباين حولها سبباً مباشراً لخلاف سياسي حاد بين الطرفين.
واعتبر أن زيارة الدبيبة قد تكون مرتبطة بمحاولة البحث عن سند سياسي في ظل تراجع الحديث عن المبادرة، وإعادة ترتيب الأوراق قبل دخول البلاد مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية.
يبقى ملف لجنة «4+4» الاختبار الأبرز لأي تقارب بين الدبيبة وتكالة، خصوصاً مع اقتراب إعلان نتائجها وما قد يترتب عليها من خطوات سياسية.
ففي حال دفعت نتائج اللجنة باتجاه تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وإجراء الانتخابات، ستجد الأطراف السياسية نفسها أمام استحقاق إعادة توزيع النفوذ والمناصب.
وهنا تبرز أهمية موقف المجلس الأعلى للدولة، في ظل رفض جزء من أعضائه التعامل مع اللجنة، مقابل محاولات أطراف أخرى الانخراط في الترتيبات الجديدة.
تكشف عودة التواصل بين الدبيبة وتكالة عن طبيعة التحالفات السياسية في ليبيا، التي تتغير باستمرار وفقاً لموازين القوى والمصالح المرتبطة بالصراع على السلطة.
وبينما تستعد الأطراف لمرحلة قد تشهد إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، تظل الانتخابات هي الاستحقاق الذي يفترض أن ينهي حالة المراحل الانتقالية المتكررة.
لكن الوصول إليها يتطلب توافقاً واسعاً بشأن القوانين والمؤسسات والسلطة التنفيذية، وهو ما يجعل كل لقاء سياسي جديد جزءاً من معركة أكبر حول شكل المرحلة المقبلة.
ولقاء الدبيبة وتكالة لا يبدو مجرد لقاء بروتوكولي، بل يأتي في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الشعبية مع التحركات الدولية والترتيبات الأممية.
فقد يكون محاولة لإعادة بناء تحالف سياسي في غرب البلاد، أو رسالة من الدبيبة إلى خصومه وحلفائه بأنه لا يزال رقماً صعباً في أي تسوية، أو مجرد خطوة احترازية قبل اتضاح نتائج «4+4».
وفي جميع الحالات، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هذا التقارب التأثير في شكل التسوية السياسية المقبلة، أم أن التحالفات الليبية ستظل رهينة المصالح المتغيرة وموازين القوة؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤