الدينار يترقب.. استقالة ناجي عيسى المعلّقة تضع الإنفاق الموازي تحت المجهر
لا تزال استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى معلقة دون حسم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول الأزمة إلى مصدر جديد للارتباك المالي والنقدي، بينما تبرز في المقابل فرصة لإعادة فتح ملف الإنفاق المزدوج الذي يمثل واحدا من أكثر الملفات تعقيدًا في الاقتصاد.
وتأتي حالة الجمود حول مصير المحافظ بالتزامن مع تحركات أممية ودولية ولقاءات عقدها عيسى مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه والسفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز والمبعوث الفرنسي بول سولير، تناولت الأوضاع الاقتصادية والمالية وجهود المصرف المركزي في تنفيذ الإصلاحات.
في 10 أغسطس الجاري، تقدم ناجي عيسى باستقالته إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلا أن الاستقالة لم تحسم حتى الآن.
وتشير مصادر مصرفية إلى أن عيسى، الذي تولى منصبه في سبتمبر 2024 عقب أزمة مصرف ليبيا المركزي، يرى أن الإصلاح المالي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الإنفاق الموازي وعدم الالتزام بالاتفاق المالي الموحد.
وتزايدت التكهنات بشأن مستقبل المحافظ بعدما نقلت وسائل إعلام ليبية أن عيسى انتقد خلال اجتماعات رسمية ارتفاع الإنفاق الموازي خلال العام الجاري، وطالب بتسريع تنفيذ الاتفاق التنموي والمالي الموقع بين الأطراف الليبية في أبريل الماضي.
وبذلك لم تعد الاستقالة مجرد إجراء إداري يتعلق بمسؤول مصرفي، وإنما تحولت إلى اختبار لقدرة المؤسسات الليبية على التعامل مع أحد أبرز مصادر الاختلال المالي.
يمثل الإنفاق الموازي أحد أكثر الملفات التي ألقت بثقلها على المالية العامة في ليبيا، في ظل استمرار الانقسام بين المؤسسات في شرق البلاد وغربها.
وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ الإنفاق المزدوج خلال عام 2024 نحو 224 مليار دينار، أي ما يعادل قرابة 46 مليار دولار، وهو مستوى دفع المصرف في العام التالي إلى خفض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية بنسبة 13.3%.
وفي يناير الماضي، عاد المصرف المركزي إلى خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7%، مرجعًا قراره إلى استمرار غياب ميزانية موحدة للدولة وتواصل الإنفاق المزدوج.
ويضع ذلك ملف الإنفاق في صدارة التحديات أمام السياسة النقدية، خصوصًا أن قدرة المصرف المركزي على حماية قيمة العملة ترتبط بشكل مباشر بحجم الإنفاق العام، وآلية تمويله، وحجم الإيرادات التي تدخل إلى خزينة الدولة.
وفي أبريل 2026، توصل الفرقاء الليبيون، برعاية ودعم دوليين، إلى اتفاق بشأن اعتماد أول ميزانية موحدة للدولة منذ سنوات الانقسام المالي، بإجمالي يقدر بنحو 190 مليار دينار.
وشكل الاتفاق خطوة مهمة باتجاه إنهاء ازدواجية الإنفاق وتوحيد آليات توزيع الموارد، إلا أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة حتى الآن، الأمر الذي أبقى المخاوف قائمة بشأن استمرار الإنفاق خارج الإطار الموحد.
ويرى خبراء أن عودة المحافظ إلى منصبه، إذا حدثت، لن تكون كافية وحدها لمعالجة أزمة سعر الصرف، ما لم تقترن بإجراءات واضحة وملزمة لضبط الإنفاق وتوحيد الإيرادات وتنفيذ الاتفاق المالي.
رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي حلمي القماطي يرى أن الشروط المتداولة لاستمرار عيسى في منصبه تعكس محاولة لإعادة ضبط المسار المالي، لكنه يحذر من أن نجاح أي إصلاح سيظل مرتبطًا بالسياسة المالية التي ستتبناها الدولة.
وأشار القماطي إلى أن استمرار حالة الاستقالة المعلقة وعدم وضوح المسار المؤسسي قد يكون أكثر خطورة من الاستقالة نفسها، مؤكدًا أن عودة المحافظ، في حال حدوثها، يجب أن تكون مرتبطة ببرنامج إصلاحي واضح، وليس مجرد عودة إلى المنصب.
ويتمثل المسار المطلوب، وفق هذا الطرح، في تحديد ميزانية موحدة، ووضع سقف واضح للإنفاق، وتحديد آلية توريد الإيرادات، وتعزيز الرقابة على التنفيذ، مع وجود جدول زمني وآليات للمساءلة عند مخالفة الاتفاق.
وتأتي أزمة الاستقالة في وقت يواصل فيه الدولار ارتفاعه في السوق الموازية، متجاوزًا مستوى 9 دنانير، مقابل سعر رسمي يدور حول مستوى 6 دنانير، في فجوة تعكس حجم الضغوط التي يواجهها الدينار الليبي.
ويرى مستثمرون أن حسم مصير المحافظ بطريقة غير واضحة قد يضيف ضغوطًا جديدة على سوق الصرف، خصوصًا إذا لم يتوافر مسار قانوني ومؤسسي واضح لاختيار البديل.
ويحذر رجل الأعمال حسني بي من أن قبول الاستقالة دون توفير بديل واضح ومتوافق عليه قد يفتح الباب أمام تداعيات تشمل مزيدًا من تراجع الدينار، وارتفاع التضخم، واضطراب القطاع المصرفي، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن رفض الاستقالة لا يمثل حلًا بحد ذاته، ما لم تتم معالجة الظروف التي تجعل مهمة أي محافظ للمصرف المركزي شديدة الصعوبة.
ويطرح خبراء الاقتصاد مجموعة من الإجراءات التي يرون أنها ضرورية لإنقاذ المسار النقدي، في مقدمتها وضع سقف موحد وملزم للإنفاق العام يتناسب مع الإيرادات وقدرة الدولة على التمويل.
كما تشمل الإجراءات المقترحة وقف تمويل العجز عبر التوسع النقدي، وتوحيد مصادر الإيرادات والنفقات، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام، ومنح مصرف ليبيا المركزي مساحة أكبر لممارسة أدوات السياسة النقدية بعيدًا عن الضغوط السياسية والأمنية.
وبحسب هذا التصور، فإن المحافظ يحتاج إلى أدوات وصلاحيات تمكنه من تنفيذ السياسة النقدية، وفي المقابل يجب أن يخضع أداؤه للمساءلة وفق نتائج واضحة ومؤشرات قابلة للقياس.
وتزامنت أزمة الاستقالة مع سلسلة لقاءات أجراها ناجي عيسى مع مسؤولين دوليين، من بينهم المبعوثة الأممية هانا تيتيه والسفير البريطاني والمبعوث الفرنسي.
وناقشت اللقاءات التطورات الاقتصادية والمالية في ليبيا، إلى جانب جهود مصرف ليبيا المركزي لتنفيذ الإصلاحات.
وتعكس هذه التحركات حجم القلق الدولي من تداعيات استمرار الانقسام المالي، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع النقدي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
كما أن دعم المسار المالي الموحد أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بقدرة المؤسسات الليبية على تقليص الإنفاق غير المنضبط والحفاظ على الموارد العامة.
المفارقة أن الأزمة المالية تتفاقم في دولة تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا.
وحققت ليبيا خلال عام 2025 نحو 22 مليار دولار من مبيعات النفط، بزيادة تجاوزت 15% مقارنة بالعام السابق، بينما تشير البيانات إلى امتلاك البلاد احتياطيات نفطية تقدر بنحو 48.4 مليار برميل، مع إنتاج يقترب من 1.5 مليون برميل يوميًا.
ورغم ذلك، تواجه البلاد عجزًا في العملات الأجنبية يقدر بنحو 9 مليارات دولار، في وقت يشكل فيه النفط نحو 96% من صادرات ليبيا، ويسهم بحوالي 98% من إيرادات خزينة الدولة.
وتكشف هذه الأرقام عن جوهر المفارقة الليبية: موارد نفطية ضخمة مقابل ضغوط نقدية ومالية متزايدة، ما يجعل المشكلة مرتبطة بدرجة كبيرة بكيفية إدارة الموارد وليس بغيابها.
تتجاوز قضية ناجي عيسى في جوهرها مسألة بقاء شخص في منصبه أو مغادرته، لتطرح سؤالًا أوسع حول قدرة الدولة الليبية على توحيد قرارها المالي.
فإذا استمر الإنفاق المزدوج، وتعطل تنفيذ الميزانية الموحدة، وتواصلت التدخلات السياسية في إدارة المؤسسات الاقتصادية، فإن أي تغيير في قيادة مصرف ليبيا المركزي قد لا يؤدي إلى تغيير جوهري في مسار الأزمة.
أما إذا تحولت الاستقالة المعلقة إلى فرصة لتطبيق اتفاق الإنفاق الموحد، وضبط المصروفات، وتوحيد الإيرادات، وحماية احتياطيات النقد الأجنبي، فقد تصبح الأزمة الحالية نقطة انطلاق لإعادة ترتيب المشهد المالي.
وفي النهاية، يبقى الدينار وسوق الصرف وجيب المواطن الاختبار الحقيقي لأي تسوية، إذ لن تكون قيمة الاتفاقات والقرارات مرتبطة بما يُعلن عنها، وإنما بقدرتها على وقف نزيف الإنفاق وتحويل الإيرادات النفطية إلى استقرار مالي واقتصادي ملموس.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤