أعاد المحلل السياسي والمتحدث السابق باسم مجلس الدولة، السنوسي إسماعيل، فتح ملف توطين مشروعات الطاقة المتجددة في ليبيا، رابطا بين تأخر التوسع في محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وبين ما وصفه بوجود مصالح مرتبطة بتهريب الوقود، مستندا في طرحه إلى أرقام تتعلق بكميات الديزل المستخدمة في إنتاج الكهرباء.
وقال إسماعيل، في منشور عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، إن تصريحات المسؤول الإعلامي بالمؤسسة الوطنية للنفط تشير إلى أن نحو 60 في المئة من كميات الوقود الموردة تستهلكها محطات توليد الكهرباء، مقدرا الكمية بنحو 405 آلاف متر مكعب شهريا، أي قرابة 4 ملايين و860 ألف متر مكعب سنويا.
وبحسب الحسابات التي عرضها إسماعيل، فإن إنتاج ميجاوات ساعة واحدة من محطات التوليد الغازية والبخارية المركبة في ليبيا يحتاج، وفق تقديره، إلى نحو 0.3 متر مكعب من الديزل. واعتبر أن هذه الأرقام لا تتطابق مع بيانات وتسجيلات الشركة العامة للكهرباء، الأمر الذي دفعه إلى التساؤل عن أسباب الفارق، وما إذا كانت المسؤولية تقع لدى المؤسسة الوطنية للنفط أو شركة البريقة لتسويق النفط أو الشركة العامة للكهرباء، أو أكثر من جهة في الوقت نفسه.
ويؤكد إسماعيل أن هذا التباين يستوجب التدقيق والمراجعة والمحاسبة، لكنه طرح في الوقت ذاته اتهاما مباشرا يتعلق بما وصفه بـ«مؤامرة» لمنع توطين مشروعات الطاقة المتجددة، مطالبا بمحاسبة كل من يعرقل أو يؤخر هذه المشروعات، وعلى رأس الجهات التي ذكرها جهاز الطاقات المتجددة.
ويستند الطرح إلى جدوى اقتصادية يعتبرها إسماعيل حاسمة؛ إذ قدر سعر المتر المكعب من الديزل، وفقا للأسعار التي أشار إليها، بنحو ألف دولار في الحد الأدنى الذي اعتمد عليه في حساباته. وبناء على ذلك، تبلغ تكلفة الوقود اللازمة لإنتاج ميجاوات ساعة واحدة نحو 300 دولار.
ويرى إسماعيل أن توطين محطات شمسية بقدرة 4000 ميجاوات يمكن أن ينتج نحو 8 ملايين ميجاوات ساعة، بما يسمح، وفقا لحساباته، بخفض استهلاك الديزل بنحو 2.4 مليون متر مكعب سنويا، وبقيمة تقدر بنحو 2.4 مليار دولار.
أما تكلفة توريد وتركيب وتشغيل ميجاوات واحد من محطات الطاقة الشمسية، شاملة معدات الربط بشبكة 220 كيلوفولت، فقد قدرها بنحو 1.5 مليون دولار، بما يجعل تكلفة إنشاء منظومة بقدرة 4000 ميجاوات في حدود 6 مليارات دولار.
وبهذه الفرضيات، يرى إسماعيل أن قيمة الاستثمار يمكن استردادها خلال أقل من ثلاثة أعوام من الوفر الناتج عن تقليص استهلاك الوقود، على أن تتحول المنظومة بعد ذلك إلى أصل منتج للطاقة ووسيلة لتقليص الإنفاق على الوقود، وتوجيه الموارد التي كانت تنفق عليه إلى قطاعات التنمية والخدمات.
ويأتي ذلك في وقت نقل فيه خبراء في هندسة الطاقة الكهربائية رأيا مفاده أن جهاز الطاقات المتجددة يتحمل مسؤولية تأخير مشروعات الطاقة الشمسية، معتبرين أن تشغيلها يمكن أن يسهم في الحد من هدر الوقود سنويا، وبقيمة تصل، وفق تقديراتهم، إلى نحو مليارين ونصف المليار دينار ليبي.
ولا تتوقف الانتقادات عند قطاع الطاقة، إذ يكشف واقع المدارس عن وجه آخر من أوجه الضغوط التي يتحملها المواطن الليبي. ويثير وصول أعداد التلاميذ في بعض الفصول إلى نحو 60 تلميذا، مع وجود أربعة تلاميذ في بعض الحالات على المقعد الواحد، تساؤلات واسعة بشأن قدرة المؤسسات الحكومية على توفير الحد الأدنى من البيئة التعليمية الملائمة.
ويضع هذا الواقع الأسر أمام معادلة صعبة؛ فالتعليم العام يعاني الاكتظاظ وضعف التجهيزات في بعض المدارس، بينما يمثل التعليم الخاص عبئا ماليا متزايدا على الأسرة، من دون أن يعني ارتفاع التكلفة بالضرورة وجود فارق جوهري في المخرجات التعليمية.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال أزمة التعليم العام في مستوى المعلمين، إذ تضم المدارس الحكومية، بحسب الطرح الوارد، معلمين ومعلمات يتمتعون بالكفاءة والخبرة، مع وجود تفاوت واستثناءات في القطاعين العام والخاص. وبالتالي فإن المشكلة الأوسع تتعلق بالبيئة التعليمية والبنية التحتية وإدارة الموارد، لا بالكوادر التعليمية وحدها.
وتتقاطع القضيتان عند نقطة واحدة: كلفة سوء الإدارة التي يتحمل المواطن نتائجها بصورة مباشرة. ففي قطاع الكهرباء، يستمر الاعتماد الكبير على الوقود لتشغيل محطات التوليد، بينما تظل مشروعات الطاقة الشمسية أمام أسئلة تتعلق بسرعة التنفيذ والجدوى والرقابة والشفافية. وفي قطاع التعليم، تتحول محدودية قدرة المدارس إلى ضغط إضافي على الأسر التي تبحث عن بدائل أكثر ملاءمة لأطفالها.
وبعيدا عن صحة الاتهامات التي طرحها إسماعيل، والتي تظل بحاجة إلى تحقيقات رسمية وبيانات فنية ومالية مستقلة لإثباتها أو نفيها، فإن الأرقام التي عرضها تضع السلطات والمؤسسات المعنية أمام ضرورة تقديم إجابات واضحة بشأن كميات الوقود المستهلكة، وكلفة إنتاج الكهرباء، وحجم الهدر، وخطط التوسع في الطاقة المتجددة.
كما أن ملف المدارس يحتاج إلى معالجة تتجاوز الحلول المؤقتة، عبر التوسع في بناء الفصول، وتوفير المقاعد والتجهيزات، وتقليل الكثافات، وتحسين الخدمات الأساسية داخل المدارس، بما يحفظ حق الطفل في تعليم لائق دون تحويل كلفة عجز الدولة إلى الأسر.
وفي الحالتين، تبدو الأولوية واحدة: حماية المال العام وتحسين كفاءة الإنفاق، بحيث تتحول الموارد النفطية من تكلفة متكررة لا تنتهي إلى استثمارات مستدامة في الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بدلا من استمرار المواطن في دفع ثمن أزمات كان يمكن الحد منها بالتخطيط والرقابة والمحاسبة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤