آخر الأخبار

النفط الليبي بين وفرة العائدات وأزمة إدارة المال العام - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

ثروة نفطية كبيرة ومردود محدود

رغم ارتفاع عائدات صادرات النفط الليبية إلى مستويات قياسية خلال العام الحالي، لا تزال البلاد تواجه أزمات متكررة في الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار، بما يكشف فجوة واضحة بين حجم الموارد النفطية المتاحة وبين انعكاسها على مستوى الخدمات والمعيشة.

وأعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الدبيبة أن إيرادات صادرات النفط بلغت نحو 17.86 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026.

كما أظهرت بيانات ديوان المحاسبة أن قيمة صادرات النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز وغيرها وصلت إلى نحو 18.46 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بينما بلغت المبالغ المحصلة فعلياً لدى المصرف الليبي الخارجي نحو 15.79 مليار دولار.

مصدر الصورة ليبيا الغنية بالنفط تواجه أزمة خدمات متفاقمة وسط فجوة بين الموارد والإنفاق
نفط ليبيا

أين تذهب أموال النفط؟

تبدأ رحلة الإيرادات من المؤسسة الوطنية للنفط، التي تتولى تحصيل عوائد مبيعات الخام والغاز، قبل تحويل الأموال إلى الحسابات التابعة لمصرف ليبيا المركزي، لتدخل بعد ذلك في الدورة المالية العامة للدولة.

وتوزع الموارد على بنود رئيسية تشمل المرتبات والأجور، والنفقات التشغيلية، والدعم، ومشروعات التنمية، إلى جانب تمويل احتياجات قطاع النفط.

لكن المشكلة لا تكمن في آلية التحويل وحدها، بل في كيفية تحديد الأولويات والإنفاق في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي وغياب إطار مالي موحد ومستقر.

الوقود يلتهم جزءاً كبيراً من العائدات

تكشف بيانات الأشهر السبعة الأولى من العام عن حجم الاستنزاف الذي تمثله فاتورة المحروقات؛ فقد بلغت قيمة المبالغ المحصلة من صادرات النفط نحو 15.79 مليار دولار، خصص منها قرابة 4.63 مليارات دولار لتغطية قيمة المحروقات المستوردة، فيما بلغت تكلفة توريد المحروقات من الخارج نحو 6.12 مليارات دولار.

وهنا تظهر المفارقة الأبرز في الاقتصاد الليبي: دولة منتجة ومصدرة للنفط تضطر إلى إنفاق مليارات الدولارات من مواردها النفطية لاستيراد الوقود، بينما يعاني مواطنوها في الوقت نفسه من أزمات متكررة في الكهرباء والمحروقات.

مصدر الصورة

اقتصاد ريعي يفتقر إلى البدائل

يرى اقتصاديون أن جوهر المشكلة يتمثل في اعتماد ليبيا المفرط على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل، مقابل ضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى.

فالزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تزال عاجزة عن توفير قاعدة اقتصادية قادرة على تخفيف اعتماد الدولة على الخام، بينما يستمر الاعتماد الواسع على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق.

وتعني هذه المعادلة أن ارتفاع أسعار النفط أو زيادة الصادرات قد يوفران إيرادات إضافية، لكنهما لا يعالجان بالضرورة الاختلالات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد.

الانقسام يرفع كلفة الإنفاق

يمثل الانقسام بين مؤسسات الدولة أحد أبرز العوامل التي تعرقل ضبط المالية العامة، إذ يؤدي تعدد مراكز القرار إلى ارتفاع الإنفاق الجاري وصعوبة تحديد أولويات موحدة للإنفاق العام.

وحذرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن من أن الزيادات غير المدروسة في النفقات الجارية، بما فيها الرواتب ودعم الوقود، تهدد الانضباط المالي في ليبيا. كما دعت إلى توجيه الفوائض النفطية نحو الاستثمار الإنتاجي بدلاً من الإنفاق المتكرر.

الكهرباء تكشف خلل إدارة الموارد

تأتي أزمة الكهرباء في مقدمة المؤشرات التي تعكس صعوبة تحويل الموارد النفطية إلى خدمات مستقرة.

وقد ربطت إحاطة أممية حديثة بين استمرار الانقسام المؤسسي وتحديات إدارة الموارد العامة وبين ضعف الاستثمار في البنية التحتية والخدمات، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الكهرباء والوقود والأسعار.

وبذلك تتحول أزمة الكهرباء من مشكلة فنية إلى مؤشر اقتصادي وسياسي على كفاءة إدارة الإنفاق العام والاستثمار في البنية التحتية.

الشفافية.. الحلقة المفقودة

تكمن إحدى أبرز الإشكالات في صعوبة تكوين صورة مالية متكاملة أمام المواطن حول رحلة كل دولار من عائدات النفط.

فالفارق بين قيمة الصادرات والمبالغ المحصلة فعلياً، وتكاليف استيراد الوقود، والحصص المرتبطة بالشركات النفطية، والإنفاق الحكومي، كلها عناصر تجعل تقييم صافي الموارد المتاحة للدولة أكثر تعقيداً.

ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى نشر بيانات دورية وموحدة توضح حجم الإنتاج والصادرات والإيرادات المحصلة وأوجه الإنفاق بصورة يمكن تتبعها ومراجعتها.

زيادة الإنتاج ليست الحل الوحيد

تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط رفع إنتاج ليبيا إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030، مع خطط لاستقطاب استثمارات كبيرة لتطوير الحقول والموارد غير المستغلة.

لكن رفع الإنتاج، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافياً وحده إذا استمرت الاختلالات المتعلقة بالإنفاق والدعم والشفافية والانقسام المؤسسي.

فالزيادة في الإنتاج تعني مزيداً من الإيرادات، لكنها لا تضمن تلقائياً تحسين الخدمات أو رفع مستويات المعيشة ما لم تتوافر إدارة مالية موحدة وآليات واضحة لتوجيه الموارد.

مصدر الصورة

الإصلاح يبدأ من إدارة النفط لا من زيادة ضخه

تكشف التجربة الليبية أن الأزمة ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة للموارد.

فالمطلوب لا يقتصر على زيادة الإنتاج النفطي، بل يمتد إلى توحيد المؤسسات المالية، وضبط الإنفاق الجاري، وإعادة النظر في منظومة دعم الوقود، وتعزيز الرقابة والشفافية، وتوجيه جزء أكبر من الإيرادات نحو مشروعات منتجة.

كما أن تنويع الاقتصاد يمثل شرطاً أساسياً لتقليل هشاشة الدولة أمام تقلبات أسعار النفط والإنتاج، من خلال دعم الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير رأس المال البشري.

وبينما تتدفق مليارات الدولارات من صادرات النفط، يبقى التحدي الحقيقي أمام ليبيا هو تحويل هذه الثروة من إيرادات تستهلكها الموازنات المتضخمة إلى استثمارات تبني اقتصاداً أكثر تنوعاً وخدمات أكثر استقراراً.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا