آخر الأخبار

أزمة المحروقات تكشف فجوة بين أرقام التوريد وواقع السوق الليبية - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

المحروقات بين وفرة الأرقام ونقص الواقع

تتصاعد في ليبيا أزمة المحروقات مجدداً، وسط تناقضات لافتة بين البيانات المعلنة بشأن كميات الوقود التي يجري توريدها وتوزيعها، وبين المشهد اليومي الذي يعيشه المواطن في مختلف المناطق، حيث تستمر طوابير السيارات والشاحنات أمام محطات الوقود، فيما يصل سعر لتر الديزل في السوق الموازية إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع انقطاعات الكهرباء وتعطل قطاعات من النشاط التجاري والنقل.

وتشير بيانات منشورة بشأن الفترة من 15 إلى 22 أغسطس إلى توزيع نحو 97 مليون لتر من البنزين و107 ملايين لتر من الديزل خلال سبعة أيام، وهي أرقام تطرح تساؤلات بشأن مدى وصول الكميات المعلنة فعلياً إلى المستهلك النهائي، في ظل استمرار الاختناقات في محطات الوقود واتساع نشاط السوق الموازية.

وبحساب افتراضي، فإن متوسط تعبئة يبلغ 60 لتراً للسيارة يعني أن كمية البنزين المعلنة خلال أسبوع يمكن أن تغطي نحو 1.62 مليون سيارة، في وقت يقدر فيه عدد المركبات في ليبيا بنحو 2.5 مليون سيارة. أما الديزل، فإن افتراض حصول كل مركبة على 400 لتر يجعل الكمية المعلنة كافية لنحو 267.5 ألف سيارة.

ولا تقدم هذه الحسابات، بطبيعة الحال، دليلاً بذاتها على وجود تلاعب أو اختفاء في الإمدادات، لكنها تبرز الحاجة إلى بيانات أكثر تفصيلاً وقابلية للتحقق بشأن مسار الوقود منذ التوريد وحتى وصوله إلى المستهلك.

مصدر الصورة أزمة المحروقات تكشف فجوة بين أرقام التوريد وواقع السوق الليبية

الديزل.. وفرة في الإمدادات ونقص في المحطات

تبدو المفارقة أكثر حدة في ملف الديزل. فبحسب البيانات المتداولة، بلغت كميات الديزل الموزعة في السوق المحلية خلال أربعة أشهر 645 مليون لتر في أبريل، و526.9 مليون لتر في مايو، و880.9 مليون لتر في يونيو، و776.3 مليون لتر في يوليو، بإجمالي يقارب 2.829 مليار لتر.

ويأتي ذلك بينما تشير تقديرات متداولة إلى أن شركة الكهرباء تستهلك قرابة 60 في المئة من كميات الديزل الموزعة، فيما يذهب الجزء المتبقي إلى النقل والاستخدامات التجارية وغيرها.

غير أن استمرار الانقطاعات الكهربائية خلال الأشهر الأخيرة يطرح سؤالاً اقتصادياً وإدارياً واضحاً: إذا كانت الشبكة لا تعمل بكامل قدرتها، وكان يفترض أن يؤدي ذلك إلى انخفاض نسبي في استهلاك الوقود المخصص للتوليد، فلماذا لا يظهر انخفاض مماثل في بيانات التوريد والتوزيع؟

وتزداد أهمية هذا السؤال مع اصطفاف الشاحنات أمام محطات الوقود في مناطق مختلفة من البلاد، الأمر الذي انعكس على حركة نقل السلع وأربك أعمالاً تجارية تعتمد بصورة مباشرة على الديزل.

تكلفة الدعم لا تظهر في حياة المواطن

تتجاوز قضية المحروقات مسألة الطوابير لتصل إلى جوهر السياسة الاقتصادية في ليبيا. فهناك تقديرات تشير إلى إنفاق عشرات المليارات من الدنانير على المحروقات، بينها نحو 38 مليار دينار لتوريد الوقود وما يزيد على 10 مليارات دينار لتكريره محلياً، بينما لا يزال المواطن يواجه نقصاً في البنزين والديزل وانقطاعات للكهرباء.

وتكمن المفارقة في أن الديزل مدعوم رسمياً بسعر يبلغ 0.15 دينار للتر، بينما يصل سعره في السوق الموازية، وفق الطرح المنشور، إلى نحو 9 دنانير للتر. وهذا الفارق الهائل بين السعر الرسمي والسعر الذي يدفعه المواطن خارج القنوات الرسمية يكشف حجم التشوه الذي أحدثته منظومة الدعم الحالية، ويعيد طرح الحاجة إلى مراجعتها بحيث تصل منفعتها إلى المواطن مباشرة بدلاً من أن تتحول إلى منفذ للتسرب والتهريب والسوق الموازية.

لكن أي تغيير في الدعم يحتاج إلى شفافية كاملة، وقاعدة بيانات دقيقة، وآلية واضحة لتعويض المواطنين، حتى لا يتحول الإصلاح المالي إلى عبء إضافي على الأسر والقطاعات الإنتاجية.

مصدر الصورة أزمة المحروقات تكشف فجوة بين أرقام التوريد وواقع السوق الليبية

أرقام الإيرادات والإنفاق تحت المجهر

وتتصل أزمة المحروقات بملف أوسع يتعلق بالإنفاق العام والبيانات المالية. فقد أثارت تصريحات دولية بشأن ارتفاع الإيرادات الليبية إلى نحو 3.5 مليارات دولار شهرياً، مقارنة بنحو 1.34 مليار دولار سابقاً، تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الزيادة على حياة المواطنين.

كما أثيرت تساؤلات بشأن الحديث عن تنظيم بيع النقد الأجنبي لصغار التجار بسقف يصل إلى 100 ألف دولار، وتعزيز الرقابة على صرف المرتبات، في وقت لا تزال فيه مؤشرات الأسعار والسيولة وسعر الصرف والإنفاق الحكومي محل جدل واسع.

ومن أبرز الأسئلة التي يطرحها هذا الجدل حجم الإنفاق الحكومي الفعلي في كامل ليبيا، وما المقصود تحديداً بمصطلح «الإنفاق الموازي» إذا كان التمويل يتم عبر مصرف ليبيا المركزي الموحد. كما أن تضارب البيانات حول تقديرات الإنفاق، بين الحديث عن 70 مليار دينار ثم نفي الرقم، يعزز الحاجة إلى نشر بيانات مالية موحدة ومحدثة يمكن للمواطن والجهات الرقابية والخبراء مراجعتها.

النفط والموارد العامة.. أين تذهب الفجوة؟

وتشير تحليلات منسوبة إلى بيانات ديوان المحاسبة إلى فجوة كبيرة بين قيمة مبيعات النفط والتحويلات المالية بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الخارجي ومصرف ليبيا المركزي.

ووفق الأرقام المتداولة، باعت المؤسسة الوطنية للنفط ما قيمته 18.7 مليار دولار من النفط، وأحالت 15.7 مليار دولار إلى المصرف الخارجي، بينما أحال المصرف الخارجي 11.1 مليار دولار إلى المصرف المركزي، بما يثير تساؤلات حول الفروق بين هذه التدفقات المالية ومساراتها وأسبابها.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف محاسبي، بل بصلب العلاقة بين النفط، والإنفاق العام، والسيولة، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية.

الفائض التجاري لا يعني زيادة الإيرادات

وفي السياق نفسه، أثار الحديث عن تحقيق ليبيا فائضاً تجارياً بقيمة 6.2 مليار دولار حتى يوليو جدلاً بشأن طريقة تقديم المؤشرات الاقتصادية للرأي العام.

فالبيانات المشار إليها تتحدث عن صادرات بقيمة 17.8 مليار دولار مقابل واردات بلغت 11.6 مليار دولار، أي فائض تجاري قدره نحو 6.256 مليار دولار. وهذا الرقم لا يعني بالضرورة دخول 6 مليارات دولار إضافية إلى خزينة الدولة، ولا يمثل أرباحاً حكومية أو إيرادات جديدة.

كما أن الجزء الأكبر من الصادرات الليبية يعتمد على النفط، ما يجعل ارتفاع قيمة الصادرات مرتبطاً بدرجة كبيرة بأسعار الخام، وليس بالضرورة نتيجة لزيادة الإنتاج أو نجاح سياسات تنويع الاقتصاد وزيادة الصادرات غير النفطية.

ومن ثم يبقى السؤال الاقتصادي الأهم: هل ارتفعت الصادرات غير النفطية فعلاً؟ فقياس نجاح الاقتصاد لا ينبغي أن يعتمد على رقم واحد منفصل عن بنية الاقتصاد ومصادر الدخل وقدرة القطاعات الإنتاجية على النمو.

مصدر الصورة
النيابة العامة تضبط آلاف اللترات من المحروقات المجهزة للتهريب في الخمس ومصراتة

المصرف المركزي أمام اختبار الشفافية وإعادة البناء

ويشمل الجدل الاقتصادي أيضاً أداء مصرف ليبيا المركزي، ولا سيما خلال فترة تولي ناجي عيسى إدارة المصرف، إذ تتضمن الطروحات المنشورة انتقادات حادة لسياساته، وتتهمه بالاعتماد بصورة مفرطة على الخطاب الإعلامي، وباتخاذ إجراءات تتعلق بسعر الصرف والرسوم والضرائب على بيع النقد الأجنبي كان لها، بحسب أصحاب هذه الانتقادات، أثر سلبي على الثقة في الدينار.

وهذه الاتهامات تظل في إطار الرأي والتقييم السياسي والاقتصادي لمن طرحها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أحكاماً قضائية أو وقائع مثبتة ما لم تؤيدها نتائج تحقيقات رسمية أو أحكام قضائية.

كما تتناول الانتقادات دور المصرف المركزي في القطاع المصرفي، والتوسع في تغطية الاعتمادات المستندية، وما يراه منتقدون خلقاً للنقود، إلى جانب ما يوصف بتراجع الاهتمام بالهيكل الإداري للمصرف ونقص الكفاءات ووجود إدارات من دون مديرين ومديرين من دون نواب.

ويضاف إلى ذلك حديث عن تعرض أنظمة المصرف المركزي لاختراق إلكتروني في يونيو الماضي، مع انتقادات لعدم الإعلان بشكل كاف عن طبيعة الاختراق وحجمه وآثاره، وهي مسائل تتطلب بدورها توضيحاً رسمياً لحماية الثقة في النظام المالي.

جدل اقتصادي واسع حول مستقبل دعم المحروقات في ليبيا

الدولة الغائبة خلف أزمة الوقود

في المحصلة، لا تبدو أزمة المحروقات منفصلة عن أزمة إدارة الدولة. فالوقود يرتبط بالكهرباء والنقل والأسعار والتجارة والتهريب والإنفاق العام والنقد الأجنبي، بينما يؤدي غياب البيانات الموحدة إلى توسيع مساحة الشك بين المواطن والمؤسسات.

كما أن استمرار الاضطرابات الأمنية والاعتداءات في بعض المناطق، ومنها الزاوية، يعكس هشاشة البيئة التي تتحرك فيها منظومة توزيع الموارد، ويؤكد أن معالجة الاختلال الاقتصادي تحتاج إلى دولة قادرة على فرض القانون وحماية المؤسسات وضمان وصول الدعم والسلع والخدمات إلى المواطنين.

ومن منظور المواطن الليبي، فإن معيار النجاح لا يتمثل في حجم الأرقام التي تعلنها المؤسسات، بل في توفر البنزين والديزل، واستقرار الكهرباء، وانتظام السيولة، وحماية قيمة الدينار، وانضباط الإنفاق العام، ووضوح مسارات إيرادات النفط.

وبعيداً عن المناكفات السياسية، فإن المطلوب هو كشف البيانات كاملة، وتحديد المسؤوليات، وإتاحة التدقيق المستقل في مسارات الأموال والوقود، ومحاسبة أي مسؤول تثبت التحقيقات تورطه في الإضرار بالمال العام، بدلاً من تدوير المسؤولين بين المناصب أو معالجة الإخفاقات بتغيير المواقع دون معالجة أصل المشكلة.

وفي ظل استمرار الحكومة منتهية الولاية في إدارة ملفات خدمية واقتصادية شديدة الحساسية، يبقى المواطن هو الطرف الذي يتحمل الكلفة المباشرة للاختلالات، فيما تتزايد الحاجة إلى إدارة مالية ونقدية أكثر شفافية، ومؤسسات موحدة قادرة على تقديم إجابات موثقة لا بيانات متضاربة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا