آخر الأخبار

ليبيا الغنية بالنفط تواجه أزمة خدمات متفاقمة وسط فجوة بين الموارد والإنفاق - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

ليبيا الغنية بالنفط تواجه أزمة خدمات متفاقمة وسط فجوة بين الموارد والإنفاق

تدخل الأزمة الاقتصادية الليبية مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما باتت مشكلة البلاد لا تتعلق فقط بمستوى الإيرادات النفطية أو سعر صرف الدينار أو حجم الدين العام، وإنما بقدرة الدولة نفسها على تحويل الموارد المتاحة إلى إنتاج وخدمات واستقرار في حياة المواطن.

وفي وقت تشير فيه البيانات المتداولة إلى توزيع أكثر من 200 مليون لتر من البنزين والديزل خلال أسبوع واحد، تستمر الطوابير أمام محطات الوقود، ويصل سعر لتر الديزل في السوق الموازية إلى نحو 9 دنانير، بينما لا يزال سعره الرسمي عند 0.15 دينار، بالتزامن مع انقطاعات كهربائية واسعة وتعطل أنشطة تجارية ونقل بري يعتمد بصورة أساسية على الوقود.

ويطرح هذا التناقض سؤالاً يتجاوز أزمة المحروقات إلى جوهر الإدارة الاقتصادية في ليبيا: كيف يمكن لبلد يحقق مستويات مرتفعة من إنتاج النفط، ويخصص عشرات المليارات من الدنانير للمحروقات والإنفاق العام، أن يعجز في الوقت نفسه عن ضمان البنزين والديزل والكهرباء والمياه والخدمات الأساسية؟

وتتقاطع في الإجابة آراء اقتصادية وسياسية وقانونية واجتماعية وأمنية متعددة، لكنها تلتقي عند نقطة رئيسية: الأزمة الليبية ليست أزمة موارد بالدرجة الأولى، وإنما أزمة إدارة وتحويل للموارد إلى نمو حقيقي وخدمات مستقرة.

مصدر الصورة ليبيا تعزز إنتاجها النفطي مستهدفة مليوني برميل يومياً 2030. اهتمام ثلاثين شركة بجولة التراخيص في البحر المتوسط وغدامس. الفرصة واعدة لكنها معلقة بالاستقرار السياسي وتحديث البنية.

المحروقات.. أرقام كبيرة وأزمة مستمرة

بحسب البيانات التي تناولها الإعلامي والصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية علي المحمودي، جرى توزيع 97 مليون لتر من البنزين و107 ملايين لتر من الديزل خلال الفترة من 15 إلى 22 أغسطس.

ويشير المحمودي، في حساب افتراضي، إلى أن كمية البنزين المعلنة يمكن أن تكفي لتزويد نحو 1.62 مليون سيارة إذا افترض أن متوسط التعبئة يبلغ 60 لتراً، في حين يقدر عدد السيارات في ليبيا بنحو 2.5 مليون سيارة.

أما بالنسبة إلى الديزل، فإن توزيع 107 ملايين لتر، وفق افتراض حصول كل سيارة على 400 لتر، يعادل احتياجات نحو 267.5 ألف سيارة.

ويؤكد المحمودي أن هذه الحسابات لا تعكس، في تقديره، بالضرورة الكميات التي تصل فعلياً إلى المواطنين، مرجحاً تسرب جزء من الإمدادات إلى السوق الموازية وتهريبها، مستنداً إلى استمرار الطوابير وارتفاع أسعار الوقود خارج القنوات الرسمية.

ويطرح ذلك ملف الدعم باعتباره أحد جذور المشكلة، إذ يرى المحمودي أن أزمة نقص المحروقات ستظل قائمة ما لم تتم مراجعة سياسة الدعم واستبدالها بآلية تضمن استفادة المواطن بصورة مباشرة.

لكن هذا الطرح يصطدم بتحذيرات اجتماعية من أن الإصلاح لا يمكن أن يتحول إلى رفع مفاجئ للدعم في بلد تعاني فيه الأسر بالفعل من تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الخدمات.

وفرة الوقود على الورق ونقصه في الشارع يفتحان ملف الدعم والإنفاق في ليبيا

الديزل والكهرباء.. حلقة مغلقة

تكشف أزمة الديزل بصورة خاصة عن حجم الاختلال بين الإمدادات والخدمة النهائية.

ويشير المحمودي إلى أن إجمالي كميات الديزل الموزعة في السوق المحلية خلال أربعة أشهر بلغ 2.829 مليار لتر، بواقع 645 مليون لتر في أبريل، و526.9 مليون لتر في مايو، و880.9 مليون لتر في يونيو، و776.3 مليون لتر في يوليو.

وبحسب الطرح نفسه، تستهلك شركة الكهرباء قرابة 60 في المئة من كميات الديزل الموزعة، بينما يذهب الجزء المتبقي إلى النقل والاستهلاك التجاري.

غير أن استمرار انقطاعات الكهرباء، رغم هذه الكميات، يطرح سؤالاً حول كفاءة استخدام الوقود ومسار الإمدادات، خاصة أن بيانات المؤسسة الوطنية للنفط تشير إلى زيادة في توريد وتكرير الديزل، بينما يعاني السوق في المقابل نقصاً حاداً.

وقد أدى نقص الديزل إلى اصطفاف الشاحنات أمام محطات الوقود وتعطيل نقل البضائع، بما انعكس على أنشطة تجارية تعتمد على الوقود في تشغيل المعدات ووسائل النقل.

ويضع هذا المشهد الجهات المعنية أمام ضرورة كشف مسار الوقود بالكامل، من لحظة التوريد والتكرير إلى التخزين والتوزيع والاستهلاك، بدلاً من الاكتفاء بإعلان أرقام إجمالية لا تجيب عن سؤال المواطن الأساسي: أين تذهب الكميات التي يفترض أن تكون متاحة في السوق؟

مصدر الصورة المحلل الاقتصادي والإعلامي علي المحمودي

نحو 50 مليار دينار للمحروقات.. أين أثر الإنفاق؟

يشير المحمودي إلى إنفاق يقارب 50 مليار دينار على المحروقات، بينها نحو 38 مليار دينار لتوريد الوقود وأكثر من 10 مليارات دينار للتكرير المحلي، بينما يعيش المواطن في الوقت ذاته أزمات متزامنة في البنزين والديزل والكهرباء والمياه.

ويرى أن المحصلة اليومية لهذا الإنفاق لا تتناسب مع حجمه، مستشهداً بطوابير الوقود، وارتفاع سعر الديزل في السوق الموازية، وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة في بعض المناطق، إضافة إلى توقف منظومة النهر الصناعي في بعض الفترات.

وهذه المفارقة هي التي تجعل ملف الإنفاق العام في ليبيا يتجاوز الحسابات المالية البحتة، ليصبح قضية مرتبطة بمستوى المعيشة وبثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

الشحومي: الأزمة في انخفاض نصيب الفرد من الناتج

الخبير الاقتصادي منذر الشحومي يقدم قراءة أوسع للأزمة، إذ يرى أن مؤشرات الدين وفارق سعر الصرف وتراجع سرعة دوران النقود ليست أصل المشكلة، وإنما أعراض لمشكلة أساسية تتمثل في الانخفاض الحاد لنصيب الفرد الحقيقي من الناتج.

ويقول الشحومي إن المواطن الليبي أصبح أفقر من حيث القوة الشرائية بنحو ثلاث مرات مقارنة بحقَب سابقة، بعدما تراجع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج إلى نحو 6500 دولار، مقابل مستويات بلغت سابقاً نحو 16 و18 ألف دولار.

ويربط ذلك بتحولات كبيرة في سعر صرف الدينار، الذي انتقل من نحو 0.36 أمام الدولار إلى 1.25 ثم 6.36 دنانير رسمياً، بينما يدور سعره في السوق الموازية حول 9 دنانير.

كما يشير إلى ارتفاع الدين العام إلى نحو 303 مليارات دينار، بما يعادل قرابة 146 في المئة من الناتج المحلي، من دون أن يقابله نمو اقتصادي مماثل.

ولا يرى الشحومي أن العجز أو الاقتراض يمثلان المشكلة في حد ذاتهما، موضحاً أن الدين يمكن أن يكون أداة لبناء الاقتصاد إذا جرى توجيهه إلى الموانئ والكهرباء والمصافي والإسكان وتنمية المهارات.

المشكلة، بحسب رؤيته، أن الدين الليبي لم يشتر نمواً، إذ ارتفع عرض النقود من نحو 0.5 مليار دينار إلى 203 مليارات دينار، بينما نما الناتج الحقيقي بنحو 1.6 مرة فقط، في مقابل تضاعف عدد السكان بنحو 3.9 مرات.

ويشير إلى أن عرض النقود نما بأكثر من 400 ضعف منذ عام 1969 دون زيادة مماثلة في الإنتاج، بما يعكس فجوة كبيرة بين كمية الدينارات المتداولة وما ينتجه الاقتصاد فعلياً.

أزمة المحروقات تكشف فجوة بين أرقام التوريد وواقع السوق الليبية

الإنفاق العام.. مال كثير ونمو محدود

يرى الشحومي أن المضاعف المالي للإنفاق العام يقترب من الصفر، لأن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب إلى الرواتب والدعم ويتسرب إلى الواردات أو يتحول إلى اكتناز للنقود بدلاً من بناء قدرات إنتاجية.

كما يشير إلى أن جزءاً من الإنفاق، وفق تقييمه، لا يصل إلى الاقتصاد أصلاً بسبب العقود المضخمة والمشاريع الوهمية والتلاعب بالاعتمادات المستندية وتحويل المال العام إلى مكاسب شخصية غير مشروعة.

ويؤكد أن الدينار الذي يسرق من المال العام لا يضيف طاقة إنتاجية، وإنما يضيف أعباء على الدولة، وقد يغادر الاقتصاد إلى الخارج، ولذلك يمكن أن يصبح أثره الاقتصادي سلبياً.

وبحسب هذه الرؤية، اقترضت ليبيا من أجل الاستهلاك، وما لم يذهب إلى الاستهلاك تعرض جزء منه للنهب، فتراكم الدين دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تحقيق النمو.

كما يربط الشحومي بين تراجع سرعة دوران النقود من نحو 2.5 إلى قرابة 1.5 وبين وجود نحو 70 في المئة من النقود في صورة أوراق مكتنزة خارج القطاع المصرفي.

ويقول إن زيادة كمية النقود من دون اقتصاد متنام قادر على استيعابها تدفع الأموال نحو الاكتناز والبحث عن الدولار، فيما يعكس الفارق الذي يصل إلى نحو 46 في المئة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية خللاً هيكلياً بين إنتاج الدينارات وإنتاج السلع والخدمات.

مصدر الصورة
الخبير الاقتصادي منذر الشحومي

النفط لم يعد وحده كافياً

ويرى الشحومي أن النفط لم يعد قادراً بمفرده على تمويل النموذج الاقتصادي الليبي، بعدما تراجع نصيب الفرد من الإنتاج النفطي من نحو 595 برميلاً سنوياً عام 1969 إلى نحو 67 برميلاً حالياً.

ومع ارتفاع عدد السكان وتراجع إنتاج النفط مقارنة بالماضي، أصبح العائد النفطي موزعاً على نحو 7.4 ملايين نسمة، الأمر الذي يجعل النفط مكملاً للدخل وليس نموذجاً كافياً للتنمية المستدامة.

ومع ذلك، يؤكد الشحومي أن ليبيا ليست دولة معسرة، مشيراً إلى احتياطيات تقدر بنحو 81 مليار دولار، تعادل قرابة 31 شهراً من الواردات، وتتجاوز كامل عرض النقود مقوماً بالدولار حتى عند احتسابه بسعر السوق الموازية.

ويخلص إلى أن المركز المالي للدولة لا يزال سليماً، وأن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف قدرة الاقتصاد على توليد الدخل والنمو.

إعادة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية

يقترح الشحومي إعادة نحو 100 مليار دينار من الأموال المكتنزة إلى النظام المالي من خلال صكوك مصنفة ائتمانياً وأدوات خزانة وسوق مال محلية تتمتع بالمصداقية.

ويرى أن استعادة هذه الأموال يمكن أن تحقق هدفين متزامنين: تخفيف الضغوط التضخمية وتوفير مصادر لتمويل الاستثمار.

كما يدعو إلى إعادة توجيه العجز من الإنفاق الاستهلاكي إلى الإنفاق التنموي الذي ينفذ فعلياً ويضيف طاقة إنتاجية، على أن يخضع كل بند في الميزانية لتقييم يتعلق بقدرته على إضافة إنتاج حقيقي.

وبالنسبة إليه، فإن معيار نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يكون سعر الصرف أو حجم العجز، بل نمو الناتج غير النفطي، لأن تحسن الإنتاج سينعكس في النهاية على المؤشرين.

دعم المحروقات.. الفقراء أم الأغنياء؟

في المقابل، يحذر أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة صقر الجيباني من تبسيط النقاش حول الدعم باعتبار الأغنياء المستفيد الأكبر منه.

ويؤكد أن الدعوة إلى استبدال دعم المحروقات بتعويض نقدي تتطلب أولاً تحديد من هم الأغنياء ومن هم الفقراء في المجتمع الليبي.

ويشير إلى أن خط الفقر وفق المقياس المشار إليه للبلدان المتوسطة الدخل العليا يبلغ نحو 6.85 دولار يومياً، وهو ما يعادل وفق سعر الصرف الرسمي نحو 43.85 ديناراً يومياً، أو قرابة 1315 ديناراً شهرياً للفرد.

ويقول إن هذا الدخل إذا كان يمثل دخل أسرة تعول أربعة أو خمسة أفراد فإنه يضعها تحت خط الفقر.

كما يستند الجيباني إلى مفهوم الفقر متعدد الأبعاد، الذي لا يقيس الدخل فقط وإنما قدرة المواطن على الوصول إلى الصحة والسكن والكهرباء ومياه الشرب.

ويشير إلى ارتفاع أسعار الأدوية، واستمرار سفر الليبيين إلى تونس ومصر للعلاج، وتدهور الكهرباء، وارتفاع تكلفة المياه، وتحول السكن إلى حلم بالنسبة إلى كثير من الشباب.

ومن ثم يخلص إلى أن الفقراء وفق مقياسي الدخل والخدمات ليسوا أقلية، وأن دعم المحروقات يمثل بالنسبة إلى قطاعات واسعة خط الدفاع الأخير قبل السقوط في الفقر المدقع.

أزمة المياه تتسع مع انقطاعات الكهرباء.. من المسؤول؟ تعددت الأسباب والمصيبة واحدة

تحذير من رفع الدعم وموجة تضخمية

ويذهب عميد بلدية تاجوراء السابق حسين بن عطية إلى موقف أكثر وضوحاً في رفض رفع الدعم، محذراً من أن القرار سينعكس مباشرة على أسعار الوقود والنقل والإنتاج وجميع السلع الأساسية.

ويقول إن ارتفاع أسعار البنزين والديزل سيزيد تكاليف الحافلات وسيارات الأجرة والمعدات والآلات الزراعية، ثم ينتقل أثر ذلك إلى الخبز والمشروبات واللحوم والفواكه والخضروات، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الحرث والزراعة.

ويصف رفع الدعم في الظروف الحالية بأنه «محرقة»، محذراً من أن محدودي ومتوسطي الدخل سيكونون الأكثر تعرضاً للضرر، بينما يمتلك أصحاب الأموال والمناصب قدرة أكبر على امتصاص الارتفاعات.

النفط والأمن الطاقي.. الإنتاج وحده لا يكفي

وتضيف المتخصصة في الأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات السياسية بسويسرا روضة المعلاوي بعداً آخر للأزمة، مؤكدة أن امتلاك ليبيا لأكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا وارتفاع إنتاج الخام لا يعني امتلاكها أمناً طاقياً.

وتشير إلى إعلان المؤسسة الوطنية للنفط في 21 يونيو الماضي وصول إنتاج الخام إلى 1.438 مليون برميل يومياً، وإجمالي الخام والمكثفات إلى نحو 1.488 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى لإنتاج الخام منذ عام 2013، بينما لم يمنع ذلك استمرار أزمة الكهرباء.

وترى المعلاوي أن المشكلة تكمن في منظومة الطاقة التي تحول النفط والغاز إلى خدمات مستقرة، مشيرة إلى أن محطات الكهرباء تعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز، وأن أي اضطراب في إنتاج الغاز أو نقله ينعكس مباشرة على الكهرباء.

وتستشهد باقتحام محتجين مجمع مليتة للنفط والغاز خلال يوليو، وما أعقبه من توقف إنتاج حقل الفيل وتعطل جزء من إنتاج حقل الوفاء وتأثر إمدادات الغاز لمحطات التوليد.

وتحذر من أن أعوام الصراع أضعفت الاستثمار والصيانة، وأن إضافة محطات توليد جديدة لن تكون كافية إذا بقيت شبكات النقل والتوزيع قديمة أو غير قادرة على استيعاب الطاقة الجديدة.

غياب الدولة يضاعف الأزمة

ويربط وزير الخارجية السابق، عبد الحميد النعمي، أزمة الكهرباء بعامل آخر، إذ يقول إن المشكلة، من وجهة نظره، ليست نقص الإنتاج أو تأخر الصيانة أو التصدير إلى دول الجوار، وإنما مرتبطة بصناعة تعدين العملات المشفرة التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة.

ويرى النعمي أن هذه الصناعة يمكن متابعتها وتقنينها، لكنه يعتبر أن الفراغ السياسي يخلق بيئة مناسبة لانتشارها، على غرار المخدرات وتهريب الوقود والهجرة غير النظامية، وينتهي إلى أن جوهر المشكلة يتمثل في غياب سلطة قادرة على فرض القانون.

وهذا الطرح يضيف البعد الأمني إلى الأزمة الاقتصادية، إذ إن حماية شبكات الكهرباء والمنشآت النفطية ومحطات الوقود وسلاسل الإمداد لا يمكن فصلها عن وجود مؤسسات أمنية ودولة قادرة على فرض القانون.

البطالة.. أرقام محل خلاف وسوق عمل مضطربة

وفي ملف البطالة، شكك عضو مجلس الدولة الاستشاري سعد بن شرادة في أرقام منظمة العمل الدولية التي صنفت ليبيا بين أعلى معدلات البطالة في شمال أفريقيا بنسبة 50.1 في المئة للفئة العمرية بين 15 و24 عاماً، مقابل 18.8 في المئة لمعدل البطالة العام.

ويقول بن شرادة إن عدد القادرين على العمل يبلغ نحو أربعة ملايين، يعمل أكثر من 2.2 مليون منهم لدى الدولة، إضافة إلى القطاع الخاص المحدود، معتبراً أن ذلك يضع علامات استفهام حول النسب المعلنة، داعياً إلى تنشيط القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لتخفيف العبء عن باب الرواتب في الميزانية.

ويرى عضو مجلس النواب محمد عامر العباني أن ليبيا تعاني ما يسميه «بطالة نوعية»، نتيجة إحجام قطاعات من الشباب عن المهن المتاحة في السوق وتركيزهم على الوظائف ذات المكانة الاجتماعية والراتب المضمون.

ويشير إلى مهن مثل التمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات والنظافة باعتبارها مطلوبة، بينما عزوف الشباب عنها أتاح للعمالة الوافدة الاستحواذ على 99 في المئة منها وفق تقديره.

وينفي العباني وجود فجوة عميقة بين التعليم وسوق العمل، لكنه يرى أن الكليات النظرية تنتج أعداداً تفوق الاحتياج، بينما يمكن للتدريب النوعي أن يفتح المجال أمام استيعاب أوسع.

هدر الموارد.. الأزمة التي تتجاوز الأرقام

وفي قراءة أخرى، ينتقد العباني هدر موارد الدولة دون تحقيق الأهداف المرجوة، مؤكداً أن الموارد تظل محدودة مهما عظمت، وأن الكفاءة تقاس بقدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها بأقل موارد وفي أقصر وقت.

ويحذر من تضخم جيوب المسؤولين بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم، معتبراً أن النتيجة هي زيادة صعوبة الحياة وتنامي اليأس لدى المواطنين.

ويرى أن معالجة ما وصفه بـ«السرطان الفتاك» الذي ينخر مقدرات الدولة تتطلب إصلاحاً حقيقياً لإدارة الموارد العامة، وربط الإنفاق بالأهداف التي خصص من أجلها.

النفط يحتاج إلى إدارة لا إلى الاحتياطيات فقط

ويؤكد الخبير القانوني في المجال النفطي عثمان الحضيري أن قوة الدولة النفطية لا تقاس بحجم الاحتياطيات فقط، وإنما بقدرتها على إدارة المكامن بكفاءة واستدامة وتنمية احتياطياتها الاستراتيجية.

ويشدد على ضرورة الالتزام بالتشريعات واللوائح المنظمة للصناعة النفطية، مع وجود إدارة مهنية وكفؤة ومتخصصة ووطنية تمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على اتخاذ القرارات.

ويرى أن الإدارة الرشيدة للقطاع النفطي هي الضمان للحفاظ على الثروة وتنميتها وتعظيم عوائدها للأجيال القادمة.

التقشف يبدأ من السلطة

وفي مواجهة الإنفاق المتضخم، يدعو السفير الليبي السابق لدى أوكرانيا عادل عيسى إلى تبني إجراءات تقشفية شاملة لمدة لا تقل عن عامين، على أن تبدأ من مؤسسات الدولة وأصحاب المناصب العليا.

ويقترح خفض مرتبات ومزايا شاغلي المناصب العليا في المؤسسات التشريعية والرقابية ومجلس الدولة والحكومة والشركات والمؤسسات الحكومية والمالية، ومراجعة المكافآت والعضويات والامتيازات.

كما يدعو إلى وضع سقف للمرتبات لا يتجاوز 4 آلاف دينار للنائب أو الوزير أو المسؤول أو الموظف، وإعادة النظر في التعيينات الحكومية ووقف التوسع غير الضروري في الجهاز الإداري.

ويشدد عيسى على ضرورة الحفاظ على احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية والذهب، مؤكداً أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل وحده فاتورة سنوات من سوء الإدارة والإنفاق غير المنضبط.

وبحسب رؤيته، يجب أن يبدأ التقشف من أصحاب القرار قبل أن يصل إلى المواطن البسيط، لأن استمرار التأجيل قد يجعل تكلفة المعالجة أكبر مستقبلاً.

الدبلوماسي الليبي السابق عادل عيسى

الكهرباء حق مرتبط بكل تفاصيل الحياة

أما عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد ونيس، فيضع الكهرباء في صدارة الحقوق والخدمات الأساسية، معتبراً أن القطاع بات ركيزة لحياة المواطن الليبي.

ويرى ونيس أن الكهرباء تقترب من أن تكون حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، نظراً لارتباطها المباشر بالصحة والسكن والتعليم والحياة المستقرة، وهو ما يجعل استمرار الأزمة أكثر من مجرد خلل خدمي عابر.

عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد ونيس،

أزمة دولة قبل أن تكون أزمة مال

تكشف هذه الآراء المتعددة أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في سعر صرف أو نقص وقود أو عجز في الميزانية. فالمشكلة تمتد من إدارة النفط إلى المصرف المركزي، ومن الدعم إلى الكهرباء، ومن سوق العمل إلى الأمن الطاقي، ومن الدين العام إلى تراجع القوة الشرائية.

وفي هذا السياق، تبرز انتقادات المحمودي لأداء محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، والتي تضمنت اتهامات بالمسؤولية عن الإضرار بمدخرات المواطنين، والاعتماد على الحملات الإعلامية، والتدخلات المتعلقة بسعر الصرف والرسوم والاعتمادات، والتقصير في مواجهة اختلالات القطاع المصرفي.

وتضمنت تلك الانتقادات أيضاً حديثاً عن اختراق لمنظومات المصرف المركزي في يونيو، ونقص في الكفاءات الإدارية، وإدارات بلا مديرين ومديرين بلا نواب، إلى جانب اتهام المحافظ بالتلاعب بالاحتياطي وتحويل المصرف إلى أداة في يد مجموعة متسلطة.

وتلك اتهامات وآراء منسوبة إلى المحمودي، ولا يجوز مهنياً أو قانونياً تحويلها إلى وقائع ثابتة أو أحكام قطعية من دون نتائج تحقيقات أو أحكام قضائية مختصة.

لكن المؤكد أن استمرار عدم نشر البيانات المصرفية بصورة كافية، وتضارب الأرقام الحكومية، وعدم وضوح مسارات الإنفاق والوقود والإيرادات، كلها عوامل تضغط على الثقة العامة.

عبدالحميد الدبيبة

وفي المقابل، فإن استمرار الحكومة منتهية الولاية في إدارة ملفات اقتصادية وخدمية أساسية، دون معالجة جذرية للاختلالات، يضع المواطن أمام كلفة مباشرة لأزمة مؤسسات تتجاوز قدرته على الاحتمال.

المطلوب في النهاية ليس المزيد من الشعارات أو تبديل المصطلحات الاقتصادية، وإنما بناء دولة تستطيع معرفة ما لديها، وأين تنفقه، وماذا تحقق به، ومن المسؤول عندما لا تتحول الموارد إلى نتائج.

فليبيا لا تفتقر إلى النفط ولا إلى المال ولا إلى الاحتياطيات، كما يقول الشحومي، لكنها تعاني ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى نمو حقيقي ومستدام. وهذه هي الحلقة التي يجب كسرها: من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد ينتج، ومن دعم يتسرب إلى دعم يحمي الفقير، ومن إنفاق يستهلك إلى إنفاق يبني، ومن مؤسسات متنازعة إلى دولة واحدة قادرة على حماية ثروتها وخدمة مواطنيها.

أما المواطن الليبي، الذي يقف أمام محطة الوقود في طابور طويل أو يعيش ساعات من انقطاع الكهرباء أو يبحث عن عمل أو يعجز عن تحمل تكلفة العلاج والسكن، فلا يحتاج إلى فائض تجاري براق أو أرقام إيرادات ضخمة بقدر حاجته إلى أن يرى أثر ثروة بلاده في حياته اليومية. ومن هنا تبدأ محاسبة أي سياسة اقتصادية: من المواطن، لا من البيانات.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا