انتقدت عضو لجنة الحوار المهيكل، انشراح بن طابون، ما وصفته بغياب العدالة في تطبيق طرح الأحمال الكهربائية، محذرة من التداعيات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية المتزايدة لأزمة الكهرباء، ومشددة في الوقت نفسه على أن استمرار حالة الفوضى وغياب الإطار الدستوري والقانوني يهددان استقرار ليبيا ومستقبلها وإرثها التاريخي.
وقالت بن طابون، في منشور عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن السؤال لم يعد مقتصرا على حجم ساعات انقطاع الكهرباء، بل بات يتعلق بعدالة توزيع الأحمال في وقت تشهد فيه مناطق إقامة حفلات، بينما يواجه مواطنون في طرابلس تداعيات الانقطاع المستمر وارتفاع درجات الحرارة.
وأوضحت أن حديثها عن وفاة أشخاص بسبب الظروف المرتبطة بانقطاع الكهرباء ليس مبالغة، مشيرة إلى أنها تعرف أشخاصا من أصحاب الأمراض المزمنة، ولا سيما مرضى القلب والضغط، توفوا، بحسب ما ذكرت، في ظل ارتفاع درجات الحرارة والانقطاع المتواصل للكهرباء وعدم توفر البنزين والوقود.
وأضافت أن الوضع تجاوز، من وجهة نظرها، حدود الأزمة الخدمية إلى أزمة إنسانية، لافتة إلى أن أصحاب الأعمال الخاصة، ومن بينهم المقاهي، باتوا يواجهون الإغلاق أو تعطل النشاط للأسباب نفسها. كما أشارت إلى أزمات أخرى تتعلق بالمياه والغذاء وتدهور الأوضاع الصحية، إضافة إلى ما وصفته بانعدام جودة قطاع الصحة وتعدد المشكلات التي يواجهها المواطن.
وربطت بن طابون الأوضاع المعيشية الحالية بالسؤال الأوسع المتعلق بشكل الدولة والإطار الذي يحكم انتقال السلطة، متسائلة عن سبب عدم إعادة دستور الاستقلال إلى جانب رفع علم الاستقلال وإعادة النشيد الوطني بعد عام 2011.
وقالت إن الحكومات في دول العالم تتغير وفقا لأطر دستورية، بينما يعيش المواطن الليبي، بحسب تعبيرها، حالة مستمرة من الإرهاق والمعاناة، محذرة من أن استمرار المشهد الحالي سيعيد إنتاج الأزمة خلال السنوات المقبلة بالتزامن مع تغير الحكومات.
وأكدت أن الأزمة، في تقديرها، لم تعد مرتبطة بالاستقطاب بين فبراير وسبتمبر، معتبرة أن المواطن الليبي بمختلف توجهاته أصبح المتضرر المباشر من استمرار الانقسام والفوضى.
وقالت إن الحل موجود، لكن هناك أطرافا لا تريد الاستقرار، داعية في الوقت ذاته إلى السلامة للمدنيين في مناطق الاشتباكات.
وفي قراءتها للمشهد الأمني والسياسي، رأت بن طابون أن غالبية المناطق خارج طرابلس تعاني منذ عام 2011 من ضعف أو غياب وجود الدولة، معتبرة أن الاشتباكات المتكررة وانتشار الجريمة العابرة للحدود يمثلان نتيجة متوقعة، في رأيها، لغياب مؤسسات الدولة والإطار التشريعي الناظم لها.
وطرحت بن طابون سؤالا حول أولوية الديمقراطية والاستقرار، قائلة إن الحديث عن الديمقراطية أمر محمود، لكن السؤال يتمثل في ما إذا كانت أولوية الشعب الليبي في المرحلة الراهنة هي الديمقراطية أم الاستقرار، وما إذا كان من الممكن تطبيق الديمقراطية في ظل الفوضى القائمة.
ودعت إلى بناء إطار قانوني ودستوري واضح ينظم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويضمن للمواطنين الاستقرار، مؤكدة أن الحاجة إلى الاستقرار يجب أن تكون في مقدمة الأولويات.
وحذرت من أن الفوضى العارمة قد تؤدي إلى إنهاء جانب من الإرث التاريخي لطرابلس، معتبرة أن ما يجري لا يقتصر على أزمة سياسية أو أمنية، بل يمتد إلى الهوية الثقافية والتاريخية للمدينة.
وفي الجانب الثقافي، أثارت بن طابون ما وصفته بأنه خبر متداول بشأن اعتزام جهاز المدينة القديمة إزالة نحو 270 مبنى تاريخيا في المدينة القديمة بطرابلس، مطالبة الجهاز بتوضيح رسمي حول مدى صحة هذه المعلومات.
وربطت بن طابون مخاوفها من إزالة هذه المباني بما وصفته باحتمال الاستفادة الشخصية والاستيلاء على الأراضي، مشيرة إلى أن جزءا كبيرا من تلك الأراضي كان مملوكا لليهود الليبيين، وهو ما اعتبرت أنه قد يجعل الاستيلاء عليها، بحسب تصورها، أكثر سهولة.
وشددت على أن مباني المدينة القديمة تمثل إرثا تاريخيا لطرابلس، وأن المهمة الأساسية للجهة المسؤولة عنها ينبغي أن تتمثل في حماية هذا الإرث وصيانته وترميمه.
وانتقدت ما وصفته بممارسات صيانة تعتمد على الإسمنت بدلا من الترميم المتخصص، إلى جانب إزالة أقواس تاريخية ومعالم مرتبطة بمساجد المدينة القديمة، متسائلة عن الوصف الذي يمكن إطلاقه على مثل هذه الممارسات.
وقالت إن محاولات تفسير بعض أوجه القصور بغياب الخبرة يمكن استيعابها إذا كان الهدف النهائي هو الحفاظ على المدينة، لكنها اعتبرت أن إزالة مبان تاريخية وإقامة مبان جديدة مكانها تمثل، بحسب وصفها، قمة العبث والفشل.
وأكدت أن مدينة طرابلس التي يعود تاريخها إلى نحو 2700 عام تمثل إرثا يجب الحفاظ عليه، مشيرة إلى أن استمرار إزالة المعالم التاريخية قد يحرم الأجيال المقبلة من أدلة مادية على تاريخ المدينة ونمط الحياة الذي عاشه الأجداد.
وأضافت بن طابون أن استمرار هدم الإرث الطرابلسي قد يفتح الباب أمام دول مجاورة للمطالبة بنسب بعض عناصر العمارة أو النقوش أو الأزياء إلى تراثها، معتبرة أن تدمير الشواهد الأصلية يجعل الدفاع عن ملكية هذا الإرث أكثر صعوبة.
تحذير من هدم مباني المدينة القديمةوفي ملف مصرف ليبيا المركزي، تناولت بن طابون قضية حبس مسؤولين في المصرف على ذمة التحقيق، معتبرة أن المشكلة لا تكمن في تطبيق القانون إذا جرى ذلك ضمن إطار قانوني وإجراءات تحقيق سليمة.
وقالت إن العاطفة لا يمكن أن تكون أساسا لبناء الدولة، مشيرة إلى أن المنصب المرتبط بالموضوع يتعلق، بحسب وصفها، بالأمن القومي الليبي، وأن شاغل الوظيفة ينبغي أن يدرك حجم المسؤولية وأهمية المعلومات التي تقع تحت نطاق عمله.
وانتقدت ما اعتبرته غلبة العاطفة على النقاش في منصات التواصل الاجتماعي بشأن مصعب والاختراق الذي طال معلومات مصرف ليبيا المركزي، مشيرة إلى أن حبس شخصين على ذمة التحقيق لم يمنع انتشار صور مصعب على نطاق واسع، وهو ما أثار لديها تساؤلات حول طبيعة النقاش العام في القضية.
وأكدت أن اختراق إحدى أكبر منصات المعلومات المالية في الدولة الليبية ليس أمرا بسيطا، خصوصا في ظل وضع اقتصادي هش تمر به البلاد، معتبرة أن حماية المعلومات المالية للدولة تمثل قضية تتجاوز الأشخاص وترتبط بأمن الدولة ومصالح المواطنين.
وقالت إن تطبيق القانون على أي مسؤول لا ينبغي أن يتحول إلى قضية انتقائية، محذرة من أن منطق التساؤل عن سبب اتخاذ إجراء قانوني بحق مسؤول بعينه، لمجرد أن آخرين لم يخضعوا للإجراء نفسه، من شأنه إضعاف مفهوم سيادة القانون.
وأشارت إلى أن التحقيقات بدأت منذ اندلاع الأزمة واستمرت قرابة شهر قبل اتخاذ إجراء الحبس على ذمة التحقيق، معتبرة أن ذلك يعني، من وجهة نظرها، وجود أسباب تستدعي الإجراء، مع التأكيد على أن التحقيقات هي الجهة المختصة بتحديد المسؤوليات والوقائع.
الأزمة الليبية.. منع حوار الليبيين يفتح أسئلة محرجة: لماذا يخشى البعض اجتماعهم؟واختتمت بن طابون مواقفها بالدعوة إلى تعزيز المساءلة والشفافية والمحاسبة، معتبرة أن معالجة الأزمات الليبية لا يمكن أن تستند إلى العاطفة أو الاستقطاب، وإنما تحتاج إلى قواعد قانونية ودستورية واضحة ومؤسسات قادرة على حماية المواطن والدولة.
وتكشف مواقف بن طابون، كما وردت في منشورها، عن رؤية تربط بين أزمات الكهرباء والخدمات، والتدهور الاقتصادي، والاضطراب الأمني، وغياب الإطار الدستوري، ومخاطر فقدان التراث التاريخي؛ باعتبارها مظاهر لأزمة أوسع تتعلق بضعف مؤسسات الدولة واستمرار عدم الاستقرار.
وبينما تطرح الديمقراطية باعتبارها هدفا سياسيا، تضع بن طابون الاستقرار في مقدمة احتياجات المواطن، داعية إلى إطار قانوني ودستوري ينظم انتقال السلطة ويحدد اختصاصات المؤسسات، بالتوازي مع حماية المدن والمعالم التاريخية وضمان المحاسبة في الملفات المالية والأمنية.
وتبقى الدعوة الأساسية التي تضمنها موقفها متمثلة في أن حماية المواطن الليبي لا تنفصل عن حماية مؤسسات الدولة، وأن معالجة الأزمات المعيشية والأمنية والاقتصادية والثقافية تتطلب، في تقديرها، استقرارا مؤسسيا وقانونيا يحول دون إعادة إنتاج الأزمات مع كل تغيير سياسي جديد.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤