تتسع الأسئلة حول قدرة الاقتصاد الليبي على الخروج من دائرة الاختلالات المزمنة، في وقت لا تزال فيه طوابير محطات الوقود حاضرة في عدد كبير من المناطق، رغم ارتفاع فاتورة الوقود، في مفارقة اقتصادية لافتة أثارها أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف.
وقال الشريف، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، إن استمرار الطوابير رغم ارتفاع تكلفة فاتورة الوقود يمثل لغزاً يحتاج إلى حل، فيما رد رجل الأعمال حسني بي بأن الوضع لا يمثل لغزاً، وإنما هو نتيجة طبيعية ومتوقعة لما وصلت إليه المنظومة الاقتصادية والإدارية، وهو ما قابله الشريف بالقول إنه يعلم ذلك.
وتكشف هذه المداخلة القصيرة عن أزمة تتجاوز مسألة توافر الوقود إلى طبيعة إدارة الموارد العامة وآليات توزيعها والرقابة على مسارات الإنفاق والاستيراد، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عوائد النفط، بينما يظل المواطن في مواجهة مباشرة مع تداعيات الاختلالات المالية والخدمية.
وفي ملف التجارة الخارجية، اعتبر الشريف قرار وزارة الاقتصاد والتجارة ربط التجارة والاستيراد بحجم النشاط الاقتصادي ومستويات التشغيل خطوة في الاتجاه الصحيح، موضحاً أن تحديد سقف الاعتمادات وفق حجم الضرائب التي تسددها الشركات، إلى جانب الضرائب المرتبطة بالعاملين لديها، يمكن أن يربط الاستفادة من الاعتمادات بحجم النشاط الاقتصادي الفعلي.
وبحسب هذا التصور، فإن ارتفاع حجم النشاط والتشغيل والضرائب المسددة ينبغي أن يقابله ارتفاع في سقف الاعتمادات المسموح بها، بما يقلص المساحة المتاحة أمام الشركات الورقية والشركات التي لا تعكس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً، ويحد بالتالي من الطلب غير الحقيقي على النقد الأجنبي.
لكن الشريف شدد على أن قيمة القرار لن تقاس بصياغته القانونية، وإنما بمدى تطبيقه والرقابة على تنفيذه، محذراً من أن يتحول إلى إجراء مكتوب لا يغير واقع السوق. ويضع ذلك وزارة الاقتصاد أمام اختبار مؤسسي يتمثل في قدرتها على بناء آلية رقابة فعالة وشفافة، وربط التجارة بالاحتياجات الحقيقية للاقتصاد الوطني.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن عدداً كبيراً ممن يتولون اليوم مواقع حساسة في الإدارة العليا والوسطى كانوا جزءاً من منظومة سبتمبر، وأن بعضهم أصبح جزءاً من منظومة الفساد المتجذرة، مشيراً إلى مواقع ومؤسسات عدة، بينها المجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة ومؤسسة النفط، من دون حصر جميع المواقع المعنية.
وشدد الشريف على أن توجيه اللوم إلى طرف واحد وتجاهل بقية الأطراف لا يعكس حقيقة الأزمة، مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تكون لمواجهة الفساد أينما وجد، بعيداً عن الانتقائية والحسابات السياسية، مع توحيد مؤسسات الدولة وتسليم المسؤولية إلى أشخاص لم يشاركوا في منظومات الفساد خلال الحقبتين، ولديهم القدرة والإرادة على بناء دولة مؤسسات قائمة على القانون والمساءلة والمصلحة الوطنية.
وتحمل هذه الرؤية دلالة اقتصادية مباشرة، إذ إن استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ لا يبدد الموارد فقط، بل يرفع أيضاً كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي ويزيد مخاطر الاستثمار ويضعف قدرة الدولة على إدارة الإنفاق العام.
ويرى الشريف أن البيانات المنتظرة خلال الشهر الحالي بشأن عوائد النفط وفاتورة الوقود ستكون مؤشراً مهماً لمعرفة ما إذا كان الانحراف الذي حدث خلال الشهر الماضي قد جرى تصحيحه، وما إذا كان أحد الأسباب المرتبطة باستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي قد شهد معالجة فعلية.
غير أنه يميز بين هذا الملف وبين الإنفاق العام، الذي يعتبره أكثر تعقيداً ويحتاج إلى فترة أطول لمعالجة اختلالاته، ولذلك لا يتوقع نتائج ملموسة في الإنفاق خلال الأجل القريب.
وتبرز أهمية هذه القراءة في ظل حساسية العلاقة بين الإيرادات النفطية والإنفاق العام وسوق النقد الأجنبي، إذ إن أي انحراف في أحد هذه المسارات يمكن أن ينعكس على قيمة العملة والأسعار والسيولة والقدرة الشرائية للمواطن.
وفي الجانب الاجتماعي، انتقل الشريف إلى مشهد رآه عبر وسائل التواصل الاجتماعي لزفاف أحد المواطنين، حيث ظهرت سيارات فارهة رافقت العريس، وقدر قيمة بعضها بملايين الدنانير.
واعتبر الشريف أن هذا المشهد يعكس، في رأيه، حجم الثراء الفاحش الذي تركز لدى فئة محدودة نتيجة الاستفادة من المال العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة، محذراً من تزايد الفساد في ظل غياب إجراءات حقيقية لمواجهته.
ولم يوجه الشريف اتهاماً محدداً إلى أصحاب السيارات أو المشاركين في المناسبة، وإنما طرح تساؤلاً عاماً حول ضرورة تحرك الجهات المختصة للتحقق من مصادر الثروات ومحاسبة من يثبت استفادته من المال العام، كما طرح سؤالاً أكثر جوهرية حول مدى وجود جهات مختصة قادرة فعلياً على القيام بهذا الدور.
صادرات نفط الخليج ترتفع في يوليو وسط تباطؤ الشحن عبر هرمزوفي خطوة أخرى، اعتبر الشريف قرار وزارة الاقتصاد والتجارة إلغاء 27 رخصة تجارية إجراءً صحيحاً وفي الاتجاه المطلوب، خصوصاً في ظل ما ارتبط ببعض الرخص من نقاط ضعف وممارسات وفرت مساحات للفساد، ولا سيما في ملف الاعتمادات.
غير أنه يرى أن أهمية القرار لا تتوقف عند الإلغاء، بل تتطلب إجراءات لاحقة لمعالجة مكامن الخلل بصورة أوسع، بما يسمح بإعادة ضبط النشاط التجاري والحد من التشوهات التي صاحبت منظومة الاعتمادات.
ويرى الشريف أن السياسة التجارية غابت لفترة طويلة عن أداء دورها الحقيقي في تنظيم التجارة وإدارة الاستيراد بما يخدم الاقتصاد الوطني، داعياً إلى استمرار مراجعة الرخص والأنشطة التجارية وربطها بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد، مع تعزيز الرقابة والشفافية.
انقسام ليبيا يهدد المسار السياسي ويعقد فرص التوحيد الوطنيوفي تقييمه للمشهد الاقتصادي العام، يربط الشريف بين ضعف الأداء الاقتصادي والبيئة السياسية والأمنية، مؤكداً أن ليبيا تعاني من غياب الاستقرار الأمني والحكومي، وأن الاضطرابات السياسية تحول دون تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
كما يرى أن استمرار الاضطرابات يهدد ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الليبي، ويفتح الباب أمام نزيف الاستثمارات، وهي نتيجة منطقية في بيئة تظل فيها القواعد الاقتصادية والمؤسسية عرضة للتغير بفعل الصراع السياسي وضعف الاستقرار الحكومي.
وبذلك تتقاطع الملفات التي أثارها الشريف، من الوقود والاعتمادات والتجارة إلى الإنفاق العام والفساد والاستثمار، عند نقطة واحدة: الحاجة إلى مؤسسات دولة قادرة على تطبيق القواعد بصورة متساوية وشفافة.
وبالنسبة للمواطن الليبي، لا تبدو هذه القضايا منفصلة عن حياته اليومية؛ فطوابير الوقود، وارتفاع كلفة المعيشة، وتقلبات السوق، وضعف الخدمات، وتفاوت توزيع الثروة، كلها نتائج مباشرة أو غير مباشرة لاختلال إدارة الموارد العامة.
وتضع هذه المعطيات الحكومة والجهات الرقابية أمام مسؤولية تتجاوز إصدار القرارات إلى تنفيذها ومتابعة نتائجها، بينما يبقى إصلاح الاقتصاد مرتبطاً، وفق الطرح الذي قدمه الشريف، بإنهاء الفساد الانتقائي، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتعزيز المساءلة، وإعادة بناء الثقة في بيئة اقتصادية وأمنية مستقرة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤