طرحت تصريحات الخبير الاقتصادي مختار الجديد بشأن الوضع المالي والنقدي في ليبيا تساؤلات واسعة حول حجم الإنفاق العام، ومستوى الشفافية في إدارة المال العام، ومدى قدرة مصرف ليبيا المركزي على مواجهة الضغوط المتزايدة المرتبطة بالمحروقات والنفط والدين الحكومي، في وقت تتصاعد فيه الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
وقال الجديد، في منشور عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن فاتورة المحروقات خلال شهر يونيو تجاوزت مليارًا وأربعمائة مليون دولار، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام تأتي في ظل توقف المبادلة، وفي ظل غياب التقارير الشهرية التي اعتاد مصرف ليبيا المركزي إصدارها بشأن الإيرادات والمصروفات.
وبحسب قراءة الجديد، فإن غياب البيانات الدورية لا يمثل مجرد مشكلة إجرائية أو تأخيرًا في نشر المعلومات، وإنما يضعف إحدى أهم أدوات الرقابة العامة على الأداء المالي للدولة، ويحد من قدرة الإعلام والرأي العام على متابعة حركة الإنفاق والإيرادات، خصوصًا في الملفات التي ظلت محل جدل خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن المصرف كان يمتلك، من خلال نشر هذه البيانات، أداة مهمة في مواجهة ما وصفه بقضايا المقايضة والإنفاق الحكومي وغيرها من الملفات الاقتصادية والمالية، وأن الرأي العام ووسائل الإعلام كانا يمثلان عنصر دعم للمصرف في معركته المتعلقة بالشفافية والانضباط المالي.
ويرى الخبير الاقتصادي أن توقف نشر التقارير أدى، من وجهة نظره، إلى إضعاف موقف المصرف أمام الأطراف الأخرى، بل فتح الباب أمام اتهامات بالتواطؤ معها بسبب حجب البيانات، وهي اتهامات تظل، في سياق حديثه، جزءًا من الجدل العام ولا ترقى بذاتها إلى إثبات مسؤولية قانونية أو مالية على أي جهة.
وأشار الجديد إلى أن الخطأ الثاني الذي يتحدث عنه مصرف ليبيا المركزي سيكشف عنه في وقت لاحق، دون أن يقدم في منشوره تفاصيل إضافية بشأن طبيعته.
وخلص إلى أن تداعيات الوضع الحالي ستنعكس، بحسب تقديره، على إدارة المصرف المركزي، محذرًا من أيام صعبة مقبلة ما لم تبادر الإدارة إلى معالجة ما وصفه بآثار القرارات المتسرعة وترميم ما تضرر في علاقتها بالرأي العام وبالمؤسسات والأطراف المعنية بالملف الاقتصادي.
وفي ملف صادرات النفط، شكك الجديد في امتلاك وزير الاقتصاد بيانات مستقلة حول أرقام الصادرات التي يتحدث عنها، معتبرًا أن المعلومات المتداولة في هذا الملف مصدرها مصرف ليبيا المركزي.
وقال إن ما يرد على لسان وزير الاقتصاد بشأن صادرات النفط لا يستند، وفق تقديره، إلى إحصاءات خاصة بوزارة الاقتصاد أو أرقام أعدتها الوزارة بصورة مستقلة، وإنما إلى معلومات منقولة عن بيانات مصرف ليبيا المركزي.
ويكتسب هذا الطرح أهمية في ظل اعتماد المالية العامة الليبية بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، وفي ظل ارتباط مستوى الإنفاق العام والسيولة المتاحة في السوق ومقدار العجز والاحتياجات التمويلية بتطورات الإنتاج والتصدير والتحصيل النفطي.
وتطرق الجديد إلى استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، معتبرًا أن الاستقالة تبدو، وفق المعطيات التي يستند إليها، قد جرى احتواؤها مقابل وعود بإجراء إصلاحات.
لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام اختبار مدى جدية هذه الوعود، متسائلًا عما إذا كانت ستختلف عن وعود سابقة أم ستبقى في إطار التأجيل.
وفي هذا السياق، تحدث عن ورقة قال إنها قد تكون أكثر تأثيرًا من ورقة الاستقالة نفسها، وهي ورقة المكاشفة، عبر نشر ما يحدث للرأي العام بصورة واضحة ودون مواربة أو مجاملة.
ووجه الجديد نصيحة إلى المحافظ مفادها أن أي استقالة مقبلة ينبغي، من وجهة نظره، أن تتضمن أسبابها بشكل واضح وشفاف، حتى يكون الرأي العام على اطلاع مباشر على دوافع القرار، بدل الاكتفاء بتقديم الاستقالة دون توضيح خلفياتها.
ويرى الجديد أن توقيت الاستقالة كان أكثر إثارة للتساؤل من الاستقالة نفسها، موضحًا أنه كان يتوقعها بالنظر إلى التهديدات السابقة بتقديمها في مناسبتين، كانت آخرهما مع بداية العام الحالي.
غير أن السؤال، بحسب طرحه، يتمحور حول أسباب الاستقالة وتوقيتها، وما إذا كان ضبط الإنفاق الذي بدا للبعض خلال الفترة الماضية قد وصل فعلًا إلى مستويات مقبولة، أم أن الحديث عن ضبطه كان يستهدف تهدئة الشارع.
كما طرح تساؤلات بشأن ما وصفه بسرقة جزء من صادرات النفط عند تصديره، وسرقة جزء من المحروقات عند استيرادها عبر التهريب، معتبرًا أن استمرار هذه الممارسات، إذا ثبتت بهذا الحجم، يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد.
ويشير الجديد كذلك إلى أن ملف النفط والتهريب ليس جديدًا على الليبيين، متسائلًا عن جدوى إعادة سرد وقائع يعرفها الرأي العام، في إشارة إلى قضايا مرتبطة بإيرادات النفط وتهريب المحروقات برًا وبحرًا.
وأكد في الوقت ذاته أن هذا الطرح لا يعني إثبات الاتهامات، وإنما يعكس الأسئلة التي يطرحها الجدل العام حول أسباب الاستقالة وتداعياتها.
وبحسب قراءة الجديد، فإن تقديم الاستقالة وضع المحافظ، سياسيًا ومؤسسيًا، أمام مرحلة شديدة الحساسية، معتبرًا أن إلقاء آخر أوراق الضغط التي كانت تلوح بها إدارة المصرف خلف الأبواب المغلقة قد يجعل موقف المحافظ أكثر صعوبة أمام الأطراف المقابلة.
ويرى أن الخيار أمام المحافظ، وفق هذا التصور، يتمثل إما في الاستمرار في منصبه والتراجع عن الاستقالة، ولكن وفق شروط واضحة وكاملة ودون تنازلات جوهرية، أو مغادرة منصبه وترك الأطراف الأخرى في مواجهة الرأي العام والشارع.
وحذر الجديد من خيار ثالث يتمثل في القبول بما وصفه بأنصاف الحلول والاعتماد على وعود فضفاضة بالإصلاح، معتبرًا أن ذلك قد يضر بالمحافظ نفسه وبالاقتصاد الوطني، خصوصًا من وجهة نظره، في ظل عدم ثقته بالجهات التي تقف في مواجهته وبوعودها.
ورغم انتقاداته، قال الجديد إن أقصى ما يتمناه في الظروف الحالية هو استمرار المحافظ وتمكنه من فرض شروط إصلاح صارمة دون مساومة، معتبرًا أن السيناريو البديل، في تقديره، هو استقالته وتولي محافظ جديد وفق شروط الأطراف الأخرى.
وفي جانب آخر من تداعيات الأزمة، وجه الجديد رسالة إلى أصحاب محطات الوقود، طالبهم فيها بالنظر في تمديد ساعات العمل إلى أوقات متأخرة من الليل، متى توافرت الكهرباء، لتعويض الساعات التي تتوقف فيها المحطات خلال النهار بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
ودعا إلى عدم إغلاق المحطات في موعدها المعتاد عند العاشرة مساءً إذا كانت الظروف التشغيلية والكهرباء تسمح بذلك، مبررًا طلبه بالظروف الصعبة التي يمر بها المواطنون.
ويعكس هذا الطلب تداخل الأزمة النقدية والمالية مع الأزمات الخدمية اليومية، إذ لا تتوقف آثار نقص الكهرباء عند حدود المنازل والمنشآت، بل تمتد إلى قطاعات مرتبطة مباشرة بحياة المواطنين وحركة النقل وتوفير الوقود.
وفي ملف القطاع المصرفي، أشار الجديد إلى وجود أكثر من سبعة مليارات دينار من الديون المتعثرة منذ سنوات، مستحقة على الحكومة والقطاع العام بصورة عامة لصالح القطاع المصرفي، مؤكدًا أنها لم تُسدَّد حتى الآن.
ويرى أن استمرار هذه الديون يمثل عبئًا على القطاع المصرفي ويؤثر في قدرته على أداء دوره في تمويل الاقتصاد، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تحريك النشاط الاقتصادي وتوفير التمويل للقطاع الخاص.
كما تناول ما أثير بشأن إصدار سندات حكومية بقيمة عشرة مليارات دينار، مشيرًا إلى وجود عقبة قانونية أمام الإصدار، وفق طرحه، تتمثل في تعارضه مع قانون منع الفوائد الصادر عن المؤتمر الوطني العام.
ولشرح طبيعة السندات، قدم الجديد مثالًا مبسطًا عن شركة تحتاج إلى قرض بقيمة مائة مليون دينار، لكنها قد لا تجد مصرفًا قادرًا أو راغبًا في منحها المبلغ المطلوب، فتتجه إلى الاقتراض المباشر من الناس من خلال إصدار سندات.
وبحسب المثال الذي أورده، يمكن أن تبلغ قيمة السند الواحد مائة دينار، فإذا أصدرت الشركة مليون سند وباعت جميع السندات، تحصل على مائة مليون دينار، بينما يصبح المشترون بمثابة مقرضين للشركة.
وتتمثل استفادة حاملي السندات، وفق المثال الذي قدمه، في العائد السنوي المتفق عليه؛ فإذا بلغت الفائدة ستة في المئة، يحصل حامل السند على ستة دنانير سنويًا عن كل سند بقيمة مائة دينار.
وأوضح أن السند، باعتباره قرضًا، يرتبط بموعد للسداد، يعيد فيه حامل السند الوثيقة إلى الجهة المصدرة ويحصل على أصل المبلغ، وقد تتراوح مدة السندات من سنة إلى خمس سنوات أو عشر سنوات وأكثر.
وأكد أن تعبير «الناس» في هذا السياق مفهوم عام يمكن أن يشمل المواطنين والشركات والمصارف وغيرها، مشيرًا إلى أن السندات قد تصدرها الشركات أو الحكومات، وعندما تصدرها الحكومة تصبح سندات حكومية.
عبدالحميد الدبيبةوتضع مجمل المعطيات التي طرحها مختار الجديد صورة اقتصادية تتشابك فيها عدة ملفات: فاتورة المحروقات، صادرات النفط، الإنفاق العام، الديون الحكومية، أوضاع المصرف المركزي، الكهرباء، وتمويل الدولة.
وبينما تظل الأرقام والتقديرات الواردة في منشور الخبير الاقتصادي بحاجة إلى التحقق من خلال نشر مصرف ليبيا المركزي لبيانات الرسمية التفصيلية والجهات المختصة، فإن جوهر النقاش الذي يطرحه يتمحور حول ضرورة إعادة نشر التقارير الدورية وتعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات أمام الرأي العام.
كما يعكس الجدل بشأن استقالة محافظ المصرف المركزي حجم الحساسية التي باتت تحيط بإدارة السياسة النقدية والمالية في ليبيا، في ظل اعتماد الدولة على النفط، واتساع احتياجات الإنفاق، واستمرار مشكلات التهريب والديون العامة والخدمات الأساسية.
وبالنسبة للمواطن الليبي، لا تبدو هذه الملفات منفصلة عن بعضها؛ فارتفاع فاتورة المحروقات، وانقطاع الكهرباء، واضطراب سوق الوقود، وتراكم الديون، وأي توسع في الاقتراض الحكومي، كلها قضايا تتحول في النهاية إلى أعباء مباشرة أو غير مباشرة على مستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى المكاشفة التي طرحها الجديد تضع السلطة النقدية والجهات التنفيذية أمام اختبار الشفافية، فيما يبقى نشر البيانات الرسمية التفصيلية هو الطريق الأكثر قدرة على الفصل بين المعلومات المتداولة والتقديرات والتحليلات من جهة، والوقائع المثبتة بالأرقام من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار الأزمة السياسية والانقسام المؤسسي، تصبح حماية المال العام وضمان وضوح مسارات الإنفاق والإيرادات أكثر إلحاحًا، خصوصًا بالنسبة للمواطن الذي يتحمل نتائج أي خلل في إدارة الموارد أو الخدمات.
ويظل السؤال الأوسع الذي يفرض نفسه: هل تستطيع المؤسسات المالية ومصرف ليبيا المركزي استعادة ثقة الرأي العام عبر كشف البيانات كاملة، ووضع ضوابط أكثر صرامة على الإنفاق والاقتراض، ومعالجة ملف المحروقات والنفط، أم أن استمرار الغموض سيقود إلى ضغوط اقتصادية أكبر خلال المرحلة المقبلة؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤