أثار مهرجان العرعار في مدينة مصراتة جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما انقسمت الآراء بين من يرى في إقامة الفعاليات والمهرجانات حقًا طبيعيًا للمواطن ومتنفسًا اجتماعيًا وثقافيًا، وبين من يعتبر أن توقيت المهرجان وشكله والموارد المستخدمة فيه يطرحان أسئلة مشروعة بشأن أولويات الإنفاق العام، في ظل استمرار أزمات الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار وتحديات الخدمات الأساسية.
ولم ينصب جانب كبير من الانتقادات على فكرة إقامة المهرجان في حد ذاتها، بل ركز على ما وصفه منتقدون بغياب الشفافية بشأن مصادر التمويل وحجم الإنفاق والجهات التي تولت توفير الإمكانات البشرية واللوجستية للفعالية، في وقت يعاني فيه جزء من المواطنين من ظروف معيشية صعبة وأزمات يومية متراكمة.
الخبير الاقتصادي مختار الجديد عبّر، في منشور عبر موقع فيسبوك، عن انتقاد ساخر لفكرة الانشغال بالمهرجان في ظل المشكلات اليومية، داعيًا الشباب إلى ترك أجواء الاحتفال والعودة إلى مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود وانقطاعات الكهرباء وأصوات الاضطرابات، في إشارة إلى اعتقاده بأن هناك من يريد للمواطنين أن يتجاهلوا الضغوط التي يعيشونها عبر الانشغال بمظاهر الترفيه.
أما الإعلامية عفاف الفرجاني، فتناولت المسألة بسخرية أيضًا، متسائلة عن جدوى الحديث عن مهرجان يحمل صفة الدولية والاستعدادات الكبيرة له، في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، بما يعكس جانبًا من الاعتراض الشعبي على الصورة التي قد تقدمها الفعاليات عن الواقع الليبي.
المحلل السياسي سليمان البيوضي ذهب في انتقاده إلى أبعد من مسألة المهرجان، رابطًا بين الفعالية وبين ما اعتبره تفاوتًا حادًا في مستوى المعيشة بين فئات المجتمع الليبي.
وقال البيوضي، في منشور عبر فيسبوك، إن الرسائل الترويجية المرتبطة بالفعالية تتحدث عن الاستمتاع بخدمات إنترنت حديثة، بينما يرى أن المواطن يعاني في المقابل من نقص الكهرباء والمياه، وأن شريحة واسعة من الليبيين لا تضع وسائل الترفيه أو الإنترنت في مقدمة أولوياتها، بل تبحث عن احتياجات أساسية، من بينها توفير المياه والوقود والكهرباء.
كما وجه البيوضي انتقادات حادة إلى ما وصفه باستخدام موارد الدولة في الفعاليات الصحراوية، وقال إن عمالًا وموظفين تابعين للمؤسسات والشركات العامة جرى نقلهم للمشاركة في الحدث، وإن إمكانات عامة استخدمت في أعمال مرتبطة بإضاءة مواقع في الصحراء.
وتبقى هذه النقاط، وفق المعلومات المتاحة، في إطار ما ورد في منشور البيوضي ومنشورات متداولة على منصات التواصل، إذ لا تتوافر بيانات رسمية منشورة تحدد أعداد الموظفين المشاركين أو حجم الموارد الحكومية التي استخدمت أو القيمة المالية التي أنفقت على هذه الأعمال.
ومع اتساع النقاش، برز اتجاه يرى أن القضية الأساسية ليست في إقامة مهرجان العرعار، ولا في حق المواطنين في الفرح والثقافة والترفيه، وإنما في ضرورة إعلان البيانات المالية والإدارية المتعلقة بالفعالية.
ويطرح هذا الاتجاه أسئلة مباشرة حول التكلفة الإجمالية للمهرجان، ومصادر تمويله، والجهات التي دفعت النفقات، وطبيعة الموارد العامة التي جرى تخصيصها، وما إذا كانت تلك النفقات تتناسب مع حجم الفعالية وأهدافها.
كما يطرح المنتقدون سؤالًا أوسع يتعلق بأولويات الحكومة والمجلس البلدي، وما إذا كانت الاحتياجات الأساسية للمواطنين قد حظيت أولًا بالقدر الكافي من الإنفاق والرعاية، قبل الانتقال إلى تنظيم فعاليات ترفيهية واسعة.
وتتعلق هذه الاحتياجات، وفق الانتقادات المطروحة، بالمرافق الصحية والتعليمية والخدمات العامة والكهرباء والمياه والوقود، إلى جانب الأوضاع المعيشية التي تواجه الأسر محدودة الدخل.
وفي المقابل، لا تقدم المعلومات المتاحة أرقامًا موثقة تسمح بالجزم بحجم الإنفاق أو وصفه بأنه هدر مالي، كما لم يرد ضمن المادة المتداولة رد رسمي تفصيلي من الجهات الحكومية أو المجلس البلدي المعني بشأن مصادر التمويل أو طبيعة الموارد التي استخدمت في المهرجان.
جانب آخر من النقاش ارتبط بالواقع الخدمي في مدينة مصراتة، إذ يرى منتقدون أن صورة المهرجان لا تنسجم، في نظرهم، مع مشاهد يومية تتعلق بالكهرباء والوقود والطرق والخدمات.
وسخر أحد المتابعين من الصورة التي قد يجدها الزائر القادم من خارج المدينة، مشيرًا إلى أن الطريق قد يقدم له صورة عن الحفر، بينما تعاني الكهرباء من الانقطاع، وتظل بعض الخدمات في إطار الوعود المستقبلية.
ويرى صاحب هذا الطرح أن المشكلة ليست في استضافة مهرجان أو تنظيم فعاليات ثقافية، بل في أن نجاح أي حدث دولي ينبغي أن يتزامن مع تحسين البيئة العامة المحيطة به، بما في ذلك الطرق والخدمات والكهرباء.
وبلغة ساخرة، أشار إلى أن الزائر قد ينسى اسم الفرقة أو تفاصيل العرض الفني، لكنه قد يتذكر الحفرة التي تعرض لها أو انقطاع الكهرباء أثناء وجوده في المدينة، في إشارة إلى أن البنية التحتية والخدمات تمثل جزءًا أساسيًا من صورة أي مدينة تستضيف فعاليات كبرى.
وفي الاتجاه نفسه، انتقد متابعون ما وصفوه بسوء التنظيم، مشيرين إلى ازدحام محطات الوقود بسبب تدفق سيارات من خارج مصراتة، ووجود سيارات مظللة وأخرى من دون لوحات داخل محيط الفعاليات، متسائلين عن مستوى الحضور الأمني والتنظيم المروري.
كما أشار أحد المنتقدين إلى غياب رجال المرور عن بعض التقاطعات وتعطل إشارات المرور بسبب انقطاع الكهرباء، معتبرًا أن تنظيم فعالية كبيرة يتطلب استعدادًا أمنيًا ومروريًا وخدميًا يتناسب مع حجم الحضور.
مهرجان العرعار يفتح جدلًا واسعًا حول أولوية الإنفاق العاموفي موقف مختلف نسبيًا، رأى أحد المتابعين أن توقيت المهرجان غير مناسب، لكنه رفض تحويل الاعتراض إلى موقف مبدئي ضد الفعاليات.
وقال إنه لا يملك مصلحة في إقامة المهرجان أو إلغائه، لكنه يرى أن الظروف الحالية لا تجعل تنظيم هذا النوع من الفعاليات أولوية، مقترحًا في المقابل أن يعلن القائمون على المهرجان، بإشراف لجنة من المجلس البلدي في مصراتة، تخصيص عائداته للأسر الفقيرة أو لمرضى الأورام أو لأعمال خيرية أخرى.
وأوضح صاحب هذا الرأي أنه سيكون مستعدًا لحضور المهرجان مع أبنائه إذا جرى توجيه عائداته إلى تلك الأغراض، معتبرًا أن المهرجانات في الدول المستقرة يمكن أن تكون مدخلًا إلى مشاريع اقتصادية وثقافية وتنموية مفيدة، شريطة توافر التنظيم الجيد وإمكانية وصول مختلف فئات المجتمع إليها والمشاركة فيها.
هذا الرأي يعكس محاولة للفصل بين رفض الترفيه في حد ذاته وبين الاعتراض على توقيته وأولوياته، وهو موقف تكرر في عدد من المنشورات التي أكدت أن المواطن لا يرفض الفرح، لكنه يريد أن يرى الفعاليات منسجمة مع احتياجات المجتمع.
مهرجان العرعار يفتح جدلًا واسعًا حول أولوية الإنفاق العامفي المقابل، انتشرت دعوات إلى مقاطعة مهرجان العرعار، قُدمت باعتبارها وسيلة احتجاج مدنية وسلمية على ما وصفه أصحابها بالفساد وتراجع الخدمات والعبث بالمال العام.
وأكدت تلك الدعوات أن المقاطعة، وفق أصحابها، ليست موقفًا ضد الفن أو الثقافة أو الترفيه، وإنما رسالة احتجاج على واقع يرون أنه يتطلب إصلاح المؤسسات وحماية المال العام وتعزيز الشفافية.
وشدد أصحاب هذا الاتجاه على أن المواطن يستطيع التعبير عن اعتراضه بوسائل سلمية، وأن مواجهة الفساد تبدأ، في تصورهم، من الوعي ورفض التعامل مع الأخطاء باعتبارها أمرًا طبيعيًا.
كما حملت دعوات المقاطعة رسالة سياسية عامة مفادها أن ليبيا تحتاج إلى إدارة أفضل وشفافية أكبر، وأن تنظيم الفعاليات لا ينبغي أن يحجب النقاش حول أداء المؤسسات والخدمات العامة.
مهرجان العرعار يفتح جدلًا واسعًا حول أولوية الإنفاق العاموأخذت الانتقادات بعدًا اجتماعيًا واضحًا، مع استخدام أمثلة عن أسر عاجزة عن توفير الدواء أو الحليب أو الاحتياجات الأساسية، في مقابل مشاهد احتفالية يرى أصحابها أنها تعكس مستوى مختلفًا من الرفاهية.
وذهب أحد المنشورات إلى القول إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المواطن يحب المهرجان، وإنما ما إذا كان التوقيت مناسبًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود.
كما انتقد المنشور الصورة التي قد تنتقل إلى الخارج عن الوضع المعيشي في ليبيا، معتبرًا أن تقديم مشهد احتفالي واسع في وقت يعاني فيه مواطنون من أزمات يومية قد يخلق انطباعًا لا يتطابق مع الواقع الاجتماعي لشريحة من السكان.
وفي منشور آخر، جرى وصف مهرجان العرعار بأنه يعكس الفارق في مستوى الحياة بين الليبيين، من خلال المقارنة بين مواطنين يواجهون نقص الوقود وانقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار، وآخرين يمتلكون سيارات باهظة الثمن ويشاركون في فعاليات ترفيهية مكلفة، مع التأكيد على أن امتلاك هذه الإمكانات إذا كان بطرق مشروعة فهو أمر لا اعتراض عليه.
وتكشف طبيعة الجدل حول مهرجان العرعار عن قضية تتجاوز حدود فعالية واحدة، وتتعلق بالعلاقة بين الإنفاق العام والأولويات الاجتماعية في ليبيا.
فالمشكلة، وفق الطرح الأكثر توازنًا بين الآراء المتداولة، ليست في أن يحتفل الليبيون أو أن تستضيف المدن فعاليات ثقافية وفنية، وإنما في ضرورة أن ترافق هذه الفعاليات درجة كافية من الشفافية والتنظيم، وأن تكون هناك بيانات واضحة يمكن للمواطن من خلالها معرفة مصادر التمويل وحجم الإنفاق والجهات المشاركة.
كما أن وجود مهرجان لا يعني تلقائيًا وجود هدر مالي، تمامًا كما أن انتقاد توقيته لا يعني رفض الثقافة والترفيه. وفي المقابل، فإن غياب البيانات الرسمية التفصيلية يترك مساحة واسعة للتكهنات والاتهامات، ويزيد من حدة الانقسام بين من يرى المهرجان متنفسًا اجتماعيًا ومن يراه انعكاسًا لاختلال الأولويات.
وفي ظل عدم توفر أرقام مالية وإدارية معلنة ضمن المعلومات المتداولة، تظل مسألة حجم الإنفاق وطبيعة الموارد العامة المستخدمة بحاجة إلى توضيحات رسمية، حتى يتمكن الرأي العام من تقييم الفعالية على أساس الوقائع لا الانطباعات.
وبالنسبة إلى المواطن الليبي الذي يواجه أزمات الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان من حقه أن يفرح، بل أيضًا بما إذا كان من حقه أن يعرف كيف تدار الموارد العامة وأين تنفق أموال الدولة.
فالفرح، كما يقول أحد الطروحات المتداولة، حق، لكن معرفة أين تُصرف أموال الناس حق أيضًا. وبين الحقين تبقى الشفافية والتنظيم وحسن ترتيب الأولويات عناصر أساسية لأي فعالية عامة تريد أن تحظى بثقة المجتمع، خصوصًا في بلد لا تزال مؤسساته تواجه تحديات سياسية واقتصادية وخدمية متراكمة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤