تتواصل معاناة الليبيين مع انقطاع التيار الكهربائي، وسط تصاعد شكاوى المواطنين من اضطراب الشبكة العامة وتكرار طرح الأحمال بصورة أثقلت كاهل الأسر وأثرت في النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية، بالتزامن مع تولي المهندس البشير المرعاش رئاسة مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء، في مهمة تأتي بينما تبدو أزمة القطاع أكبر من مجرد تغيير إداري جديد.
وخلال الساعات الأخيرة، تداول مواطنون شكاوى واسعة بشأن تنفيذ طرح الأحمال من الساعة الثامنة صباحاً حتى العاشرة، قبل أن تعود الانقطاعات مجدداً في مناطق أخرى خلال اليوم، فيما تحدث آخرون عن استمرار غياب الكهرباء لساعات طويلة، وبعضهم قال إن التيار انقطع عنه لثلاثة أيام متتالية ودخل اليوم الرابع.
وتعكس هذه الشكاوى حجم الارتباك الذي يعيشه المواطن أمام واقع كهربائي لم يعد واضحاً بالنسبة إليه، إذ يطرح سؤالاً مباشراً عن طبيعة الخلل: هل يتعلق الأمر بأعطال في الشبكة، أم بنقص في الإنتاج، أم بمشكلات فنية وإدارية أخرى؟
وفي ظل غياب إجابات تفصيلية وشاملة، تتزايد المطالب بأن تقدم الشركة العامة للكهرباء شرحاً واضحاً للرأي العام، وأن يستند التعامل مع الأزمة إلى بيانات دقيقة تكشف حجم المشكلة وأسبابها وخطط معالجتها، بعيداً عن التطمينات العامة التي لم تعد كافية بالنسبة إلى مواطن يواجه الانقطاع داخل منزله يومياً.
تولي البشير المرعاش رئاسة مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء فتح نقاشاً واسعاً حول مدى قدرته على قيادة القطاع في هذه المرحلة المعقدة، خصوصاً أن المواطن لا يريد حكماً مسبقاً على الرجل، لا بالمدح ولا بالإدانة، وإنما يريد شهادة العاملين في الشركة، وفي مقدمتهم المهندسون والفنيون وأصحاب الخبرة.
ويتركز السؤال المطروح داخل هذا النقاش حول ما إذا كان المرعاش يمتلك الخبرة والشخصية والقدرة الإدارية التي تمكنه من اتخاذ قرارات صعبة لمصلحة الشركة والمواطن، حتى عندما لا تحظى تلك القرارات برضا بعض الجماعات أو الأطراف.
وبحسب الطرح المتداول، فإن تقييم الإدارة الجديدة يجب أن يكون قائماً على النتائج، لا على الانطباعات السابقة أو الاصطفافات، وأن يكون معيار النجاح واضحاً: هل ستتحسن استقرارية الشبكة؟ وهل ستتراجع ساعات الانقطاع؟ وهل ستتحسن كفاءة إدارة الموارد؟ وهل ستتمكن الشركة من تقديم خدمة توازي الأموال التي أنفقت على القطاع؟
ويأتي تكليف المرعاش في سياق سلسلة من التغييرات التي شهدها ملف الكهرباء خلال عهد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأمر الذي أثار انتقادات بشأن تكرار تغيير المسؤولين دون أن ينعكس ذلك بصورة حاسمة على واقع القطاع.
لكن عضو مجلس النواب علي التكبالي ذهب إلى أن المشكلة أوسع من شخص المرعاش أو غيره، معتبراً أن الأزمة ارتبطت بالفساد إلى درجة جعلت الأمور غير قابلة للإصلاح، بحسب تعبيره، إلا بطريقة وصفها بالدراماتيكية التي يرى أن البلاد غير قادرة عليها.
هذا الطرح ينقل النقاش من سؤال «من يدير الشركة؟» إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الإدارة العامة وآليات صناعة القرار داخل المؤسسات الليبية، ومدى ارتباط استمرار الأزمات بتغيير الأشخاص دون تغيير المنهج.
فإذا كانت المشكلة مرتبطة بالبنية الإدارية والمالية والفنية، فإن استبدال المسؤول وحده قد لا يكون كافياً، بينما يصبح نجاح الإدارة الجديدة مرتبطاً بقدرتها على معالجة الاختلالات القائمة واتخاذ قرارات تستند إلى الكفاءة والخبرة والمصلحة العامة.
التكبالي: موائد الإفطار السياسية استفزاز لمعاناة الشارع وتكريس للولاءاتعضو مجلس الدولة سعد بن شرادة ركز في حديثه على جانب إداري ومالي آخر، داعياً إلى ترسيخ تقليد واضح للتسليم والاستلام بين المسؤولين، بحيث تكون عملية انتقال إدارة المؤسسة موثقة ومحددة المسؤوليات.
وقال إن انتهاء مهمة رئيس مؤسسة وتعيين خلف له يفترض أن يتبعه محضر تسليم واستلام واضح يحدد ما تسلمه المسؤول السابق، وما أنفقه خلال فترة توليه، والالتزامات والأصول والملفات التي تنتقل إلى المسؤول الجديد.
وانتقد بن شرادة ما وصفه باختصار هذه الإجراءات في كثير من الحالات إلى صور ومظاهر احتفالية، قبل أن يغادر المسؤول السابق بينما يبقى المواطن منتظراً أملاً في أن يحمل المسؤول الجديد حلاً للأزمة.
ويرى بن شرادة أن المشكلة لا تنتهي بتغيير الأسماء، وإنما تحتاج إلى ثقافة مؤسسية قائمة على المحاسبة والتوثيق، بحيث يعرف المواطن ماذا تسلم المسؤول، وماذا أنفق، وماذا سلّم، مؤكداً أن المؤسسة ليست ملكاً لشخص وأن المال العام ليس غنيمة لمن يتولى المنصب.
وتكتسب هذه المطالبة أهمية خاصة في قطاع الكهرباء، بالنظر إلى ضخامة الأموال التي أنفقت عليه، واستمرار معاناة المواطن رغم ذلك، ما يجعل الشفافية في الإنفاق والمساءلة عن النتائج جزءاً أساسياً من أي محاولة لإصلاح القطاع.
أزمة الكهرباء تتفاقم والمرعاش يواجه اختباراً صعباً أمام الليبيينالمشكلة الكهربائية لا تقف عند حدود انطفاء المصباح داخل المنزل، بل تمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بصورة مباشرة بالتيار الكهربائي.
فانقطاع الكهرباء يؤثر في ضخ المياه، والاتصالات، وخدمات الإنترنت، وحركة الأنشطة التجارية، والأعمال اليومية، كما يضاعف أعباء الأسر التي تضطر إلى التعامل مع الحرارة المرتفعة وتعطل أجهزة التكييف والثلاجات ومضخات المياه والسخانات وغيرها من المعدات المنزلية.
الإعلامي ناظم الطياري وصف تجربته الشخصية بأنها وصلت إلى 32 ساعة من دون كهرباء مقابل خمس ساعات فقط من توفرها، معتبراً أن هذه المعادلة تعكس، من وجهة نظره، الوضع الكارثي للشبكة.
كما تحدث عن انقطاع شامل للتيار ثلاث مرات خلال 48 ساعة، ورأى أن تكرار هذه الانقطاعات لا يمكن التعامل معه باعتباره وضعاً طبيعياً، مطالباً الشركة العامة للكهرباء بالخروج أمام الشعب الليبي في مؤتمر صحفي مباشر، وتقديم تفسير واضح وشفاف للأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا التدهور.
ويضع هذا الطرح الشركة أمام مسؤولية التواصل مع المواطنين، ليس فقط عبر بيانات مقتضبة، وإنما من خلال عرض فني واضح يشرح حقيقة وضع الشبكة، ومواقع الأعطال، وحجم الإنتاج والطلب، والخطط العاجلة والمتوسطة لمعالجة الاختلالات.
الطياري طرح كذلك الاستفادة من التجارب الخليجية في إدارة الكهرباء والطاقة، مشيراً إلى أن دول الخليج تواجه درجات حرارة مرتفعة واستهلاكاً كبيراً للطاقة بسبب الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف، ومع ذلك تمكنت من تطوير منظومات كهربائية قادرة على التعامل مع الطلب المرتفع.
واقترح تشكيل لجنة من الشركة العامة للكهرباء لزيارة دول الخليج والاستفادة من خبراتها في تشغيل المحطات وإدارة الشبكات واختيار قطع الغيار والوحدات القادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة والضغط الكبير على منظومة الطاقة.
ويعكس هذا الاقتراح اتجاهاً يرى أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تكون محلية بالكامل إذا كانت هناك تجارب خارجية ناجحة يمكن الاستفادة منها، وأن الاستعانة بالخبرات الفنية المتخصصة لا تنتقص من قدرات المؤسسات الليبية، بل يمكن أن توفر لها أدوات وتجارب عملية تساعدها على تحسين الأداء.
أزمة الكهرباء تتفاقم والمرعاش يواجه اختباراً صعباً أمام الليبيينالدبلوماسي الأسبق محمد خليفة العكروت تعامل مع وصول المرعاش إلى رئاسة الشركة من زاوية مختلفة، إذ رأى أن الرجل لا يملك «مصباح علاء الدين»، وأن حجم المهمة صعب والتركة ثقيلة، داعياً إلى منحه فرصة واقعية للتعامل مع الملفات المتراكمة.
لكنه توقف عند إعلان استمرار طرح الأحمال لمدة ست ساعات يومياً، وربط ذلك بإمكانية استمرار الوضع حتى نهاية نوفمبر، معتبراً أن تحديد هذه المدة قد يكون محاولة لمنح الإدارة الجديدة مساحة زمنية للعمل وتخفيف الضغوط الشعبية عليها.
وفي الوقت نفسه، وجّه العكروت رسالة مباشرة إلى المرعاش، مطالباً إياه بعدم دفع المواطنين إلى خيبة أمل منذ البداية، ومشيراً إلى أن نمط تشغيل التيار لفترات قصيرة ثم قطعه بصورة متكررة يسبب أضراراً إضافية للأجهزة المنزلية، فضلاً عن حالة الإرباك التي يعيشها المواطنون.
وبحسب العكروت، فإن المواطن قد يفضل طرح الأحمال لمدة ست ساعات متواصلة على نمط الانقطاع المتكرر الذي يجعل تشغيل الأجهزة المنزلية وإيقافها عملية مرهقة ومتواصلة.
العكروت وسّع قراءته للأزمة إلى ما هو أبعد من الكهرباء، منتقداً ما يراه انتشاراً لوصول مسؤولين إلى المناصب العليا والمتوسطة دون مسار طويل من الخبرة أو التدرج الوظيفي أو المعرفة المتخصصة.
وقال إن الملاحظة، من وجهة نظره، تكشف أن أغلب المسؤولين، مع التأكيد على أن حديثه لا يشمل الجميع، لا يصلون إلى مواقعهم بالضرورة نتيجة تراكم الخبرات أو الدراسات أو التدرج الوظيفي، وإنما يتعلمون داخل المنصب نفسه، الأمر الذي قد ينعكس على مستوى إدارة المؤسسات.
وهنا تلتقي هذه الرؤية مع مطالب أخرى ظهرت في النقاش حول الكهرباء، إذ لا يطالب المواطن فقط بتغيير اسم المسؤول، وإنما يريد أن يعرف على أي أساس اختير، وما المؤهلات التي يحملها، وما الخطة التي سيعمل وفقها، وكيف سيحاسب إذا لم تتحسن النتائج.
بلاك أوت جديد يهز ليبيا… أزمة الكهرباء تتحول إلى اختبار سياسي واقتصادي يضاعف معاناة المواطنينأزمة الكهرباء في ليبيا تبدو، وفق مجمل الآراء المطروحة، أكبر من مجرد خلل فني أو إداري محدود. إنها اختبار لطريقة إدارة المؤسسات العامة، ولقدرة السلطة التنفيذية على حماية المال العام، وضمان الخدمات الأساسية، وتحويل الإنفاق إلى نتائج ملموسة.
فالمواطن الذي يعاني انقطاع الكهرباء لا يعنيه كثيراً عدد المرات التي تغيرت فيها مجالس إدارة الشركة، بقدر ما يعنيه أن يجد الكهرباء مستقرة في منزله، وأن تعمل المياه والاتصالات والخدمات، وأن يتمكن أصحاب الأعمال من مواصلة نشاطهم دون خسائر إضافية.
كما أن استمرار الأزمة يفرض كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة، لأن الكهرباء تمثل قاعدة لعدد كبير من الأنشطة والخدمات، بينما تؤدي الانقطاعات الطويلة والمتكررة إلى تعطيل الأعمال وإتلاف المعدات وزيادة الأعباء على الأسر.
ومن ثم، فإن الإدارة الجديدة أمام اختبار لا يمكن حسمه بالتصريحات، وإنما بالأداء. فالمرعاش سيُقاس بما تستطيع مؤسسته تحقيقه على أرض الواقع، فيما ستظل المسؤولية السياسية والإدارية عن قطاع الكهرباء مرتبطة أيضاً بمنظومة القرارات التي سبقت وصوله إلى المنصب.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال الأزمة في شخص واحد، كما أشار التكبالي، إذا كانت الاختلالات متراكمة وتتطلب معالجة شاملة. كما لا يمكن تجاوز ملف الشفافية والمساءلة الذي طرحه بن شرادة، ولا تجاهل الحاجة إلى الخبرة الفنية والاستفادة من التجارب الناجحة التي دعا إليها الطياري.
أما المواطن، وهو الطرف الذي يتحمل الكلفة الأكبر، فلا ينتظر خطاباً جديداً ولا وعداً إضافياً. إنه ينتظر نتيجة ملموسة: كهرباء مستقرة، إدارة كفؤة، إنفاقاً شفافاً، ومؤسسات تخضع للمحاسبة.
وبالنسبة إلى حكومة الدبيبة، فإن تكرار التغييرات في إدارة ملف الكهرباء من دون معالجة جذرية للأزمة يفتح الباب أمام أسئلة سياسية وإدارية حول أسباب استمرار المشكلة، ومن يتحمل مسؤولية تراكمها، ولماذا لم تتحول الأموال التي أنفقت على القطاع إلى تحسن مستدام في الخدمة.
وفي نهاية المطاف، ستحدد الوقائع وحدها ما إذا كان المرعاش قادراً على تجاوز الاختبار، وما إذا كان تغيير الإدارة يمثل بداية لمعالجة فعلية أم حلقة جديدة في سلسلة تغييرات لم تنجح حتى الآن في إنهاء معاناة الليبيين مع الكهرباء.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤