حذر المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي من خطورة الوضع الذي تمر به ليبيا، معتبراً أن البلاد وصلت إلى مرحلة شديدة التعقيد نتيجة تراكم الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ومحملاً جانباً من المسؤولية للمجتمع الليبي نفسه، بسبب ما وصفه بالطمع والحقد والحسد وسلبية قطاعات من المواطنين.
وقال الحجازي، في منشور عبر صفحته على موقع فيسبوك، إن ليبيا أصبحت «في الإنعاش»، معتبراً أن ما شهدته البلاد من تحولات وصراعات منذ سبتمبر وفبراير وما ارتبط بهما من أحداث وتداعيات، ساهم في إيصالها إلى وضع بالغ الخطورة، مؤكداً أن إنقاذها لا يزال ممكناً إذا توافرت الإرادة الشعبية اللازمة لذلك.
وتأتي هذه القراءة في وقت تتداخل فيه أزمات الخدمات الأساسية مع الاضطراب السياسي والأمني، بينما يواجه المواطن الليبي ضغوطاً متزايدة تتصل بالمياه والكهرباء والأسعار والسلع والخدمات العامة.
ونقل الحجازي تساؤلاً من مواطن ليبي بشأن جدوى التضحيات التي قُدمت خلال السنوات الماضية، في ظل استمرار أزمات الحياة اليومية، قائلاً إن المواطن يدفع ثمناً مرتفعاً مقابل المياه، ويعاني انقطاعات الكهرباء، إلى جانب مشكلات تتعلق بجودة الخضروات والسلع.
كما طرح الحجازي تساؤلاً أكثر حدة بشأن قدرة المجتمع الليبي على القبول بالتخلي عن نحو مئة ألف شخص وصفهم بأنهم ينتمون إلى التشكيلات المسلحة أو يمارسون السرقة والإجرام والقتل وإثارة الفتن، مقابل تحقيق قدر أكبر من الأمن والاستقرار لنحو ستة ملايين ليبي.
وفي ملف النازحين والمهجرين، انتقد الحجازي ما اعتبره تقصيراً حكومياً تجاه حقوق أبنائهم، خصوصاً في مجالي التعليم والعلاج، مشدداً على أن المطالب لا تتعلق بالحصول على أموال، وإنما بضمان الحقوق الأساسية للأطفال والأسر المتضررة من النزوح والتهجير.
وفي الجانب الأمني، أعاد الحجازي التأكيد على تحذيرات سابقة أطلقها بشأن احتمال عودة تنظيمات متطرفة ونشاط مجموعات مسلحة في ظل استمرار الانفلات الأمني، مشيراً إلى أن استمرار دعم بعض أطراف النزاع لمجموعات مسلحة يمكن أن يوفر بيئة مواتية لتجدد التهديدات.
وربط الحجازي بين هذا الوضع وما وصفه ببدء مسلسل الاغتيالات في بنغازي، محذراً من احتمال انتقال تداعياته إلى طرابلس ومدن ليبية أخرى. وتأتي هذه التحذيرات في سياق أمني أكثر اتساعاً تشهده البلاد، حيث لا تزال هشاشة المؤسسات الأمنية وتعدد مراكز القوة المسلحة من أبرز التحديات التي تواجه استقرار الدولة.
وتتزامن المخاوف الأمنية مع هجمات بطائرات مسيرة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، واستهدفت مناطق ومنشآت في مدينة الزاوية غرب ليبيا، وسط مخاوف من انعكاساتها على قطاع الطاقة وعلى نشاط الشركات الأجنبية.
وأدت انفجارات مرتبطة بالأحداث إلى انقطاع واسع في التيار الكهربائي وإلحاق أضرار بمصفاة الزاوية النفطية، في تطور يكتسب أهمية خاصة نظراً إلى ارتباط المنشآت النفطية والكهربائية مباشرة بالاقتصاد الليبي وبإمدادات الطاقة للسكان.
وحذر الحجازي من أن استهداف الكهرباء والنفط والبنية التحتية الحيوية لا يمثل مشكلة أمنية محلية فحسب، بل يرسل، بحسب تقديره، إشارة سلبية إلى المستثمرين والشركات الأجنبية بشأن قدرة ليبيا على توفير بيئة آمنة ومستقرة للمشروعات والعاملين.
وأوضح الحجازي أن الشركات الدولية لا تنظر إلى حجم الاحتياطيات النفطية الليبية أو الموقع الجغرافي للبلاد بمعزل عن المخاطر، وإنما توازن بين الأرباح المتوقعة ومستوى المخاطر التي قد تواجهها استثماراتها وموظفيها ومشروعاتها.
وضرب مثالاً بتوقيع عقد استثماري بمليارات الدولارات ثم تعرض المشروع للتوقف بسبب اشتباكات مسلحة، متسائلاً عن قدرة الشركات على الاستمرار في العمل إذا أصبحت سلامة موظفيها مهددة، وعن الجهة التي ستتحمل الخسائر في حال تعطلت محطة كهرباء أو منشأة نفطية نتيجة عمل عسكري أو أمني.
وأشار إلى أن استمرار هذه الحوادث قد يترتب عليه ارتفاع تكاليف التأمين والتشغيل، وتأجيل مشروعات استثمارية جديدة، وتقليص أعداد الفرق الفنية الأجنبية، فضلاً عن دفع الشركات إلى إعادة تقييم خططها للتوسع في السوق الليبية.
وأكد الحجازي أنه لا يتوقع بالضرورة خروجاً جماعياً فورياً للشركات الأجنبية من ليبيا، لكنه اعتبر أن الخطر الأكثر تأثيراً يتمثل في إحجام شركات جديدة عن دخول السوق الليبية من الأساس.
ويرى أن هذه النتيجة ستكون خسارة استراتيجية، خصوصاً أن ليبيا تحتاج إلى استثمارات كبيرة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والموانئ والطرق والاتصالات والمياه، إلى جانب حاجتها إلى التكنولوجيا والخبرات الأجنبية لرفع كفاءة قطاعاتها الاقتصادية وتحسين مستوى الخدمات.
وتكشف تصريحات الحجازي، في مجملها، عن ترابط مباشر بين الوضع الأمني والسياسي وبين الاقتصاد والخدمات والهجرة والتهجير والاستثمار، إذ إن استمرار الانقسام وغياب الاستقرار المؤسسي لا ينعكس على المشهد السياسي وحده، وإنما يمتد إلى حياة المواطنين اليومية وإلى قدرة الدولة على جذب رؤوس الأموال وحماية منشآتها الحيوية.
وفي ظل استمرار الانقسامات السياسية وانتشار التشكيلات المسلحة، تبدو معالجة الملف الأمني وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وتوفير الخدمات الأساسية عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن أي مسار جاد لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فيما تبقى أوضاع المهجرين وحقوق أبنائهم في التعليم والعلاج واحدة من الملفات الإنسانية التي يطالب الحجازي بإعطائها أولوية.
ويبقى السؤال هنا:
هل أصبح إنهاء نفوذ المليشيات شرطاً لإنقاذ ليبيا واستعادة استقرارها؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة