آخر الأخبار

«عين ليبيا» تكشف الحقيقة.. كيف تحولت أكبر مصفاة في ليبيا إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي؟

شارك

تتصاعد المخاوف بشأن التطورات الأمنية الأخيرة حول مصفاة الزاوية، في ظل تعرض منشآت نفطية في المدينة خلال الأيام الأخيرة لاستهدافات متتالية، بينها استهداف مباشر لخزان وقود أدى إلى اندلاع حريق كبير، بالتزامن مع إعلان المؤسسة الوطنية للنفط حالة الطوارئ القصوى، وسط تحذيرات من تداعيات أي تعطيل متكرر للمصفاة على إمدادات الوقود والاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة الغربية.

وقال خبير العلاقات الدولية، الدكتور إلياس الباروني، في تصريح لـ«عين ليبيا»، إن التطورات الأخيرة حول مصفاة الزاوية تعتبر قضية أمن قومي، موضحاً أن المصفاة تقع في قلب منظومة الطاقة في المنطقة الغربية، وأن أي تعطيل متكرر لها يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة وقود، ثم إلى أزمة خدمات، ثم إلى أزمة سياسية.

وأوضح الباروني أن المعطيات الحالية تشير إلى تعرض منشآت نفطية في الزاوية خلال الأيام الأخيرة لاستهدافات متتالية، بينها استهداف مباشر لخزان وقود أدى إلى حريق كبير، بينما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة الطوارئ القصوى.

صراع النفوذ والسيطرة

وحول تفسير عودة التوتر حول مصفاة الزاوية في هذا التوقيت، قال الباروني إن هناك ثلاثة مستويات متداخلة ينبغي عدم فصلها عن بعضها، يبدأ أولها بالمستوى المحلي وصراع النفوذ والسيطرة.

وأوضح أن الزاوية ليست مجرد مدينة نفطية، بل هي عقدة أمنية واقتصادية مهمة على الساحل الغربي، وبالتالي فإن السيطرة على محيط المصفاة والمرافق المرتبطة بها تمنح أي قوة محلية قدرة على التأثير في حركة الوقود، والطرق الساحلية، والموانئ والمنشآت النفطية، وخطوط الإمداد، والحركة التجارية، والعلاقة مع مؤسسات الدولة في طرابلس.

وأشار إلى أن التنافس حول المنشآت الحيوية يمكن أن يكون جزءاً من صراع أوسع على النفوذ المحلي، لافتاً إلى أن تجربة مايو 2026 أظهرت بالفعل أن الاشتباكات المسلحة قرب المصفاة يمكن أن تؤدي إلى وقف عملياتها وإجلاء العاملين وإخلاء الناقلات، قبل أن تعود العمليات بعد استقرار الوضع الأمني.

وقال: «إذن ما يحدث الآن ليس سابقة معزولة».

استهداف المنشأة يحمل رسالة أخطر

وحول أسباب استهداف منشأة بهذه الحساسية، أوضح الباروني أن الرسالة هنا هي الأخطر، لأن استهداف منشأة نفطية يختلف تماماً عن استهداف موقع أمني أو عسكري، باعتبار أن المنشأة النفطية مرتبطة مباشرة بالمواطن والاقتصاد والدولة.

وأضاف أن من يستهدف المنشأة، أياً كان، يعرف أن التأثير المحتمل لا يتوقف عند حدود المنشأة، وقد تكون الرسالة هي: «أستطيع أن أؤثر في الدولة من خلال ضرب شريان اقتصادي حساس».

وأشار إلى أن ذلك يحول المنشأة النفطية إلى أداة ضغط سياسية وأمنية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية عدم القفز إلى استنتاج بشأن هوية الجهة المسؤولة قبل اكتمال التحقيقات، قائلاً إنه لا ينبغي حتى الآن تحويل الاستهداف إلى اتهام سياسي جاهز لطرف بعينه.

التوتر يبدأ محلياً لكنه لا ينتهي في الزاوية

وبشأن ما إذا كان ما يجري محلياً أم يتجاوز مدينة الزاوية، قال الباروني إن الصراع على النفوذ داخل الزاوية قد يكون أحد محركات التوتر، لكنه لا ينتهي محلياً، نظراً إلى أهمية المصفاة وتداعيات أي اضطراب فيها.

وأوضح أن المصفاة تبلغ طاقتها نحو 120 ألف برميل يومياً، وهي أكبر مصفاة عاملة في ليبيا، وترتبط بمنظومة الإمداد النفطي والوقود في المنطقة الغربية.

وأضاف أن أي اضطراب طويل فيها يمكن أن ينتقل من «الزاوية – الساحل الغربي – طرابلس – سوق الوقود – الشارع – المشهد السياسي»، لتتحول القضية من أمن محلي إلى أمن اقتصادي وطني.

تداعيات سريعة على المواطن إذا استمر التعطيل

وحول مدى تأثر المواطن بالتطورات الحالية، أكد الباروني أن المواطن سيتأثر سريعاً إذا استمر التعطيل أو تكررت الاستهدافات، لكنه شدد على ضرورة التفريق بين حادث محدود وبين توقف ممتد.

وأوضح أن المؤسسة الوطنية للنفط لديها شبكة أوسع من الموانئ والمستودعات، وقد أكدت في مناسبات سابقة أن الإمدادات يمكن أن تستمر عبر موانئ مثل طرابلس ومصراتة وبنغازي، مع وجود مخزونات وتدفقات من ناقلات الوقود.

وأشار إلى أن استهداف المصفاة لا يعني تلقائياً حدوث نقص فوري، لكن الخطر الحقيقي يظهر إذا حدث تعطيل متكرر، وصعوبة في إعادة التشغيل، واضطراب في النقل، وزيادة الطلب على البدائل.

وقال إن ذلك يمكن أن يؤدي سريعاً إلى ظهور طوابير أمام محطات الوقود، وتأخير في التوزيع، وارتفاع تكاليف النقل، وضغط على المخزون، وانتشار الشائعات، وتوتر اجتماعي، مؤكداً أن المواطن الليبي يتفاعل مع أزمة الوقود بسرعة شديدة لأنها تمس حياته اليومية مباشرة.

المنشآت النفطية قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسي

وأكد الباروني أن المنشآت النفطية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي، معتبراً أن هذه هي أخطر نتيجة محتملة إذا استمر المسار.

وأوضح أنه عندما تصبح المنشأة النفطية معرضة للاستهداف، فإن قيمتها تتحول من قيمة اقتصادية إلى قيمة اقتصادية وسياسية وأمنية وتفاوضية.

وأضاف أن «من يملك القدرة على تعطيل الطاقة، يملك جزءاً من القدرة على الضغط على القرار السياسي»، معتبراً أن هذا خطر كبير على الدولة الليبية.

وشدد على أن النفط يجب أن يبقى مصدراً لتمويل الدولة، وليس وسيلة لفرض إرادة جماعة أو منطقة أو طرف سياسي.

وأشار إلى أن تحذير المجلس الأعلى للدولة من تحويل المنشآت النفطية إلى رهينة للصراعات يعكس إدراكاً سياسياً لهذا الخطر.

لماذا الزاوية شديدة الحساسية؟

وأوضح الباروني أن الزاوية تجمع عدة عناصر في نقطة جغرافية واحدة، تتمثل في النفط والمصفاة والميناء والطرق الساحلية وقرب طرابلس والحدود الغربية والتداخل بين الأمن والاقتصاد.

وقال إن أي اضطراب في الزاوية يمكن أن تكون له تداعيات على طرابلس، والساحل الغربي، وحركة الوقود، والتجارة، وأمن الطريق الساحلي، والاستقرار الاجتماعي.

كما أشار إلى أن المصفاة مرتبطة بحقول إنتاجية مهمة، موضحاً أن بيانات سابقة تشير إلى ارتباطها بحقل الشرارة، أحد أهم مصادر النفط في البلاد.

الخطر في تحول الاستهداف إلى نمط متكرر

وحول مدى خطورة استمرار استهداف المنشآت، قال الباروني إن الخطورة لا تكمن في الحادث الحالي فقط، وإنما في تحول الاستهداف إلى نمط متكرر.

وأوضح أنه يجب التفريق بين حادث واحد يمكن احتواؤه أمنياً والتحقيق فيه، وبين سلسلة استهدافات، إذ تصبح الرسالة في الحالة الثانية مختلفة، ومفادها أن هناك جهة أو جهات أصبحت قادرة على الوصول إلى منشآت استراتيجية بصورة متكررة.

وأشار إلى أن ذلك يعني وجود مشكلة أكبر في منظومة حماية المنشآت، لافتاً إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط نفسها حذرت من تزايد مخاطر الاستهدافات على سلامة العاملين والمنشآت والمناطق المحيطة.

إمكانية انتقال التصعيد إلى منشآت ومدن أخرى

وقال الباروني إن انتقال التصعيد إلى مدن أخرى ممكن، لكنه ليس بالضرورة أن يحدث، موضحاً أن السيناريو المقلق يتمثل في تحول الزاوية إلى نقطة اختبار للقوة.

وأضاف أنه إذا اكتشفت الأطراف المسلحة أن الضغط على منشأة استراتيجية يحقق نتائج سياسية أو تفاوضية، فقد تصبح منشآت أخرى عرضة للضغط.

وأشار إلى ما وصفه بمفهوم «تكرار نموذج الابتزاز الاستراتيجي»، أي أن تعطيل منشأة حيوية يصبح وسيلة لتحقيق مكاسب خارج المجال الاقتصادي نفسه، مؤكداً أن هذا ما يجب منعه مبكراً.

حماية المنشآت مسؤولية وطنية مؤسسية

وحول الجهة القادرة فعلياً على حماية المنشآت النفطية، قال الباروني إن المشكلة الأساسية للدولة الليبية لا تكمن فقط في نقص القوات، وإنما في تعدد مراكز القوة.

وأوضح أن هناك مؤسسات رسمية وأجهزة أمنية وقوى محلية وتشكيلات مسلحة ذات نفوذ متفاوت، وبالتالي فإن حماية المنشآت لا ينبغي أن تعتمد على قوة محلية واحدة.

وأكد أن الحل الحقيقي هو تحويل حماية المنشآت النفطية إلى مهمة وطنية مؤسسية، من خلال منظومة موحدة تشمل المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة الداخلية، والجهات الأمنية المختصة، والسلطات المحلية، وأجهزة الحماية المدنية، ومنظومة قضائية للتحقيق والمساءلة.

وشدد على أن الهدف هو أن تصبح المنشأة خارج المنافسة السياسية والعسكرية.

السيناريو الأسوأ: حرب استنزاف منخفضة الشدة

وحول السيناريو الأسوأ في حال استمرار التوتر، قال الباروني إن السيناريو الأسوأ ليس بالضرورة اندلاع حرب واسعة، بل «حرب استنزاف منخفضة الشدة حول المنشآت الحيوية».

وأوضح أن هذا السيناريو قد يأخذ شكل: استهداف، ثم تعطيل جزئي، ثم توتر، ثم وساطات، ثم إعادة تشغيل، ثم استهداف جديد.

وأضاف أن هذا النوع من الصراع قد يكون أخطر من المواجهة القصيرة، لأنه يستنزف الدولة، ويخيف المستثمرين، ويضعف المؤسسات، ويرفع كلفة الطاقة، ويخلق أزمة ثقة، ويجعل المنشآت النفطية رهينة للميزان الأمني المحلي.

تعدد الحوادث مؤشر على تصعيد مقلق

وأشار الباروني إلى أن المؤشر الأكثر إثارة للقلق هو تعدد الحوادث خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح أن تقارير تحدثت عن استهدافات متتالية لمنشآت الطاقة في الزاوية، بينما أشارت المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن الهجمات ترفع المخاطر على المنشآت والعاملين والمناطق المحيطة.

وأكد أن ذلك يستدعي التعامل مع التطورات باعتبارها أزمة أمن منشآت، وليس مجرد حادث أمني منفرد.

سبع خطوات عاجلة لاحتواء الأزمة

وحول الخطوات التي يجب اتخاذها فوراً، طرح الباروني سبع خطوات عاجلة، تبدأ بتحييد المنشآت النفطية، من خلال إعلان واضح بأن المرافق النفطية منشآت سيادية لا يجوز أن تكون طرفاً في أي صراع سياسي أو أمني.

ودعا إلى فتح تحقيق مستقل، ليس فقط لمعرفة من نفذ الاستهداف، بل لمعرفة كيف تمكنت الجهة المنفذة من الوصول إلى المنشأة، معتبراً أن هذا السؤال أهم من سؤال المنفذ نفسه.

كما دعا إلى إنشاء غرفة تنسيق أمنية موحدة تضم الجهات الرسمية المعنية، بحيث لا تكون هناك ازدواجية في القرارات أثناء الطوارئ.

وشدد على ضرورة حماية سلسلة الإمداد، وليس المصفاة فقط، بحيث تشمل الحماية المصفاة والميناء ومستودعات الوقود والطرق ومحطات التوزيع، لأن حماية نقطة واحدة لا تكفي.

ودعا كذلك إلى ضمان بدائل الوقود، بحيث تكون المؤسسة الوطنية للنفط مستعدة لتحويل جزء من الإمدادات عبر الموانئ والمستودعات الأخرى عند الضرورة، خصوصاً أن منظومة التوزيع الليبية لا تعتمد على الزاوية وحدها.

وطالب بمنع الشائعات، موضحاً أن الشائعة أثناء أزمات الوقود قد تكون أخطر من الحدث نفسه، داعياً إلى إصدار بيانات رسمية منتظمة حول المخزون والتوزيع وحالة المصفاة ووضع الموانئ وتوفر الوقود.

أما الخطوة الأخيرة، فتتمثل في معالجة أصل المشكلة، معتبراً أنه لا يمكن حماية المصفاة بصورة دائمة إذا بقي الصراع على النفوذ في محيطها دون حل، لأن الأمن ليس مجرد حراسة بوابة، وإنما يبدأ من إزالة دوافع الصراع على المكان والموارد والنفوذ.

«مصفاة الزاوية جزء من الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي»

وقال الباروني إن «مصفاة الزاوية ليست مجرد منشأة نفطية؛ إنها جزء من الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لليبيا»، محذراً من أنه إذا أصبحت المنشآت النفطية ساحة لتصفية الحسابات، فإن البلاد لن تكون أمام مشكلة في الزاوية فقط، وإنما أمام تهديد مباشر لقدرة الدولة على حماية مواردها وتأمين احتياجات مواطنيها.

وأضاف: «الخطر الحقيقي ليس أن يتوقف خزان أو تتضرر منشأة ليوم أو يومين؛ الخطر أن يتحول استهداف المنشآت الحيوية إلى قاعدة في إدارة الصراع الليبي: من يريد الضغط على الدولة يضغط على النفط، ومن يريد فرض شروطه يهدد الوقود، وعندها يصبح الاقتصاد رهينة للسلاح، وتصبح حياة المواطن جزءاً من معادلة الصراع».

وأشار إلى أن السؤال الأكبر الذي يجب أن تطرحه الدولة الآن ليس فقط: «من استهدف مصفاة الزاوية؟»، بل: «كيف وصل الاستهداف إلى منشأة بهذه الأهمية؟ ومن يضمن ألا يتكرر غداً في منشأة أخرى؟».

وأكد أن معرفة الفاعل مهمة، لكن بناء منظومة تمنع تكرار الفعل أهم.

واختتم الباروني بالقول إنه إذا نجحت السلطات في احتواء الحادث، وضمان استمرار إمدادات الوقود، وفتح تحقيق جاد، وتحويل حماية المنشآت النفطية إلى مسؤولية مؤسسية وطنية، فقد تبقى الأزمة في إطارها المحدود.

أما إذا استمرت الاستهدافات دون ردع أو معالجة لجذور الصراع المحلي، فقد تتحول الزاوية إلى نقطة ارتكاز لأزمة أمنية واقتصادية أوسع في الساحل الغربي.

عين ليبيا المصدر: عين ليبيا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا