استعرض مقال نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى احتمالات نجاح المبادرات الدولية المبذولة في ليبيا لحل الأزمة السياسية، مشيرا إلى مبادرتين متوازيتين للوساطة، هما خريطة الطريق التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في أغسطس 2025، والمبادرة التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية، مسعد بولس، في أبريل الماضي.
وفي ظل الزخم الدولي الذي تحظى به تلك المبادرات، حذرت الكاتبة، المتخصصة في الشأن الليبي، ومستشارة في مجال حل النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تهاني المغربي، من أنه إذا لم يرَ الليبيون تقدمًا في الانتخابات والمساءلة وبناء الدولة، بينما تستفيد النخب السياسية من هذه الجهود، فإن الدعم الشعبي للمبادرات الدولية سيتراجع، وقد تتحول الوساطة الدولية إلى عامل يسهم في استمرار الأزمة بدلا من حلها.
وأشارت إلى تساؤلات متزايدة يطرحها الليبيون بشأن موقع إصلاح الحوكمة في أجندة النخب السياسية خلال تفاعلها مع المبادرتين، وسط انطباع بأن الانخراط في جهود الوساطة الدولية يتحول إلى نشاط استعراضي أكثر منه مسارا لتحقيق تقدم ملموس.
مساران متوازيان
تهدف خريطة الطريق الأممية، التي تقودها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، إلى إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة في ليبيا عبر ثلاثة محاور متسلسلة خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرا.
- جريدة «الوسط»: بولس يكشف خطته عشية إحاطة تيتيه الجديدة
- تمتد حتى 2032.. مصادر تكشف لـ«بوابة الوسط» تفاصيل مشروع «خطة» بولس
- شاهد.. تغطية خاصة على قناة «الوسط»: ليبيا بين خريطة تيتيه ومبادرة بولس
وتتمثل المحاور في اعتماد إطار انتخابي قابل للتطبيق فنيا وسياسيا لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتوحيد المؤسسات المنقسمة من خلال تشكيل حكومة انتقالية موحدة ذات ولاية محددة زمنيا، إلى جانب إجراء حوار منظم وواسع يضم السياسيين والمجتمع المدني والنساء والشباب وغيرهم من الأطراف لمناقشة الحوكمة والأمن والإصلاح الاقتصادي والمصالحة الوطنية.
أما مبادرة بولس، التي أُعلن عنها لاحقا، فتسعى إلى التوصل إلى ترتيبات لتقاسم السلطة بين الأطراف الليبية المتنافسة، وجذب الاستثمارات الدولية، خصوصا من الشركات الأميركية. ووصف بولس المبادرة بأنها خريطة طريق قصيرة المدى، بتيسير أميركي، تهدف إلى استكمال مسار الأمم المتحدة وليس استبداله.
أزمة الشرعية
حظيت خريطة طريق الأمم المتحدة بدعم شخصيات سياسية ليبية رئيسية، من بينها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.
لكن المسار واجه منذ إعلانه مقاومة من السلطات السياسية المتنافسة والانقسام السياسي الأوسع، في ظل دعم خارجي لهذا الرفض. كما تعثرت المرحلتان الأوليان من خريطة الطريق، المتعلقتان بتوحيد المؤسسات ووضع الإطار الانتخابي، بسبب تضارب المصالح ومحدودية النفوذ السياسي للبعثة الأممية على الأرض. ودفع ذلك تيتيه إلى تجاوز المرحلتين والتحرك مباشرة إلى مرحلة «الحوار المنظم».
وشارك في الحوار أكثر من 120 ليبيًا، وخلص إلى نحو 600 توصية تتعلق بالحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية. لكن التوافق الكامل لم يتحقق، وأثارت التوصيات خلافات، خصوصا بشأن مقترح إنشاء سلطة تنفيذية موحدة جديدة تحل محل الهياكل التنفيذية الانتقالية المنقسمة لمدة تتراوح بين 18 و24 شهرا.
ورأى مشاركون أن إنشاء ترتيب انتقالي جديد قد يؤدي إلى إطالة المرحلة الانتقالية بدلا من إنهائها. كما وجه مشاركون انتقادات إلى تيتيه، معتبرين أن التوصيات لم تتضمن اتفاقا نهائيا أو إجماعا واضحا، ما أضعف وزنها وأبقاها في إطار تصور لمرحلة انتقالية جديدة.
في المقابل، حظيت مبادرة بولس بدعم عدد من الشخصيات السياسية، من بينها قائد «القيادة العامة»، خليفة حفتر، الذي وصفها بأنها تطور «فريد». لكن المبادرة لا تتمتع بالتفويض الدولي الذي تحظى به خريطة طريق الأمم المتحدة، كما أنها لا تحمل تأييدا رسميا من مجلس الأمن.
وتعارضها أيضا أطراف ليبية، إذ يرى عقيلة صالح أنها تتجاوز المؤسسات التشريعية، بينما ينقسم أعضاء المجلس الأعلى للدولة بشأنها. ويعتبر اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ضروريا، نظرا إلى امتلاكهما الصلاحية القانونية لإقرار قوانين الانتخابات وتشكيل حكومة موحدة.
زيارات دولية بلا نتائج ملموسة
يثير انخراط النخب الليبية في المسارين جدلا متزايدا، خصوصا مع ارتفاع مستوى الظهور الدولي دون نتائج ملموسة بشأن قضايا الحوكمة.
فمنذ بداية 2026، أجرى نائب قائد «القيادة العامة»، الفريق أول ركن صدام حفتر، زيارات رسمية إلى الأردن وألمانيا وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة، فيما زار رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، تركيا وإيطاليا وقطر والإمارات.
ويرى المقال أن هذه الزيارات لم تنتج تنازلات أو نتائج ملموسة بشأن قضايا الحوكمة الرئيسية، لكنها أنتجت صورا ومقاطع فيديو تستخدمها القنوات الإعلامية التابعة للمشاركين للاحتفاء بالزيارات باعتبارها نجاحا سياسيا.
ومع اعتماد الخطاب السياسي الليبي بصورة متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي، تتنافس الأطراف في بنغازي وطرابلس على إظهار حجم علاقاتها الدولية، بما يسمح للنخب بإظهار القوة وطمأنة أنصارها وإضعاف خصومها وتقديم مظهر من الشرعية أمام الأطراف الدولية.
ويشير المقال إلى زيارة صدام حفتر إلى واشنطن في 29 يونيو باعتبارها مثالا واضحا على ذلك. فقد عقد حفتر لقاءات مع مسؤولين أميركيين كبار، من بينها لقاء معلن مع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بدعوة من بولس، وهو ما دفع كثيرين في ليبيا إلى الاعتقاد بأن صدام حفتر قد يكون رئيس الحكومة المقبل، خصوصا في ظل عدم حصول الدبيبة على زيارة مماثلة.
وجاء لقاء الدبيبة مع رئيس الإمارات، محمد بن زايد، في أبوظبي لاحقا، وفسره كثيرون باعتباره محاولة للحصول على دعم خليجي في مواجهة زيارة حفتر.
النفط والصفقات التجارية
في المقابل، يثير تركيز مبادرة بولس على زيادة إنتاج النفط مخاوف إضافية، في ظل سيطرة النخب على موارد النفط والاقتصاد الليبي.
وقالت الكاتبة: «في شرق وجنوب ليبيا، يسيطر خليفة حفتر وأبناؤه والمقربون منه على النفوذ العسكري والسياسي، إلى جانب سيطرتهم على الأعمال الرئيسية وحقول النفط في المناطق الخاضعة لسيطرتهم».
وأضافت: «في غرب ليبيا، يدور القطاعان الأمني والسياسي والاقتصادي حول الدبيبة وأفراد عائلته ودائرة المقربين منه، مع نفوذ على مؤسسات رئيسية بينها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات»، وتابعت أن «مذكرات التفاهم التي خرجت من مبادرة بولس تحمل أبعادا سياسية».
ففي مطلع 2026، وقعت حكومة الدبيبة اتفاق تعاون استراتيجي مع شركة «بوينغ» لتحديث قطاع الطيران المدني، شمل دعم شراء طائرات حديثة، وتعزيز التعاون الفني والتكنولوجي، وتطوير البنية التحتية للطيران، ودعم خطط إنشاء ناقل وطني جديد.
كما وقعت ليبيا وشركة «شيفرون» اتفاقا في يناير، مثل عودة الشركة إلى قطاع الطاقة الليبي بعد أكثر من عقد، وتضمن مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم إمكانات النفط والغاز الصخري في ليبيا، المقدرة بنحو 123 تريليون قدم مكعبة من الغاز و18 مليار برميل من النفط. وفي فبراير، حصلت «شيفرون» على قطعة استكشاف في حوض سرت خلال أول جولة تراخيص دولية في ليبيا منذ 2007.
فيما يتعلق بالوضع على الأرض، أوضح المقال أن الليبيين باتوا ينظرون بصورة متزايدة إلى هذه التطورات، وإلى الحكومة الأميركية المرتبطة بها، باعتبارها تدعم نظاما سياسيا يمنح النفوذ عبر الاعتراف الدولي والصفقات التجارية والعلاقات الدولية، بدلا من تحقيق الحوكمة الناجحة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة