بعض سيدات بنغازي كن سعيدات وهن ينشرن مقاطع قصيرة عبر حساباتهن على منصة فيسبوك، يعلنّ فيها عن افتتاح مشروعاتهن الصغيرة لصناعة الحلويات.
فرحة البداية لم تكتمل طويلا، فقد كان لانقطاع الكهرباء المتكرر في مدينة بنغازي رأي آخر؛ إذ تحولت ساعات الانتظار والحماس إلى قلق دائم من تلف المواد الخام، التي تعد من أكثر عناصر الإنتاج تكلفة في مشروعها الناشئ.
هذا ما حدث مع عدد من نساء ليبيا منهن المهندسة الشيف نسرين البشاري، التي اختارت أن تحول شغفها بصناعة الكيك والحلويات إلى مشروع صغير، لكن أولى خطواتها العملية اصطدمت بواقع تعاني منه العديد من صاحبات المشاريع الصغيرة في ليبيا.
بعد أيام قليلة من افتتاح مشروعها، نشرت نسرين مقطع فيديو عبر حسابها على فيسبوك، عبرت فيه عن حزنها بسبب تلف كميات من الشوكولاتة واللوز «الخزايني»، إضافة إلى عدم اكتمال إعداد إحدى وصفاتها الخاصة، وهي الكيكة الألمانية بالتفاح واللوز، بسبب انقطاع الكهرباء أثناء عملية الخَبز.
ذلك الفيديو القصير لم يكن مجرد شكوى عابرة؛ بل كشف جانبا من معاناة نساء ليبيات اخترن طريق العمل والإنتاج، وحاولن بناء مشاريعهن الخاصة في ظل ظروف اقتصادية وخدمية صعبة، وكان ضعف البنية التحتية تحديا إضافيا يهدد استمرارية هذه المشاريع.
بين المحافظة على الجودة وارتفاع التكاليف
تقول نسرين البشاري إن تأثير انقطاع الكهرباء على مشروعها الصغير كان كبيرا، خاصة أن طبيعة عملها تعتمد على مواد تحتاج إلى درجات حرارة محددة للحفظ، موضحة أن تلف المواد الخام لا يمثل خسارة مالية فقط، بل يؤثر أيضاً على علاقتها بالزبائن.
- للاطلاع على العدد «559» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
تضيف: نحن نعمل بكميات، وفي بداية أي المشروع من أهم الأشياء التي نسعى إلى تحقيقها هو بناء ثقة الزبون، فعندما تفسد الكمية ولا أستطيع توفير المنتج في الوقت المحدد، فإن ذلك يؤثر على سمعة المحل، فالزبون لا يرى حجم الظروف التي نمر بها، بل هو يريد الحصول على طلبه في موعده.
وتوضح أن الخسائر لا تقتصر على المواد الخام فقط؛ بل تشمل أيضاً تكلفة إعداد المنتج الذي قد يفسد بالكامل بسبب انقطاع الكهرباء أثناء مراحل التحضير.
تكمل: أحياناً تكون لدينا عجينة كاملة لكيكة التفاح تحتوي على البيض والسكر والحليب والزيت والتفاح واللوز، ثم تنقطع الكهرباء فلا تكتمل عملية الخَبز، فتتحول كل هذه المكونات إلى خسارة.
وعلى الرغم من اعتمادها على مولد كهربائي كحل بديل، إلا أنها ترى أنه لا يمثل حلا حقيقيا، فهو لا يستطيع تشغيل جميع المعدات المطلوبة، كما أن تشغيله يضيف تكلفة جديدة مرتبطة بالوقود والصيانة، وتوضح: المولد قد يشغل جهازاً أو اثنين، لكنه لا يستطيع تشغيل كل المعدات، خاصة في ظل الحاجة إلى درجات حرارة معينة، كما أن تكلفة الوقود أصبحت عبئاً إضافياً على أصحاب المشاريع.
وتؤكد نسرين أنها تحاول الحفاظ على جودة منتجاتها وأسعارها على الرغم من ارتفاع التكاليف، مشيرة إلى أن مشروعها يعتمد على العمل العائلي والنسائي، حيث استعانت بعدد من السيدات الليبيات بعد توسع العمل، وتقول: نحن نحاول تقديم منتج مميز بسعر مناسب، ونستخدم أفضل المواد حتى نحافظ على ثقة الزبائن. كما أن وجود سيدات يعملن معي كان هدفه أيضاً توفير فرص عمل لنساء ليبيات.
وتضيف: إن استمرار الأزمة يضع أصحاب المشاريع الصغيرة أمام خيارات صعبة، فإما رفع الأسعار لتحمل الخسائر، أو الاستمرار بهامش ربح محدود قد يهدد بقاء المشروع.
انقطاع الكهرباء أصبح أكبر العقبات
نسرين لم تكن وحدها في مواجهة هذه الظروف، فصاحبة مشروع «سارة للحلويات»، الشيف سارة الزوي، تعد من النساء اللواتي واصلن العمل على الرغم من صعوبة الظروف.
تقول سارة إن انقطاع الكهرباء أصبح أكبر العقبات التي تواجه مشروعها، خاصة أن فصل الصيف يمثل موسما مهما لصناعة الحلويات التي تعتمد على مواد حساسة مثل الكريمات والشوكولاتة.
- للاطلاع على العدد «559» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وتوضح: اضطررنا إلى إعادة تنظيم طريقة العمل وتقليل بعض الطلبات، خاصة المنتجات التي تعتمد على الكريمات، لأن الخوف من التلف أصبح موجوداً بشكل دائم.
وتشير إلى أن الأزمة أثرت على حالتها النفسية وعلى العاملات معها، قائلة: عندما تنقطع الكهرباء أشعر أن الضغط يزيد، وتتراجع الطاقة للعمل، وأحيانا تصل الأمور إلى التفكير في التوقف أو إغلاق المشروع، كما تؤكد أن التلفيات تمثل خسائر مالية كبيرة، خصوصا أن تخزين المواد الخام أصبح أكثر صعوبة في ظل عدم استقرار الكهرباء.
تكلفة خفية تهدد المشاريع الصغيرة
من جانبها، ترى الباحثة في الشؤون التنموية الدكتورة رنا بن فضل أن تأثير أزمة الكهرباء على المشاريع الصغرى يتجاوز الخسائر المباشرة، ليصل إلى ما يعرف بالتكاليف الخفية.
وتوضح أن الانقطاع المستمر للكهرباء يؤدي إلى ارتفاع التكلفة التشغيلية بسبب الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة، إضافة إلى انخفاض الإنتاجية، وهدر ساعات العمل، وتعرض المواد الخام للتلف.
وتشير إلى أن المشاريع التصنيعية والحرفية، وخاصة المرتبطة بالمواد الغذائية، تعد الأكثر تأثرا، لأن توقف المعدات بشكل مفاجئ قد يؤدي إلى تلف المنتجات أو انخفاض جودتها، فضلا عن زيادة تكاليف الصيانة.
- للاطلاع على العدد «559» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
تضيف «أزمة الكهرباء تؤثر أيضاً على القدرة التنافسية للمشاريع الصغيرة مقارنة بالشركات الكبرى، لأن الأخيرة تمتلك إمكانيات أكبر لتحمل تكاليف الأزمات».
وترى بن فضل أن الحلول لا يجب أن تقتصر على توفير بدائل موقتة، بل تحتاج إلى دعم فني واستشاري لأصحاب المشاريع، وتشجيع حلول الطاقة اللامركزية التي تساعد على استمرار النشاط الاقتصادي.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة