Contents
في مشهد يعكس تناقضات الاقتصاد الليبي الحادة، اختتم قطاع النفط الوطني عام 2025 مسجلاً أرقاماً هي الأكثر إشراقاً خلال عقد كامل من التقلبات، بينما ظلت مؤشرات التشغيل المحلية تشكل ضغطاً معاكساً يذكر صانعي القرار بأن الاستقرار المالي لا يكتمل دون تنمية بشرية مستدامة. تكشف البيانات الرسمية المجمعة عن لوحة رقمية متكاملة ترسم ملامح عام حافل بالعوائد القياسية والاستقرار النقدي من جهة، وتحديات هيكلية مزمنة في سوق العمل من جهة أخرى.
تمكنت الحقول والموانئ الليبية من إنهاء العام بمتوسط إنتاج يومي من النفط الخام بلغ مليوناً وثلاثمائة وسبعين ألف برميل، وهو المعدل السنوي الأعلى الذي تسجله البلاد منذ عشر سنوات، متجاوزاً كافة التوقعات التي سادت في بدايات العام. وتعكس دفاتر الإنتاج اليومية تفصيلاً دقيقاً لهذا الأداء، حيث بلغ الرقم المسجل في آخر أيام العام مليوناً وأربعمائة واثنين ألفا وسبعمائة وستة وستين برميلاً يومياً، وهو مؤشر على الزخم الإنتاجي القوي الذي استمر حتى اللحظات الأخيرة من السنة. وعند تجميع هذه التدفقات، يكون إجمالي ما ضخته ليبيا في الأسواق العالمية خلال العام بأكمله قد بلغ خمسمائة وواحد مليون برميل، مما عزز موقع البلاد كمورد طاقوي موثوق رغم السياقات السياسية المعقدة.
انعكس هذا الزخم الإنتاجي إيجاباً على الخزانة العامة، حيث قفزت الإيرادات النفطية المحققة إلى واحد وعشرين فاصل تسعة مليار دولار أمريكي. ولا تقتصر أهمية هذا الرقم على قيمته المطلقة فحسب، بل تمتد لتشمل وتيرة النمو السنوي الملحوظة التي بلغت خمسة عشر في المائة مقارنة بالعام السابق. هذا التدفق المالي الكبير وفر للحكومة الليبية هامشاً مالياً واسعاً، معززاً قدرتها على تغطية باب الرواتب والدعم، ومتيحاً فرصة نادرة لضخ استثمارات رأسمالية في البنية التحتية المنهكة.
هنا يكمن التحدي الأعمق الذي لا تستطيع براميل النفط وحدها حله. في الجانب الآخر من معادلة الاقتصاد الكلي، يبرز رقم صارخ يتمثل في معدل بطالة بلغ ثمانية عشر فاصل ثمانية في المائة. هذا المؤشر، الذي يعكس استمرار تحديات سوق العمل، يكشف عن خلل هيكلي يتمثل في عدم قدرة القطاع النفطي كثيف رأس المال على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. إن الفجوة بين الإيرادات الوفيرة وارتفاع معدلات الباحثين عن عمل تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النمو المدفوع بالمواد الهيدروكربونية لا يترجم تلقائياً إلى تشغيل واسع النطاق.
إزاء هذه المعطيات الرقمية المتناقضة، تتجه أنظار المحللين إلى ما هو أبعد من الأفق النفطي. الأرقام القياسية للإنتاج والإيرادات تمنح البلاد نافذة تمويلية ذهبية، لكنها في الوقت نفسه تبرز ضرورة تنويع مصادر الدخل كخيار وجودي لا رفاهية سياسية. استثمار العوائد النفطية في القطاعات غير النفطية، كالزراعة والصناعة التحويلية والتقنية، يمثل الأولوية القصوى لخلق نمو اقتصادي مستدام قادر على امتصاص البطالة المتفاقمة. إن عام 2025، بكل ما حمله من مؤشرات إيجابية وتحذيرات هيكلية، يضع متخذي القرار أمام لحظة فارقة: إما استثمار الكنز النفطي لبناء اقتصاد منتج ومتنوع، أو البقاء رهينة لتقلبات الأسعار وسوق عمل عاجزة عن تشغيل شبابها.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤