Contents
أعاد المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح، الذي استضافته مدينة بنغازي، فتح نقاش واسع حول واقع العدالة الجنائية في ليبيا، بعد سلسلة من المداخلات والأوراق العلمية التي تناولت أسباب اكتظاظ المؤسسات الإصلاحية والتأهيلية، وحدود استخدام الحبس الاحتياطي، وأولويات السياسة الجنائية، وضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى التزامات الدولة بموجب القانون الدولي الإنساني في حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم.
وجاءت أبرز المداخلات خلال المؤتمر على لسان المستشارة فاطمة عمر المصري، مستشار محكمة استئناف بنغازي ورئيسة الدائرة الثامنة للجنايات، لتطرح قراءة عملية لأسباب اكتظاظ السجون، معتبرة أن المشكلة لا ترتبط بعدد المؤسسات العقابية بقدر ارتباطها بطبيعة الإجراءات المتبعة منذ مرحلة التحقيق.
وقالت المستشارة فاطمة المصري إن التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي يمثل أحد أبرز أسباب تكدس المؤسسات الإصلاحية، موضحة أن هذا الإجراء يُستخدم – بحسب طرحها – في نطاق واسع، بما يشمل قضايا بسيطة كان يمكن التعامل معها بإجراءات قانونية أخرى.
وأشارت إلى أن التشريعات النافذة تمنح النيابة العامة أدوات قانونية، من بينها حفظ الأوراق لعدم الأهمية، إلا أن هذه الصلاحيات لا تُفعّل بالقدر الكافي، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار عدد كبير من القضايا داخل المنظومة القضائية رغم إمكانية إنهائها في مراحل مبكرة.
وأضافت أن بعض الملفات تصل إلى المحاكم رغم وجود مؤشرات فنية أو قانونية كان يفترض أن تحول دون إحالتها، مستشهدة بقضايا تضمنت تقارير طبية سلبية، أو تقارير فنية تفيد بعدم صلاحية الأسلحة المضبوطة للاستعمال، معتبرة أن إحالة مثل هذه القضايا ساهمت في زيادة العبء على المحاكم وتراكم الملفات.
كما تساءلت عن المبررات القانونية للحبس الاحتياطي في الحالات التي يكون فيها المتهم ليبياً وله محل إقامة ثابت ومعلوم، داعية إلى تعزيز الرقابة الداخلية على أعمال النيابات ومراجعة مبررات سلب الحرية قبل اللجوء إلى هذا الإجراء.
واعتبرت أن هذه التحديات لا تقتصر على دائرة قضائية بعينها، وإنما تمثل إشكاليات تواجه عدداً من المحاكم والهيئات القضائية في مختلف أنحاء ليبيا، وهو ما يستوجب، وفق طرحها، مراجعة شاملة ومكاشفة مؤسسية.
كما رأت أن المؤتمر أسهم في طرح ملفات لم تكن تحظى بالنقاش العلني، وشجع المختصين على تناول قضايا مرتبطة بسلب الحرية وإجراءات العدالة بصورة أكثر انفتاحاً.
وفي تعليق نشرته عبر صفحتها، أكدت الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، أن إصلاح القضاء لا يمكن أن يقتصر على مراجعة إجراءات الحبس الاحتياطي وحدها.
وأوضحت أن العدالة تواجه تحديات أوسع تتعلق بالانقسام المؤسسي، وتفاوت القدرة على تنفيذ القانون، وصعوبة تنفيذ أوامر الضبط في بعض المناطق، معتبرة أن ذلك يفرض إعادة تقييم أولويات السياسة الجنائية وآليات إنفاذ القانون.
وأضافت أن توجيه جزء من الجهد إلى القضايا البسيطة، مقابل استمرار تعثر الفصل في بعض الجرائم الجسيمة لأسباب مرتبطة بواقع التنفيذ، ينعكس على ثقة المواطنين في العدالة، مؤكدة أن معيار نجاح المنظومة القضائية لا يتمثل في عدد أوامر القبض أو الحبس، وإنما في قدرتها على حماية المجتمع وصون الحريات وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
كما عددت أبرز المحاور التي رأت أنها تحتاج إلى مراجعة، وتشمل الإفراط في الحبس الاحتياطي، وضعف تفعيل أوامر الحفظ، والإشكالات المرتبطة بمنظومة النائب العام والأحكام الغيابية القديمة، وظاهرة العود وفقدان الأثر الردعي للعقوبة، إضافة إلى ضرورة تعزيز البعد الإصلاحي والإنساني داخل المؤسسات الإصلاحية والتأهيلية.
من جانبه، اعتبر المحامي والخبير القانوني أحمد المكي أن ما طُرح يسلط الضوء على ممارسات إجرائية أصبحت – بحسب وصفه – واقعاً مستقراً يحتاج إلى مراجعة قانونية.
وأكد أن العدالة تتطلب الجمع بين المعرفة القانونية والبعد الإنساني، بما يضمن حماية الحقوق والحريات إلى جانب تطبيق النصوص القانونية، مجدداً التأكيد على أهمية مراجعة الملفات المتعلقة بالإفراط في الحبس الاحتياطي، والعمل بالأوامر الجنائية في الحفظ، ومعالجة إشكالات الأحكام الغيابية القديمة، والحد من ظاهرة العود، وتطوير المؤسسات الإصلاحية لتؤدي دورها في الإصلاح والتأهيل.
بدوره، استعاد المستشار أحمد الضراط تجربة عملية خلال عمله بنيابة الجنوب، قائلاً إن زيارة إلى أحد السجون سجن كشفت وجود متهم في قضية شرب خمر ظل محبوساً احتياطياً خمس سنوات دون الفصل في الدعوى.
وأوضح أنه اتفق آنذاك مع عدد من أعضاء النيابة العامة على الإفراج عن المتهمين في بعض القضايا متى كانت التهمة الوحيدة المنسوبة إليهم بعد استكمال التحقيق وتحديد جلسات للمحاكمة، لكنه أشار إلى أن هذا التوجه واجه اعتراضاً من أحد رؤساء النيابات.
وخلص الضراط إلى أن الحبس الاحتياطي يجب أن يبقى إجراءً استثنائياً يقدر بقدره، وألا يتحول إلى عقوبة تسبق صدور الأحكام القضائية.
وفي محور آخر من أعمال المؤتمر، قدمت المستشارة القانونية ببعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ليبيا، هاجر الكافي، ورقة عمل بعنوان “الحرمان من الحرية في النزاعات المسلحة غير الدولية: الإطار القانوني والضمانات الأساسية”.
وأكدت الورقة أن حماية المحتجزين تستند إلى المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف، والقانون الدولي الإنساني العرفي، والبروتوكول الإضافي الثاني متى انطبق، إضافة إلى قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان بالنسبة للدول.
وأوضحت أن هذه المنظومة القانونية تحظر التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي، وتلزم بتوفير ظروف احتجاز إنسانية وضمانات قضائية وإجرائية تكفل احترام الكرامة الإنسانية.
كما فرقت الورقة بين الاحتجاز الجنائي القائم على ارتكاب جريمة والاحتجاز الإداري المرتبط باعتبارات أمنية، مؤكدة أن اختلاف الأساس القانوني لا ينتقص من حق جميع المحتجزين في الضمانات الأساسية والمعاملة الإنسانية.
واستعرضت كذلك الدور الذي تؤديه اللجنة الدولية للصليب الأحمر في زيارة أماكن الاحتجاز، ودعم السلطات في الامتثال للقانون الدولي الإنساني، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وتحسين ظروف الاحتجاز، ومعالجة حالات الاختفاء، وإعادة الروابط العائلية.
واختتم المؤتمر أعماله بإصدار “إعلان بنغازي لإنفاذ سيادة القانون وتعزيز الضمانات القانونية لحقوق نزلاء المؤسسات الإصلاحية والتأهيلية”، الذي أكد أهمية ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الضمانات القانونية للمحتجزين، ودعم الإصلاحات الكفيلة بتحقيق عدالة أكثر كفاءة واحتراماً للحقوق والحريات، في إطار التوازن بين متطلبات الأمن وضمانات المحاكمة العادلة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤