سلط موقع «ريسبونسبل ستيتكرافت» الأميركي، التابع لمعهد «كوينسي للحكم الرشيد»، الضوء على التحركات الدبلوماسية التي يقودها المبعوث الأميركي إلى أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، في ليبيا، والتي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة بين الحكومتين المتنافستين، بينما أبدى محللون تشككا في قدرة هذه المبادرة على تحقيق تسوية سياسية مستدامة تنعكس على حياة الليبيين.
وقد كثف بولس خلال الأشهر الماضية زياراته لليبيا، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين من الحكومتين المتنافستين سعيا إلى التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة. وتروج الإدارة الأميركية لهذه الجهود بوصفها مسارا يهدف إلى تحقيق السلام والديمقراطية عبر تشكيل حكومة موحدة تُنهي سنوات من الانقسام السياسي والعنف المسلح.
وجاء في تقرير الموقع الأميركي، الذي نُشر اليوم الثلاثاء، أن «اهتمام إدارة ترامب الحقيقي بليبيا لا يتمثل في السلام من أجل الاستقرار الإقليمي، بل في تأمين ترتيب متبادل تحصل بموجبه الشركات الأميركية على امتيازات في الوصول إلى ثروة البلاد النفطية الهائلة».
كلوديا غازيني: النفط أحد المحركات الرئيسية لمبادرة بولس
- ليبيا بين المبادرة الأميركية وصراع النفوذ.. هل يصنع الداخل التسوية أم حسابات الخارج؟ (فيديو)
- «أعيان وحكماء مصراتة»: مسعد بولس لم يقدم مبادرة مكتوبة ونرفض عسكرة الدولة
-«ديكود 39» يحذر: «مبادرة بولس» قد تعني تهميش المسار الأممي في ليبيا
وأضافت: «اهتمام ترامب بليبيا لا يقتصر على النفط، بل يشمل أيضا رغبته في التوصل إلى اتفاق سياسي يمكن تقديمه بوصفه إنجازا جديدا يُضاف إلى قائمة النزاعات التي يقول إنه نجح في إنهائها».
تملك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، وهو ما دفع عددا من شركات الطاقة الأميركية إلى توسيع استثماراتها في البلاد خلال العام الماضي، حيث استأنفت شركة «إكسون موبيل» أنشطتها، بعد توقف دام عشر سنوات، من خلال توقيع مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط، لإجراء دراسات حول الموارد الهيدروكربونية البحرية.
وبحسب التقرير، فإن منح الشركات الأميركية أفضلية في الوصول إلى السوق الليبية قد يسهم في خفض تكاليف عملها، ويعزز قدرتها التنافسية. وقد أصبح الوصول إلى موارد جديدة للنفط هدفا عالي الأهمية بالنسبة إلى إدارة ترامب أمام مخاطر الاعتماد المفرط على نقاط محدودة لإمدادات الخام، التي تجلت بوضوح نتيجة الحرب مع إيران.
وبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإن تنويع صناعة النفط العالمية بعيدا عن تلك النقاط يقلل تكلفة أي أزمات مستقبلية قد تضرب الأسواق العالمية جراء الاضطرابات في الشرق الأوسط، ويساعد الوصول إلى الثروة النفطية في ليبيا في تحقيق هذا الهدف.
تشكيك في اتفاق تقاسم السلطة
وفي حين لم تُعلن تفاصيل المبادرة التي قدمها بولس بعد، أفادت تقارير إعلامية بأن الفريق الأميركي يسعى إلى اتفاق يقضي بتوزيع المناصب التنفيذية بين الطرفين، بحيث تتولى عائلة عبدالحميد الدبيبة رئاسة الدولة، بينما تتولى عائلة المشير خليفة حفتر رئاسة الحكومة، بما يضمن استمرار نفوذ الجانبين.
إلا أن هذا الطرح، بحسب التقرير الأميركي، يثير تساؤلات بشأن مدى انعكاس أي اتفاق من هذا النوع على حياة المواطنين إذا كان سيؤدي فقط إلى استمرار النخب السياسية الحالية في مواقعها.
تقدم محدود
إلى ذلك، نقل التقرير عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن «الولايات المتحدة تدعم الجهود الليبية لتوحيد البلاد، وتحقيق سلام دائم، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية»، مضيفا: «التحركات الأميركية حققت تقدما ملموسا منذ يوليو 2025».
وأشار المسؤول إلى أن أحد مؤشرات هذا التقدم تمثل في نجاح الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى في التوصل إلى اتفاق بشأن موازنة موحدة بين الحكومتين المتنافستين في أبريل، وهي أول موازنة موحدة على مستوى البلاد منذ أكثر من عقد، إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن.
غير أن المحللة في مجموعة الأزمات الدولية، غازيني، شككت في وصف هذه الموازنة بأنها «شاملة»، معتبرة غياب الشفافية وإدارة المفاوضات خلف الأبواب المغلقة يجعلان من الصعب التأكد من وجود اتفاق حقيقي منذ البداية.
وقالت: «عدم تنفيذ الموازنة ليس أمرا مفاجئا في ظل غياب الوضوح. ينبغي التساؤل منذ البداية عن مدى وجود اتفاق فعلي بين الأطراف». ورجحت أيضا أن تكون التفاهمات قد اقتصرت على بنود مرتبطة بالتنمية، بينما بقيت ملفات أخرى عالقة بسبب الخلافات، مثل مقر السلطة التنفيذية الجديدة وآلية قيادة المؤسسة العسكرية.
تحديات أمام الوساطة الأميركية
رأت غازيني أن تحقيق سلام موحد في ليبيا سيواجه عددا من التحديات الكبيرة، مضيفة أن أبرز التحديات التي سينبغي على بولس حلها ستتعلق بمستقبل المؤسسة العسكرية.
وقالت: «جزء من صعوبة التوصل إلى اتفاق على هذا الصعيد يرجع إلى حقيقة أن أحد أركان الفكر العسكري لحفتر على مر هذه السنوات هو أنه لا ينبغي إضعاف القيادة العسكرية، وعدم تقسيمها بين شخصيات مختلفة، مما يجعل من الصعب تصور كيفية تحقيق ترتيب مستدام لتقاسم السلطة».
وأضافت المحللة في مجموعة الأزمات الدولية: «نجاح الوساطة الأميركية، حتى في حال التوصل إلى أرضية مشتركة، سيظل مرهونا بمدى استفادة الليبيين من أي اتفاق، في ظل المخاوف من أن تركز التسوية على استمرار النخب الحالية في الحكم مقابل توسيع فرص الوصول الأميركي إلى قطاع النفط، بدلا من معالجة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين».
في هذا السياق، أبدت غازيني تشككها في قدرة هذا النهج على تحسين الأوضاع المعيشية، معتبرة أن «الوساطة الأميركية قد تخدم مصالح القوى الموجودة في السلطة عبر إطالة بقائها، وتتيح لها مواصلة الوصول إلى الأموال العامة أو إساءة استخدامها، بينما يصعب تصور أن تؤدي هذه الترتيبات إلى تحسين حياة الليبيين».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة