في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ أن بدأت تتكشف ملامح المبادرة الأميركية الخاصة بليبيا، دخل المشهد السياسي مرحلة جديدة من الحراك المتسارع، إذ تحولت التسريبات حولها إلى عامل دفع لمبادرات محلية، ولقاءات إقليمية، وتحركات دولية، في وقت تسعى فيه مختلف الأطراف إلى تثبيت موقعها في أي ترتيبات سياسية قادمة.
فمن طرابلس إلى بنغازي، ومن الاجتماعات الداخلية إلى التحركات الخارجية، تتقاطع المصالح وتختلف الرؤى حول شكل الحل المنتظر، وسط سؤال رئيسي يفرض نفسه: هل تنجح الأطراف الليبية في الوصول إلى تسوية تصنعها بإرادتها، أم أن المرحلة المقبلة سوف تتأثر بتصورات تُرسم خارج الحدود؟.
برنامج «تغطية خاصة» المذاع على قناة «الوسط» ناقش تداعيات هذا الحراك، مع استمرار الغموض حول تفاصيل المبادرة الأميركية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط مسعد بولس، وما أحدثته من تحركات سياسية متسارعة، شملت الداخل الليبي وامتدت إلى الخارج، أبرزها التحركات التركية وملف توحيد المؤسسات.
وخلال النقاش، أجمع خبراء على أن الحراك السياسي الحالي جاء نتيجة مباشرة لحالة الترقب التي أثارتها المبادرة الأميركية، وأن مختلف الأطراف الليبية تحاول إعادة ترتيب مواقعها قبل اتضاح شكل المرحلة المقبلة، كما اتفقوا على أن استمرار الانقسام الداخلي فتح الباب أمام تأثير أكبر للقوى الإقليمية والدولية في مسار الأزمة.
لكن قراءات المشاركين في البرنامج اختلفت حول طبيعة هذا الدور، وبينما رأى بعضهم أن التدخل الأميركي قد يمثل فرصة لتحريك الجمود السياسي شرط أن يقود إلى تسوية شاملة، قال آخرون أن تجاوز المؤسسات الرسمية والاعتماد على القوى الفاعلة عسكريًا قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، ويضعف فرص بناء مسار سياسي يقوم على اختيار الليبيين لمستقبلهم.
- خبراء: المبادرات الدولية لن تنهي الأزمة الليبية دون توافق داخلي وتوحيد المؤسسات
- لماذا تثير المبادرة الأميركية كل هذا الجدل في ليبيا؟
- المبادرة الأميركية في ميزان النقد.. هل تنجح واشنطن فيما فشل فيه الآخرون؟
عثمان البدري: الحل الليبي - الليبي أصبح صعبًا
قال الأكاديمي والمحلل السياسي، عثمان البدري إن التحركات الأخيرة في ليبيا جاءت في ظل الحديث عن المبادرة الأميركية، موضحًا أن هذه المبادرة، رغم أنها لم تظهر في شكل مكتوب وواضح ولم تُعلن تفاصيلها، دفعت أطرافًا عديدة إلى محاولة التسابق معها من أجل أن تجد لها مكانًا في الترتيبات المقبلة.
وأشار إلى أن هذه الأطراف تدرك أن الولايات المتحدة قادرة على فرض مبادرة أو رؤية أو حل للأزمة الليبية، ولذلك تحاول جميعها أن يكون لها حضور في المرحلة المقبلة. وأضاف أن هذه التحركات تؤكد أن الحل الليبي - الليبي أصبح صعبًا، بسبب عدم قدرة الليبيين على التفاهم والوصول إلى حل للأزمة.
وأوضح أن ظهور أطراف ومبادرات جديدة على الساحة، بعيدًا عن صاحب المصلحة الحقيقي وهو الشعب الليبي، يعقد المشهد أكثر، مشيرًا إلى أن الشعب أصبح مغيبًا، وأن بعض الأطراف أصبحت تعلن عن نفسها دون سند قانوني أو شرعي أو قاعدة اجتماعية تقف خلفها.
وفيما يتعلق بالتحركات التركية تجاه الشرق الليبي، وصف البدري السياسة التركية بأنها «براغماتية» بالدرجة الأولى، تركز على مصالحها الاقتصادية، فضلا عن أهمية الحدود البحرية.
وأضاف أن تركيا أدركت ضرورة التعامل مع جميع الأطراف الليبية، وعدم الاصطفاف مع جهة واحدة، لأنها لا تريد أن تكون مرتبطة بطرف قد يكون خارج المشهد مستقبلًا، موضحًا أن هذا التواصل يمنحها قدرة أكبر على طرح مبادراتها والحفاظ على وجودها في الترتيبات القادمة.
وأشار إلى أن الدول الفاعلة في الملف الليبي، مثل الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا ومصر، بدأت تتواصل مع مختلف الأطراف، لأنها تدرك أن الحل ربما لن يأتي إلا من خلال القوى الموجودة على الأرض.
وبشأن غياب التفاصيل الرسمية للمبادرة الأميركية، أكد البدري أن عدم وضوح بنود المبادرة ومراحل تنفيذها يجعل الأطراف المحلية تحاول التماهي معها، وبناء مواقفها على التوقعات والمصادر الخاصة، في محاولة لإثبات استمرار وجودها.
وقال إن هذه الأطراف أصبحت هشة وغير قادرة على الوصول إلى حل، وإن طول مدة الأزمة الليبية يمثل دليلًا على ذلك، مشيرًا إلى أنها مستفيدة من استمرار الوضع الحالي، خاصة مع استمرار الإيرادات النفطية، ولذلك فهي ليست في عجلة من أمرها للوصول إلى حل نهائي للأزمة.
وأضاف أن ما يمكن أن يعطي أملًا هو قدرة الولايات المتحدة على الضغط على الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية للوصول إلى نهاية للأزمة، معتبرًا أن هذه المبادرة ربما تكون بارقة أمل، لكن الوصول إلى حل يحتاج أيضًا إلى تحرك الشعب الليبي للضغط من أجل انتخابات ودستور واختيار من يحكمه.
إسماعيل الرويحة: الأزمة سياسية بالأساس والمسار الأمني لا يكفي
قال الأكاديمي والمحلل السياسي، إسماعيل الرويحة إن موقف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بشأن عدم تلقيه نسخة رسمية من المبادرة الأميركية يعكس وجود تجاوز للمؤسسات الرسمية الليبية، موضحًا أن هذه المؤسسات، رغم أنها تعاني من مشكلات، تبقى المؤسسات القائمة التي لا يمكن تجاوزها إذا كانت هناك نوايا جادة للوصول إلى حل.
وأشار إلى أن ما يجري يعكس شعور الأطراف الليبية بوجود خطر من حل قد يُفرض من الخارج ويتجاوز بعض الأطراف الرسمية والفاعلة في المشهد، وهو ما أدى إلى تسابق أفراد وأحزاب ومؤسسات سياسية من أجل أن تكون جزءًا من المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية، أوضح الرويحة أن الأزمة في ليبيا هي أزمة سياسية بالأساس، وأن المسار الأمني وحده لا يكفي لإنتاج استقرار مستدام.
وقال إن الولايات المتحدة لا تبحث عن حل يقوم على طموحات ومطالب الشعب الليبي، وإنما تتحرك وفق مصالحها، ولذلك فإن لجوءها إلى الأطراف التي تملك السلاح والقوة على الأرض يمثل وسيلة لرسم ملامح النظام القادم.
وأضاف أن اعتبار هذا الطرح حلًا سياسيًا ينهي الأزمة الليبية أمر غير صحيح من وجهة نظره، لأنه قد يؤدي إلى دخول البلاد في وضع يعتمد على القوى التي تملك السلاح، بدلًا من بناء دولة على أساس دستوري يختار فيها الشعب سلطته ويحقق التداول السلمي على الحكم.
وحول تعدد المبادرات المحلية والإقليمية والدولية، قال الرويحة إن حالة التنافس بين القوى المختلفة تفسر حالة الفوضى التي وصل إليها المشهد الليبي، محملًا جزءًا كبيرًا من المسؤولية لبعثة الأمم المتحدة والقوى الدولية التي كان لها دور في صياغة المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن التجربة السابقة مع مبادرات الأمم المتحدة أظهرت، بحسب رؤيته، وجود مشكلات في طريقة تشكيل المسارات السياسية، معتبرًا أن المطلوب كان إعطاء فرصة للشعب الليبي لاستكمال العملية الانتخابية وانتخاب برلمان ورئيس دولة.
وأضاف أن الاتجاه الحالي نحو التعامل مع القوى التي تفرض أمرًا واقعًا وتمتلك القوة العسكرية والأمنية يمثل تجاوزًا لمطالب الشعب الليبي وطموحاته في بناء دولة مدنية ديمقراطية، مؤكدًا أن ليبيا تقف أمام مفترق طرق، لأن منح هذه القوى دورًا أساسيًا في رسم النظام السياسي سيؤثر على شكل الدولة مستقبلًا.
سعد الدينالي: المبادرة الأميركية أحدثت حراكًا في المشهد السياسي الليبي
قال المحلل السياسي سعد الدينالي إن ما يحدث حاليًا في ليبيا يمثل «هزات ارتدادية» نتيجة الاقتراب الأميركي من الملف الليبي، موضحًا أن كل ما يجري هو محاولة من الأطراف المختلفة لإيجاد موضع قدم لها في المرحلة المقبلة التي تقودها الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن المبادرة الأميركية أحدثت حراكًا في المشهد السياسي الليبي، وأن الولايات المتحدة إذا أرادت وكانت جادة في طرحها فهي قادرة على تمهيد الأرضية لإيجاد حل سياسي.
وأضاف أن هذه المبادرة لم تظهر بسبب قوة الأطراف السياسية الموجودة، وإنما بعد اصطدام الحلول السابقة بالعراقيل التي وضعتها الأجسام السياسية القائمة، معتبرًا أنها جاءت في محاولة للخروج من حالة الأزمة التي وصلت إليها البلاد.
وأوضح الدينالي أن المبادرة كشفت هشاشة القاعدة السياسية في ليبيا، وأن الخلافات موجودة شرقًا وغربًا، سواء بين الأطراف السياسية أو داخل المناطق نفسها، ما يؤكد أن المشهد السياسي الليبي يعاني من حالة ضعف واضحة.
وقال إن القوى الليبية فقدت جزءًا كبيرًا من السيطرة على القرار السياسي، وإن معظم الأطراف أصبحت واقعة تحت تأثيرات إقليمية ودولية، ولذلك فإن الحديث عن حل ليبي - ليبي أصبح أمرًا مستبعدًا في المرحلة الحالية.
وأشار إلى أن الأطراف الإقليمية والدولية تستخدم أدواتها الليبية في الصراع على النفوذ، وأن استمرار هذه الدائرة من الخلافات هو ما أوصل البلاد إلى الوضع الحالي.
وأضاف أن دخول الولايات المتحدة إلى الملف الليبي أثار بعض التفاؤل، ليس بسبب الولايات المتحدة نفسها، وإنما لأن قدرتها السياسية قد تساعد في الحد من الصراع الدولي والإقليمي حول ليبيا وخلق أرضية يمكن البناء عليها.
وأكد الدينالي أن الوصول إلى انتخابات ودولة دستورية يحتاج إلى إرادة حقيقية من الشعب الليبي والقوى السياسية، مشيرًا إلى غياب حراك شعبي واضح يضغط في هذا الاتجاه.
واختتم بأن ما يحدث حاليًا هو عملية تمهيد للمشهد السياسي المقبل، وأن غياب الدور الشعبي يجعل الأطراف الإقليمية والدولية قادرة على رسم ملامح المرحلة القادمة وفق مصالحها.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة