بعد ثلاث سنوات من اندلاع الأعمال العدائية في السودان، لم تعد الحرب مجرد أزمة داخلية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجيا إلى عامل مُؤثر في إعادة تشكيل جيوسياسي في منطقة الساحل والصحراء، التي تمتد آثارها من دارفور إلى الكفرة وفزان.
هذه أحد أهم استنتاجات دراسة لمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية الفرنسي «إيريس»، وهو من أبرز مراكز الفكر في أوروبا المتخصصة في القضايا الجيوسياسية والاستراتيجية، نُشرت خلال يوليو الجاري، مسلطة الضوء على السودان، ملتقى وادي النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر والصحراء الكبرى، فعبر اجتماع عوامل عدة تحولت الحدود تدريجيا إلى واجهات إقليمية تتقاطع فيها القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
يتجلى هذا التطور بوضوح في ليبيا، وفق الدراسة، إذ لم تعد منطقتا الكفرة وفزان مجرد أطراف صحراوية، بل أصبحتا تشكلان مساحات وصل بين دارفور وتشاد والنيجر والبحر الأبيض المتوسط. وتسهم شبكات التهريب ومسارات الهجرة وتجارة الأسلحة وتدفقات الذهب في تشكيل ترابط جيوسياسي يتجاوز بكثير التقسيمات الإدارية الموروثة من الحقبة الاستعمارية.
كما تُظهر المقارنة بين مساري السودان وليبيا أن كلتا الدولتين تشهدان تحولات هيكلية مماثلة. ففي كلتا الحالتين، تحتفظ الدولة باعترافها الدولي، لكنها تشهد تحديا تدريجيا لاحتكارها القوة من قِبل تعدد الجهات الفاعلة المسلحة والمجتمعية والاقتصادية.
وعلى الرغم من أهمية الاستجابات التي تركز حصرا على وقف إطلاق النار أو المساعدات الإنسانية، فإنها ستظل غير كافية ما لم تُصاحبها استراتيجية إقليمية تُراعي الديناميات العابرة للحدود، حيث دعا المركز البحثي للنظر إلى المناطق التي تربط دارفور والكفرة وفزان كنظام استراتيجي واحد، حيث تتداخل تحديات الأمن والاقتصاد والهجرة في ترابط وثيق.
3 دروس استراتيجية
وحسب التحليل، الذي خرج بثلاثة دروس استراتيجية، لا يمكن النظر إلى تحقيق الاستقرار المستدام في السودان بمعزل عن بيئته الإقليمية، إذ يجب أن تُدمج أي مبادرة سلام التفاعلات القائمة مع ليبيا وتشاد ومصر، وعلى نطاق أوسع، مع منطقة الساحل والصحراء بأكملها. وانتقد المركز آليات الوساطة التي تركز حصرا على الخرطوم، ما قد يقلل من شأن الديناميات الإقليمية التي تُغذي الصراع.
وثانيا توصي الدراسة باعتبار اقتصادات الحرب محورا أساسيا لسياسات تحقيق الاستقرار، فتهريب الذهب والأسلحة والوقود، فضلا عن شبكات الإمداد اللوجستية العابرة للحدود، تُعد حاليا من العوامل التي تُسهم في تعزيز قدرة الجماعات المسلحة على الصمود. ولن يكون النهج العسكري البحت كافيا لكبح هذه الآليات بشكل مستدام دون تنظيم أفضل للدوائر الاقتصادية التي تُموّل الصراعات.
أما ثالث الدروس المستفادة، فتُظهر المقارنة بين السودان وليبيا أن المناطق الصحراوية لم تعد هوامش جغرافية، بل مراكز ثقل جيوسياسي، حيث تلعب مناطق دارفور والكفرة وفزان الآن دورا هيكليا في إعادة تشكيل الأمن بشمال إفريقيا ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي، فهي تُشكل مختبرات يُعاد فيها تعريف الأشكال المعاصرة للسيادة والحكم وحركة الفاعلين المسلحين.
غيّرت الحرب السودانية بشكل جذري التوازن الجيوسياسي في منطقة الساحل والصحراء بأكملها. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لجأ أكثر من أربعة ملايين سوداني إلى الدول المجاورة، ولا سيما تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا. وإلى جانب هذه التحركات عبر الحدود، يوجد أكثر من عشرة ملايين نازح داخليا، مما يجعل الصراع السوداني أكبر أزمة نزوح سكاني في العالم بحلول عام 2026.
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
إعادة تشكيل موازين الأمن الإقليمي
وإلى جانب الكارثة الإنسانية، يسهم هذا النزوح في إعادة تشكيل موازين الأمن الإقليمي. فكثيرا ما يستخدم السكان المدنيون الممرات نفسها التي تستخدمها شبكات التجارة غير الرسمية والجماعات المسلحة والمهربون. وهكذا، تُصبح المناطق الحدودية بؤرا تتشابك فيها القضايا الإنسانية والمنطق الاقتصادي وديناميات الأمن. وتحتل منطقة دارفور مكانة محورية في هذا التحول. فمنذ نزاعات العقد الأول من الألفية الثانية، أصبحت هذه المنطقة إحدى أهم مفترق الطرق التي تربط غرب السودان بتشاد وليبيا، وبشكل أوسع الصحراء الوسطى. وقد طورت شبكات التجارة والتضامن القبلي والجماعات المسلحة أشكالا من التنقل هناك تتجاوز بكثير الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية.
إلا أن الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تُضفي بُعدا جديدا على هذه الديناميكيات.
ووفق الدراسة، يُسهّل فقدان السلطات المركزية تدريجيا السيطرة على الأراضي لفتح طرق جديدة بين دارفور وتيبستي وجنوب ليبيا. وتُشير العديد من تقارير مسح الأسلحة الصغيرة إلى أن هذه الطرق تُستخدم الآن لنقل المقاتلين، وشحن الأسلحة الصغيرة، وتهريب الذهب الحرفي، والإمداد اللوجستي لمختلف الجماعات المسلحة النشطة في المنطقة.
ويُجسّد حصار مدينة الأبيض بشكل خاص هذا التوسع الإقليمي التدريجي للصراع، إذ تقع هذه المدينة عند مفترق طرق يربط الخرطوم بدارفور والمناطق الغربية، وتُمثّل مركزا لوجستيا رئيسيا للتجارة السودانية والتبادلات العسكرية. لذا، فإن الاشتباكات الدائرة هناك لا تقتصر على السيطرة على مركز حضري فحسب، بل تُؤثر بشكل مباشر على حركة المرور بين حوض النيل والمناطق الصحراوية، حيث يُؤدي فتح هذه الممرات، أو على العكس، إغلاقها، إلى تغيير المسارات التي يسلكها كل من السكان المدنيين والجهات المسلحة.
يؤكد هذا التطور اتجاها عاما يُلاحظ في العديد من الصراعات الأفريقية المعاصرة، حيث أصبحت الحروب الأهلية أقل انحصارا داخل الحدود الإدارية للدول.
وفي الحالة السودانية، يستند هذا التقسيم الإقليمي أيضا إلى عوامل اقتصادية، حسب معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية الفرنسي، بينما يؤدي القتال إلى تعطيل طرق التجارة التقليدية التي تربط الخرطوم بمختلف المناطق، مما يعزز أهمية طرق التجارة عبر الصحراء الكبرى التي تعبر دارفور وتشاد وجنوب ليبيا. وتكيف شبكات التهريب، التي تخصصت تاريخياً في نقل الوقود والماشية والسلع المدعومة، أنشطتها تدريجيا مع واقع الحرب الجديد من خلال دمج تدفقات الأسلحة والذهب والموارد الاستراتيجية.
وفي حين تُغيّر الحرب السودانية تدريجيا موازين القوى الإقليمية، فإن تداعياتها شديدة بشكل خاص في ليبيا. فليبيا، التي لم تعد مجرد دولة مجاورة مُعرّضة لآثارها الجانبية، أصبحت الآن إحدى المناطق الرئيسية لامتداد الصراع بشكل غير مباشر. يُعزى هذا التطور إلى حد كبير إلى جغرافية الصحراء الكبرى، والهشاشة المستمرة للمؤسسات الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
فبعد مرور خمسة عشر عاما على الثورة الليبية، لاتزال البلاد منقسمة بين حكومتين. وعلى الرغم من التقدم المُحرز منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن هذا الانقسام لا يزال يُحدّ من قدرة الدولة على ممارسة سيطرة فعّالة على المناطق الصحراوية الشاسعة في جنوب ليبيا، ويتجلى هذا الضعف بشكل خاص في منطقتي الكفرة وفزان.
ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، ازدادت تدفقات السكان من دارفور إلى جنوب شرق ليبيا بشكل ملحوظ منذ عام 2024، مما جعل الكفرة إحدى نقاط الدخول الرئيسية للاجئين السودانيين إلى ليبيا.
ووفق الدراسة، تلعب الكفرة دورا استراتيجيا حاسما، حيث تقع هذه الواحة عند ملتقى حدود السودان وتشاد ومصر، ما يجعلها محورا جيوسياسيا مهما. ولا تكمن أهميتها في حجم سكانها، بل في قدرتها على ربط العديد من المناطق الإقليمية. وبالتالي، فإن الجهات الفاعلة التي تسيطر على الطرق الرئيسية التي تربط الكفرة بدارفور تتمتع بنفوذ كبير على التدفقات الاقتصادية والأمنية في الصحراء الشرقية.
كما تُظهر فزان ديناميكية مماثلة، ولكن على نطاق أوسع. فمنذ عام 2011، رسّخت هذه المنطقة الجنوبية الشاسعة مكانتها تدريجيا كإحدى المناطق الرئيسية للحكم الهجين في شمال أفريقيا، حيث تتعايش فيها المؤسسات الرسمية مع السلطات القبلية، والجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والجهات الفاعلة الاقتصادية غير الرسمية التي تُقدّم، بحسب المنطقة، خدمات الأمن والوساطة وتنظيم التجارة.
يدفع هذا الواقع إلى تجاوز الصورة النمطية لفزان بوصفها «فراغا أمنيا». فهذه المنطقة شديدة التنظيم، ولكن وفقا لمنطق مختلف عن تلك الخاصة بالدولة الحديثة، حيث تتفاوض قبائل التبو والعرب والطوارق، والسلطات البلدية، وشبكات التجارة، ومختلف الجماعات المسلحة يوميا على الوصول إلى الموارد، وحماية طرق التجارة، وإدارة تدفقات الهجرة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة