قيم تقرير أخير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي الوضع الراهن في ليبيا، مشيرا إلى استمرار حالة الانقسام والعجز عن الانتقال إلى نظام حكم مستقر، وموضحا أن الانتخابات والمسارات الدبلوماسية أفرزتا حكومات انتقالية متعاقبة، إلا أن التشكيلات المسلحة والقيادات المحلية والتحالفات المدعومة من أطراف خارجية ما زالت تحتفظ بنفوذ واسع، بينما يستمر التنافس بين شبكات النفوذ في غرب البلاد وشرقها على السيطرة الوطنية.
وتطرق المركز، وهو هيئة بحثية تابعة لمكتبة الكونغرس تقدم تحليلات لأعضاء ولجان الكونغرس في جميع مراحل العمل التشريعي، إلى المساعي التي تبذلها الإدارة الأميركية الحالية لتوحيد المؤسسات الأمنية والمالية والإدارية في ليبيا، وإنشاء سلطة تنفيذية جديدة وشاملة تتولى إدارة البلاد حتى إجراء الانتخابات، مشيرا إلى زيارات مكثفة أجراها مستشار الرئيس للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والقائم بالأعمال الأميركي، جيريمي برنت، ومسؤولو القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى ليبيا منذ العام 2025، وأسهموا في التوصل إلى أول موازنة وطنية موحدة منذ أكثر من عقد خلال أبريل 2026، إلى جانب تشجيع التعاون الأمني بين الأطراف الليبية.
مساعٍ أميركية مكثفة في ليبيا
أوضح التقرير، الذي نُشر عبر الموقع الإلكتروني، أن الإدارات الأميركية المتعاقبة سعت إلى منع تحول ليبيا إلى ملاذ للجماعات الإرهابية، مع احتواء تداعيات الانقسام الداخلي والتدخلات الأجنبية، مشيرا إلى أن تنامي النفوذ الروسي في ليبيا منذ العام 2020، إلى جانب استمرار الاضطرابات في جنوب البلاد، دفع واشنطن إلى تكثيف جهودها لتوحيد المؤسسات الليبية، على الرغم من استمرار الخلافات العميقة بين الفاعلين في الشرق والغرب.
- «ديكود 39» يحذر: «مبادرة بولس» قد تعني تهميش المسار الأممي في ليبيا
- داخل العدد 557: مبادرات شعبية تواجه خطة بولس.. والكهرباء في اختبار الصيف
كما لفت إلى أن إدارة ترامب أوقفت أو عدلت بعض برامج المساعدات الأميركية في ليبيا خلال العام 2025، بيما وفر الكونغرس منذ العام 2024 تمويلا لدعم الانخراط الدبلوماسي الأميركي، وإعادة الوجود الدبلوماسي الكامل مستقبلا داخل ليبيا.
السيطرة على النفط والمصرف المركزي
أكد التقرير أن المنافسة على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي كانت من أبرز أسباب الأزمات خلال السنوات الأخيرة، نظرا لأن المؤسستين تديران عمليات إنتاج النفط والإيرادات والمدفوعات العامة التي يعتمد عليها معظم الليبيين والحكومتان المتنافستان.
وأضاف أن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أفاد، في مارس 2026، بأن مسؤولين من شرق البلاد وغربها تواطؤوا مع مسؤولين في المؤسسة الوطنية للنفط وآخرين لتوفير «مظلة من الإفلات من العقاب» على مخططات تمويل غير نظامية واسعة النطاق استنزفت خزائن الدولة.
وعلى الصعيد العسكري، أشار التقرير إلى أن قوات «القيادة العامة» عززت قدراتها العسكرية منذ العام 2024، بما في ذلك الطائرات المسيرة. كما توسع نفوذها في شرق البلاد وجنوبها، بينما تولى أبناء خليفة حفتر مناصب قيادية في أجهزة الأمن وإعادة الإعمار. وشهدت طرابلس والزواية خلال عامي 2025 و2026 اشتباكات بين مجموعات مسلحة، إلا أن المواجهات العسكرية الواسعة بين الشرق والغرب لم تتجدد منذ العام 2020.
وفيما يتعلق بالسياسة الأميركية، أوضح التقرير أن واشنطن وسعت انخراطها مع مختلف الأطراف الليبية، حيث زارت سفن تابعة للبحرية الأميركية شرق ليبيا وغربها. كما أجرت قيادة «أفريكوم» جزءا من مناوراتها السنوية قرب سرت خلال العام 2026. واستضافت الولايات المتحدة مسؤولين من «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» و«القيادة العامة»، بينهم نائب وزير الدفاع عبدالسلام الزوبي، وصدام حفتر.
كما دعمت واشنطن توسيع التعاون الاقتصادي، بما يشمل اتفاقيات نفط وغاز مع شركة «شيفرون»، واتفاقا بـ20 مليار دولار لتحسين الإنتاج مع شركتي «كونوكو فيليبس» و«توتال إنرجيز».
جهود أممية مستمرة
بالتوازي مع ذلك، تستمر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في جهود الوساطة، حيث طرحت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، خريطة طريق لإنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات، وأكدت أمام مجلس الأمن في يونيو 2026 ضرورة استعادة مؤسسات الدولة الموحدة والفعالة والخاضعة للمساءلة، وتحقيق توافق سياسي واسع حول الانتخابات في إطار قانوني واضح.
وأوضح التقرير أن بولس اعتبر المبادرة الأميركية مُكملة لجهود الأمم المتحدة، بينما يرى بعض المراقبين أن محادثات الوحدة المدعومة أميركيا قد تؤدي إلى ترسيخ نفوذ النخب السياسية الحالية.
وأشار إلى استمرار اهتمام الولايات المتحدة بخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، مع استمرار القلق الأميركي من الوجود الروسي في الشرق والجنوب، وتحول ليبيا منذ العام 2024 إلى مركز لوجستي للعمليات الروسية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، بالإضافة إلى استخدامها ممرا لدعم قوات الدعم السريع في السودان، بينما تواصل تركيا تدريب ودعم القوات في غرب ليبيا، مع استمرار قنوات التعاون مع «القيادة العامة» في بعض الملفات.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة