في أجواء أزمة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وتداعياته، وسط موجة الحر التي تضرب البلاد، كان هناك ما يشبه «الغليان السياسي» يمتد من مصراتة إلى طرابلس، مرورًا بسرت وفزان، ليتجاوز الحدود إلى جنيف، تحت عناوين مشتركة، أهمها الدفع بمبادرات وطنية مقابل ما سُمِّي بـ«خطة بولس» لتقاسم السلطة، والتي حملت اسم كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس.
وربما جاء الموقف الأكثر تشددًا تجاه هذه «الخطة» من مدينة ذات الثقل العسكري والسياسي في خريطة الصراع بين الأطراف المتخاصمة في ليبيا، وهو ما عبَّر عنه إعلان «المجلس العسكري لثوار مصراتة» إطلاق ما سماها «مبادرة الدولة المدنية»، والتي اعتبرها تمثل خريطة طريق لمواجهة ما وصفها بمحاولات إعادة إنتاج الأزمة الليبية عبر صفقات سياسية، و«تجاوزًا لإرادة الليبيين في تقرير مصيرهم وإنهاء المرحلة الانتقالية».
الدبيبة يؤجل إيضاح موقفه من «خطة بولس»
ووضع الضغط القادم من مصراتة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، في حرج، وهو الذي ينحدر من هذه المدينة، واستبق لقاء المجلس العسكري بالتعبير، للمرة الأولى، عن موقفه من المبادرات المطروحة في الساحة السياسية، إذ أعلن، خلال اجتماع حكومته الأخير في زليتن، إرجاء توضيح موقفه الصريح إلى وقت لاحق، عبر توجيه خطاب إلى الشعب الليبي في وقت قريب، سيعرض فيه، بصورة مفصلة، مختلف المبادرات المحلية والدولية المطروحة، إضافة إلى رؤيته لكيفية إنهاء الانقسام والوصول إلى الانتخابات.
وتتعلق الخطة الأميركية، التي يسميها البعض «صفقة»، بتكليف نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، صدام حفتر، برئاسة مجلس رئاسي جديد، مع الإبقاء على عبدالحميد الدبيبة رئيسًا لحكومة موحدة يجرى العمل على تشكيلها، ضمن ترتيبات تنهي الانقسام المؤسساتي عبر تقاسم السلطة، وفق ما جرى الترويج له في وسائط التواصل الاجتماعي الليبية ووسائل إعلام عربية.
انطلاق «تجمع الرؤية الوطنية»
وغير بعيد عن حراك المبادرات المحلية، أطلقت في طرابلس شخصيات سياسية واقتصادية وأكاديمية ليبية ورجال أعمال، بينها محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق الصديق الكبير، ووزير النفط والغاز السابق محمد عون، ومندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق سليمان الشنطي، «تجمع الرؤية الوطنية» بقصد طرح حل يقول مهندسوه إنه يدفع نحو معالجة حالة الانسداد، وتوسيع دائرة المشاركة في العملية السياسية.
- خوري تناقش مع وفد من فزان توصيات «الحوار المهيكل»
- مؤتمر لأحزاب ليبية في سرت يدعم المبادرة الأميركية ويدعو إلى انتخابات عاجلة
- الدبيبة: شرعية أي مسار تستمد من إرادة الليبيين وليس من المبادرات أو التفاهمات المغلقة
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقال التجمع، في بيانه التأسيسي، إنه يتابع المساعي الأميركية لحل الأزمة في ليبيا، وينظر إليها باهتمام، مع التأكيد على أن تقييمها والتفاعل الإيجابي معها بصورة بناءة يظلان مرهونين بالوقوف على مضامينها. كما عبَّر عن رفضه أي ترتيبات تمكن بعض الأطراف المتنفذة من تمثيله في أي عملية سياسية، أو تتيح لأي قوى إقليمية أو دولية فرض خيارات سياسية لا تتفق مع مبادئ الملكية الليبية للعملية السياسية.
وقوبل إطلاق الحراك الجديد، من قبل متابعين للشأن السياسي، بانتقاد مبطن مفاده: «مساعي بعض الشخصيات السياسية التي تقلدت مناصب سيادية لسنوات، ومنذ العام 2011، إعادة إنتاج النخبة ذاتها تحت مسميات جديدة، أو الجري وراء حجز موقع في خريطة التسوية، على غرار ما سمي بملتقى جنيف، الذي استقبله البعض بكثير من الاستغراب والسخرية».
اختيار رئيس حكومة جديد في جنيف
وكان عديد الليبيين قد فوجئوا باجتماع نشطاء سياسيين في العاصمة السويسرية، أعلنوا خلاله اختيار رئيس لحكومة ليبية موحدة، زاعمين أن خطوتهم تشكل مسعى لإنهاء الانقسام، والعودة إلى المسار الدستوري، وتوحيد المؤسسات، وصولًا إلى الانتخابات.
وأوضح المشاركون في الاجتماع، عبر تصريحات لهم نُقلت عبر منصات التواصل الاجتماعي، أن الخطوة «تنطلق من إرادة ليبية مستقلة، وترتكز على حوار وطني بعيدًا عن المبادرات الدولية، وأن اجتماعات جنيف وانتخاب رئيس حكومة جديدة لم تُعقد تحت مظلة الأمم المتحدة أو بإشرافها».
واحتضنت مدينة سرت، وسط البلاد، الأربعاء، اجتماع المؤتمر الأول للأحزاب الليبية لمدة يومين متتاليين، تحت شعار «رؤى الأحزاب السياسية لمعالجة الأزمة الليبية»، ودعت الأحزاب إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، وفق قاعدة دستورية توافقية، لاستعادة الاستقرار في البلاد.
وشددت، في بيانها، على أهمية «توحيد مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، بما يدعم بناء دولة المؤسسات والقانون، ويحقق تطلعات المواطنين».
لقا خوري مع تجمع فزان
وفي الجنوب الليبي، التقى «التجمع السياسي الوطني فزان»، الذي تأسس في يونيو الماضي، نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية في ليبيا، ستيفاني خوري، وأكد وفد التجمع أهمية أن يحظى الجنوب بتمثيل فاعل في أي تسوية سياسية مرتقبة.
وحسب بعثة الأمم المتحدة، فإن ممثلي فزان شددوا، خلال اللقاء، على الدور التاريخي للإقليم في بناء الدولة الليبية ومؤسساتها، وأعربوا عن دعمهم للمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، بوصفه الإطار الأنسب للتوصل إلى حل سلمي للأزمة.
وشهدت فزان، قبل ذلك، لقاء ممثلين عنها مع عضو المجلس الرئاسي، عبدالله اللافي، وشددوا، خلال اللقاء، على ضرورة ضمان حضور الجنوب في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن في توزيع السلطة والتنمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن «التجمع السياسي الوطني لفزان» سبق أن أبدى اعتراضًا على مبادرة بولس، رافضًا أي مبادرات خارجية لا تراعي مشاركة جميع الأطراف الليبية في صياغة الحل.
عقيلة ينفي تلقي تفاصيل المبادرة الأميركية
ومن الضفة الأخرى، خرج رئيس مجلس النواب عقيلة صالح عن صمت لم يدم طويلًا، ليؤكد أن هيئة البرلمان لم تتلقَّ أي نسخة رسمية أو تفاصيل من المبادرة الأميركية، موضحًا أن كل ما يتردد بشأنها يستند إلى ما يُنشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وليس إلى وثائق أو مقترحات وصلت إلى المجلس، ووعد بأن مجلس النواب سيناقش المبادرة الأميركية فور تسلمها عبر القنوات الرسمية.
وبشأن ملف الانتخابات، أوضح عقيلة أن مجلس النواب عدل الإعلان الدستوري، وكلف لجنة «6+6» بإعداد القوانين الانتخابية، قبل أن يعتمد تلك القوانين دون إدخال تعديلات عليها، محملًا المجلس الأعلى للدولة مسؤولية استمرار الخلافات المتعلقة بتعديلها.
من جهته، اتهم رئيس المجلس الأعلى محمد تكالة التدخلات الخارجية بعرقلة جهود التوافق مع مجلس النواب، مشيرًا، في تصريحات، إلى أن المجلس قدم مبادرة لإجراء الانتخابات، لكنها لم تلق التفاعل المطلوب من الأطراف المعنية، مؤكدًا تمسك المجلس بضرورة الاستفتاء على مشروع الدستور المنجز العام 2017، معتبرًا ذلك استحقاقًا وطنيًا يتيح لليبيين اختيار وثيقة دستورية تمهد لاستقرار دائم.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة