في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع كل موجة حر تعود أزمة الكهرباء لتفرض نفسها على حياة الليبيين، في مشهد يتكرر عامًا بعد عام، حيث تتداخل الانقطاعات الطويلة للتيار مع شح الوقود وتراجع القدرة الإنتاجية، بينما تتصاعد التساؤلات بشأن جدوى الأموال التي خُصصت لمعالجة هذا الملف في بلد يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة لكنه لا يزال يواجه معضلة مزمنة أثقلت كاهل المواطنين وأربكت تفاصيل حياتهم اليومية.
وفي هذا الصيف تواجه شبكة الكهرباء الليبية اختبارًا جديدًا في القدرة على الصمود، بعدما شهدت معظم مناطق البلاد إظلامًا عامًا فجر السبت الماضي نتيجة خروج عدد من محطات التوليد الرئيسية عن الخدمة، من بينها محطتا الخليج ومصراتة، وفقدان نحو 1350 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، وفق ما أعلنته وزارة الكهرباء والطاقات المتجددة بالحكومة المكلفة من مجلس النواب.
أسباب الانهيار
وأرجعت الوزارة الإظلام إلى فصل خط النقل بين محطتي مصراتة والخمس بجهد 400 كيلوفولت، الأمر الذي تسبب في رجوع عكسي للقدرة المتجهة إلى الشبكة الغربية بحمل يقدّر بنحو 350 ميغاوات، ما أدى إلى انهيار التردد وخروج أجزاء واسعة من الشبكة عن الخدمة.
وبالتوازي مع ذلك، حمّلت الشركة العامة للكهرباء عوامل فنية وأمنية جزءًا من المسؤولية، مشيرة إلى أن الاشتباكات التي شهدتها مدينة الزاوية تسببت في تضرر محطة الزاوية وفقدان نحو 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، كما ساهم انخفاض إمدادات الغاز من بعض حقول الجنوب الغربي في فقدان ما يقارب 1000 ميغاوات إضافية.
وأضافت الشركة أنها طلبت وقف تصدير الغاز إلى إيطاليا بصورة موقتة وتوجيهه إلى محطات الكهرباء، لكنها لم تتلقَّ ردًا، مؤكدة أنها حذّرت منذ يونيو الماضي من خطورة استمرار نقص الغاز والوقود وعدم انتظام الإمدادات.
وقود إضافي لإنقاذ المحطات
في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة، أعلنت شركة البريقة لتسويق النفط رفع مخصصات محطة كهرباء غرب طرابلس من وقود الديزل بنسبة 50% خلال يوليو الجاري، لتصل إلى 120 مليون لتر مقارنة بـ80 مليون لتر سابقًا.
وقال الناطق باسم الشركة، أحمد المسلاتي، إن الزيادة جاءت استجابة لطلبات الشركة العامة للكهرباء ووفق أوامر التوريد المعتمدة من المؤسسة الوطنية للنفط، بهدف تعزيز إمدادات الوقود لمحطات التوليد في ظل الطلب المرتفع على الكهرباء خلال فصل الصيف.
كما أوضح أن ناقلتي الديزل «آليجرا» و«زيفيريا» وصلتا إلى ميناءي الزاوية وطبرق محمّلتين بأكثر من 32 ألف طن متري لكل منهما، إضافة إلى ضخ أربعة ملايين لتر من الديزل من شركة الزاوية لتكرير النفط إلى محطات غرب طرابلس والزاوية المزدوجة والرويس والجبل الغربي والزهراء.
الربط المصري يعود إلى الخدمة
وفي خطوة وُصفت بالمهمة لإعادة بناء الشبكة، استؤنف تزويد ليبيا بالكهرباء عبر خط الربط مع مصر بقدرة أولية تبلغ 70 ميغاوات، بعد التوصل إلى اتفاق بين الجانبين وسداد نحو 100 مليون دولار من مستحقات واردات الكهرباء المصرية المتراكمة منذ العام 2023.
- الكهرباء: إعادة تشغيل محطات وخطوط متضررة واستمرار أعمال الصيانة الطارئة
- انقطاع الكهرباء يتجاوز 6 ساعات يوميًا في بني وليد.. شكاوى من المواطنين وخسائر للتجار
- بعد سداد 100 مليون دولار.. مصر تستأنف تصدير الكهرباء إلى ليبيا
- «البريقة»: زيادة إمدادات «الديزل» لمحطة غرب طرابلس 50% لدعم إنتاج الكهرباء
- حكومة حماد: مناورات فنية معقدة لإدخال وحدة احتياطية على شبكة الكهرباء
- أزمة الكهرباء في ليبيا تتفاقم وسط اتهامات بالفساد ونقص الوقود
وأكدت مصادر مصرية أن الجانبين اتفقا أيضًا على جدول زمني لسداد 41 مليون دولار متبقية قبل نهاية العام 2026، بما يضمن استمرار تدفقات الكهرباء وإمكان زيادة الكميات المصدّرة تدريجيًا.
وخلال عمليات إعادة تشغيل الشبكة، استعانت ليبيا بالكهرباء الواردة من مصر لإعادة شحن المحطات الرئيسية والبدء في استعادة التغذية تدريجيًا في مختلف المدن والمناطق.
تحركات عاجلة وصندوق الإعمار يدخل على الخط
وفجر أمس الثلاثاء، عقد مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، المهندس بالقاسم خليفة حفتر، اجتماعًا طارئًا مع اللجنة العليا لحل أزمة الكهرباء بحضور مسؤولي الإدارات في المنطقتين الشرقية والجنوبية ومدير محطة شمال بنغازي.
وشدد حفتر خلال الاجتماع على أن أزمة الكهرباء تمثل «أولوية قصوى» تمس حياة المواطنين مباشرة، موجّهًا بالبدء الفوري في تنفيذ الاحتياجات العاجلة وتوفير جميع المعدات والإمكانات اللازمة دون تأخير، مع إعداد قائمة بالأولويات ومتابعة يومية لسير التنفيذ، وعقد اجتماع تقييمي خلال أسبوع لمراجعة النتائج.
وأكد أن الهدف يتمثل في تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، إلى جانب وضع حلول استراتيجية تعزز استقرار الشبكة خلال موسمي الصيف والشتاء.
سباق مع الوقت لإصلاح الأعطال
كما تواصل فرق الشركة العامة للكهرباء العمل على مدار الساعة لإصلاح الأعطال وإعادة تشغيل المحطات والخطوط المتضررة في مختلف المناطق، على الرغم من الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
وأعلنت الشركة إعادة تشغيل محطة التحدي، وصيانة محطة الفروسية، وإعادة خط 11 ولي العهد إلى الخدمة، إضافة إلى إصلاح كوابل أرضية معطوبة قرب منطقتي البوعا وابن النفيس، وإعادة التغذية لمحطة الماية بعد انتهاء أعمال الصيانة.
وفي بنغازي، تمكنت الفرق الفنية من إعادة التيار إلى مناطق اللثامة وخلف محطة وقود بوكر وأرحبة العجيلات عقب إصلاح عطل مركب بمحطة اللثامة جهد 30 كيلوفولت بعد أعمال استمرت نحو 60 ساعة متواصلة.
كما تتواصل أعمال الصيانة في عين زارة بطرابلس لإصلاح الأضرار التي لحقت بمكونات الشبكة وإعادة التيار إلى الأحياء السكنية التي شهدت انقطاعات طويلة.
المواطن يدفع الثمن
وعلى الرغم من هذه التحركات، لا تزال معاناة المواطنين مستمرة، خصوصًا في مدينة بني وليد، حيث تجاوزت ساعات طرح الأحمال ست ساعات يوميًا، وفي بعض الأحيان تُقسَّم على فترتين.
ويقول المواطن محمد خير إن الانقطاعات الطويلة أثارت استياءً واسعًا بين السكان، بينما يؤكد المواطن علي البراني أن توقف أجهزة التكييف في ظل درجات حرارة تجاوزت 43 درجة مئوية تسبب في «شلل تام داخل المنازل» وزاد من معاناة المرضى وكبار السن.
كما شكا تجار المواد الغذائية واللحوم والأجبان من تلف بضائعهم بسبب الانقطاع المتكرر للتيار، مؤكدين أن المنتجات سريعة التلف تحتاج إلى تبريد مستمر، ما ألحق بهم خسائر مادية كبيرة.
ومع استمرار الأزمة، يضطر كثير من المواطنين وأصحاب المحال إلى اللجوء للمولدات الكهربائية كبديل، إلا أن ارتفاع أسعارها يجعلها خارج متناول شريحة واسعة من السكان.
اتهامات بالفساد وجدال مفتوح
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الجدل السياسي والإداري حول أسباب الأزمة، بعدما تحدث رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة عن وجود شبهات فساد داخل الشركة العامة للكهرباء، مطالبًا بفتح تحقيق على أعلى مستويات الدولة لكشف أوجه القصور وتحديد المسؤوليات.
في المقابل، تؤكد الشركة أن جذور الأزمة تتجاوز الجوانب الإدارية لتشمل نقص الوقود والغاز والتحديات الأمنية التي تؤثر في تشغيل المحطات واستقرار الشبكة.
هل تنتهي الحلقة المفرغة؟
بين شحنات الوقود الإضافية، وخط الربط المصري، والاجتماعات الطارئة، وفرق الصيانة المنتشرة في الشرق والغرب والجنوب، تبدو الدولة الليبية في سباق مع الوقت لمنع تكرار سيناريو الإظلام الشامل.
غير أن السؤال الذي يطرحه المواطنون يبقى أعمق من معالجة الأعطال اليومية: هل تنجح هذه الإجراءات في كسر الحلقة المفرغة لأزمة الكهرباء التي تتجدد مع كل صيف، أم أن الحلول ستظل مؤقتة في انتظار إصلاح جذري يضمن استقرار الخدمة في بلد يملك من الموارد ما يكفي لإنهاء هذه المعاناة منذ سنوات؟
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة