تمثل الأراضي الرطبة في ليبيا إحدى أهم الثروات الطبيعية التي ترتكز عليها منظومة التوازن البيئي في البلاد، إذ تؤدي أدوارًا تتجاوز كونها مسطحات مائية أو موائل للحياة البرية، لتصبح ركيزة للتنوع الحيوي، وموردًا اقتصاديًا، وخط دفاع طبيعيًا في مواجهة التغيرات البيئية والمناخية. إلا أن هذه المنظومة الحيوية تواجه في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة بفعل الضغوط البشرية والتغيرات المناخية وضعف تطبيق التشريعات، ما يثير مخاوف متنامية بشأن مستقبلها وانعكاسات تدهورها على البيئة والاقتصاد والمجتمع.
وتبرز أهمية هذه المناطق في كونها ملاذًا آمنًا لعشرات الأنواع من الطيور المهاجرة والمقيمة، وموطنًا لعدد كبير من الكائنات الحية والنباتات، فضلًا عن دورها في دعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها قضية تتجاوز البعد البيئي لتلامس الأمن الغذائي والتنمية المستدامة وحماية الموارد الوطنية.
وفقًا لاتفاقية رامسار الدولية، تشمل الأراضي الرطبة الأهوار والسبخات والمسطحات المائية الطبيعية والصناعية، سواء كانت دائمة أو مؤقتة، عذبة أو مالحة، راكدة أو جارية، إضافة إلى المناطق البحرية التي لا يتجاوز عمق مياهها ستة أمتار أثناء المد والجزر.
وصادقت ليبيا على الاتفاقية في الثالث عشر من يونيو عام 2000، في خطوة هدفت إلى إدماج حماية الأراضي الرطبة ضمن السياسات الوطنية، وتعزيز التعاون الدولي في إدارة هذه النظم البيئية وفق أسس علمية تضمن استدامتها.
وأولت الاتفاقية اهتمامًا خاصًا بالتنوع الحيوي في ليبيا باعتباره ثروة وطنية ذات قيمة استراتيجية، سواء بوصفه مصدرًا للغذاء والدواء أو باعتباره عنصرًا رئيسيًا في استقرار الأنظمة البيئية، كما أسهمت في تنفيذ عمليات حصر للمواقع الرطبة الليبية، وجمع البيانات المتعلقة بها، ودراسة خصائصها المائية والبيولوجية، وإنشاء قاعدة بيانات متخصصة تسهم في دعم خطط الحماية والإدارة.
ومن أبرز المواقع الليبية المدرجة ضمن الاتفاقية منطقتا عين الشقيقة وعين الزرقاء، اللتان تعدان من أوائل المواقع التي حظيت بالتسجيل الدولي لما تتمتعان به من أهمية بيئية استثنائية.
ولا تقتصر أهمية الأراضي الرطبة على دورها في المحافظة على التنوع الحيوي، بل تمتد لتشمل مساهمتها المباشرة في الاقتصاد الوطني من خلال توفير المياه والمواد الخام التي تدخل في عدد من الصناعات، إضافة إلى دعم قطاعي الزراعة والثروة السمكية.
وتعد هذه المناطق بيئات إنتاجية طبيعية تسهم في استدامة الموارد المائية، كما تشكل مصدرًا مهمًا لدعم إنتاج الأسماك والأنشطة الزراعية، فيما تستغل في عدد من دول العالم، وخاصة في آسيا، في زراعة الأرز، وهو ما يعكس الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي توفرها هذه النظم البيئية عند إدارتها بصورة مستدامة.
وتشير المعطيات البيئية إلى أن النباتات المنتشرة في الأراضي الرطبة تؤدي دورًا طبيعيًا في امتصاص الملوثات وتحسين جودة المياه والهواء، بما يعزز قدرة البيئة على مقاومة التلوث ويخفض الآثار السلبية للأنشطة البشرية.
وتحتل الأراضي الرطبة الليبية موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية على خارطة الهجرة العالمية للطيور، إذ تقع ليبيا على أحد أبرز مسارات الهجرة بين أوروبا وأفريقيا، ما يجعلها أول محطة رئيسية تستقبل الطيور بعد عبورها البحر الأبيض المتوسط.
وتوفر هذه المواقع للطيور المهاجرة الغذاء والمياه والمأوى، كما تشكل مناطق مناسبة للتعشيش والتكاثر خلال فصل الشتاء، إلى جانب احتضانها أعدادًا كبيرة من الحيوانات والحشرات التي تعتمد على هذه البيئات لاستمرار دورة حياتها.
وتختلف الخصائص البيئية لكل موقع رطب بحسب موقعه الجغرافي وطبيعته الهيدرولوجية، الأمر الذي يمنح كل منطقة قيمة علمية وبيئية خاصة، ويجعل فقدان أي منها خسارة يصعب تعويضها على مستوى المنظومة البيئية الوطنية.
ورغم الأهمية البيئية والاقتصادية الكبيرة لهذه المناطق، فإنها تواجه سلسلة من التهديدات المتزايدة، يأتي في مقدمتها الزحف العمراني غير المنظم، والاعتداءات البشرية المتمثلة في تصريف مياه الصرف الصحي وإلقاء المخلفات، إضافة إلى أعمال الردم والتجريف التي تؤدي إلى تغيير طبيعة هذه البيئات وتقليص مساحاتها.
وتتفاقم هذه التحديات مع تأثيرات التغيرات المناخية، التي تزيد من الضغوط الواقعة على الموارد المائية والأنظمة البيئية الحساسة، بما يهدد استمرارية العديد من المواقع الرطبة ويؤثر في الكائنات التي تعتمد عليها.
كما أدى ضعف تطبيق القوانين والتشريعات الخاصة بحماية الأراضي الرطبة إلى استمرار التعديات، الأمر الذي تسبب في تدهور عدد من المواقع وفقدان جانب من قيمتها البيئية والإيكولوجية.
ورغم وجود تشريعات تنظم حماية الأراضي الرطبة منذ عقود، فإن محدودية أداء الأجهزة التنفيذية، وضعف الرقابة الميدانية، وتراجع مستوى الوعي البيئي لدى المواطنين، ولا سيما القاطنين بالقرب من هذه المناطق، أسهمت جميعها في استمرار المخالفات البيئية واتساع نطاقها.
ويؤكد مختصون أن حماية الأراضي الرطبة لا تتطلب تشريعات جديدة بقدر ما تحتاج إلى تفعيل القوانين القائمة، وتعزيز قدرات الجهات الرقابية، وإطلاق برامج توعية مستمرة تبرز القيمة البيئية والاقتصادية لهذه المواقع، وتشجع المجتمعات المحلية على المشاركة في صونها.
ويرى خبراء البيئة أن فقدان الأراضي الرطبة لا يعني فقط تراجع التنوع الحيوي، بل يمثل خسارة لمورد طبيعي واستراتيجي يؤثر في قطاعات الاقتصاد والسياحة والمجتمع.
فهذه المناطق تعد مقصدًا لهواة مراقبة الطيور والسياحة البيئية، كما تعتمد عليها بعض المجتمعات المحلية في توفير الغذاء وممارسة أنشطة ترتبط بعاداتها وتقاليدها، بما يمنحها قيمة اجتماعية وثقافية إلى جانب قيمتها البيئية.
وفي ظل التحديات الراهنة، تبدو حماية الأراضي الرطبة في ليبيا ضرورة وطنية تتطلب تنسيقًا بين المؤسسات الحكومية والجهات البحثية والمجتمعات المحلية، لضمان استدامة هذه الثروة الطبيعية والحفاظ على دورها في دعم الاقتصاد الوطني وصون التنوع الحيوي وتعزيز مكانة ليبيا بوصفها إحدى أهم محطات الهجرة الطبيعية للطيور بين قارتي أوروبا وأفريقيا، بما يحفظ للأجيال القادمة جزءًا أصيلًا من الهوية الطبيعية والجغرافية للبلاد.
الأراضي الرطبة في ليبيا ثروة بيئية واقتصادية تواجه الإهمال والتعديات والتغيرات المناخية، وسط دعوات لتفعيل القوانين وحماية التنوع الحيوي والسياحة البيئية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤