آخر الأخبار

بطالة الشباب بين قيود التوظيف وتجميد التعليم الخاص.. إلى أين يتجه مستقبل ليبيا؟ - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

بطالة الشباب تتفاقم وحكومة الدبيبة تغلق أبواب التوظيف والتعليم الخاص

قرارات متزامنة تثير نقاشاً واسعاً

أعادت القرارات الأخيرة الصادرة عن حكومة عبد الحميد الدبيبة، منتهية الولاية، فتح نقاش واسع حول مستقبل الشباب الليبي، بعدما اتخذت الحكومة خلال أيام قليلة خطوتين متزامنتين تمثلتا في تقييد التعيينات الجديدة داخل القطاع العام، وإيقاف منح تراخيص جديدة لمؤسسات التعليم الخاص بصورة مؤقتة إلى حين مراجعة معايير الجودة ومعالجة المخالفات.

ورغم أن كل قرار يمكن النظر إليه منفرداً باعتباره جزءاً من عملية تنظيمية تستهدف ضبط الإنفاق العام وتحسين جودة التعليم، فإن تزامنهما في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية معقدة دفع مراقبين إلى التساؤل بشأن البدائل التي تطرحها الحكومة أمام جيل يواجه بالفعل تحديات غير مسبوقة في سوق العمل.

ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه اقتصادات العالم نحو الاستثمار المكثف في التقنيات الحديثة والطاقة والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي، مع التركيز على تأهيل الشباب لاكتساب المهارات التي تتناسب مع التحولات الاقتصادية العالمية، بينما يواجه الشباب الليبي واقعاً مختلفاً يتسم بارتفاع البطالة وضعف الفرص الإنتاجية.

مصدر الصورة بين بطالة المحسوبية وحلم الهجرة.. جيل ليبيا الضائع ينتظر

مؤشرات البطالة تكشف عمق الأزمة

تكشف أحدث البيانات الصادرة عن منظمة العمل الدولية أن معدل البطالة في ليبيا يبلغ نحو 18.8 بالمئة، بينما يقفز بين فئة الشباب إلى نحو 50.1 بالمئة، بما يعني أن واحداً من كل شابين داخل سوق العمل لا يجد فرصة عمل، وهو معدل يفوق بصورة كبيرة المتوسط العالمي الذي يدور حول 13 بالمئة.

ولا تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 29.6 بالمئة من الشباب الليبيين يوجدون خارج العمل والتعليم والتدريب في الوقت نفسه، بما يعكس اتساع شريحة الشباب الذين لا يمتلكون وظيفة، ولا يواصلون الدراسة، ولا يحصلون على تدريب يؤهلهم للاندماج في سوق العمل.

ويرى متابعون أن هذه الأرقام تضع ملف الشباب في صدارة الأولويات الوطنية، باعتباره ملفاً اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً وإنسانياً في آن واحد، إذ إن استمرار اتساع البطالة ينعكس بصورة مباشرة على مستويات الاستقرار والتنمية وفرص النمو.

مصدر الصورة خريجو الكليات والمعاهد النفطية يحتجون ضد البطالة، مطالبين بتوظيفهم في القطاع النفطي، وإيقاف توظيف غير المؤهلين، مع ضرورة التنسيق بين الجامعات وسوق العمل.

ضبط التوظيف أم غياب البدائل؟

وفي إطار سياسة ضبط الإنفاق، قررت الحكومة تقييد التعيينات الجديدة في القطاع العام وقصرها على الوظائف الشاغرة والمعتمدة وبعد الحصول على موافقة وزارة الخدمة المدنية.

ومن حيث المبدأ، يرى كثيرون أن وقف التوظيف العشوائي يمثل خطوة ضرورية لمعالجة التشوهات التي تراكمت طوال عقود، بعدما تحول القطاع العام إلى الملاذ الرئيسي للتوظيف على حساب الاقتصاد المنتج.

إلا أن الانتقادات تركز على أن القرار جاء دون إعلان رؤية متكاملة تفتح مسارات بديلة أمام الشباب الباحثين عن العمل، خصوصاً في ظل محدودية قدرة القطاع الخاص على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

وبحسب تقديرات رسمية، يعمل نحو 89 بالمئة من الليبيين في القطاع العام، وهو ما يعكس اعتماد الاقتصاد بصورة شبه كاملة على الوظيفة الحكومية، رغم أن هذا النموذج أثبت محدودية قدرته على خلق قيمة اقتصادية مستدامة.

مصدر الصورة
خريجو الكليات والمعاهد النفطية يحتجون ضد البطالة، مطالبين بتوظيفهم في القطاع النفطي، وإيقاف توظيف غير المؤهلين، مع ضرورة التنسيق بين الجامعات وسوق العمل.

فاتورة مرتبات ضخمة دون معالجة البطالة

وتبرز المفارقة بصورة أوضح عند النظر إلى هيكل الإنفاق العام، إذ أنفقت الدولة خلال عام 2025 نحو 73.3 مليار دينار على بند المرتبات، من إجمالي إنفاق معلن بلغ 136.8 مليار دينار، بما يعني أن أكثر من نصف الإنفاق العام اتجه إلى الأجور.

ورغم هذه المخصصات المالية الضخمة، لا يزال نحو نصف الشباب الليبي عاجزاً عن الحصول على فرصة عمل، وهو ما يثير تساؤلات حول كفاءة النموذج الاقتصادي القائم على تضخم الجهاز الإداري مقابل ضعف القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج يجعل الإنفاق الجاري يستهلك الجزء الأكبر من الموارد العامة دون أن يقود إلى خلق وظائف جديدة أو رفع الإنتاجية أو تنويع الاقتصاد.

التعليم بين الجودة والاستيعاب

وفي الملف التعليمي، قررت الحكومة وقف منح تراخيص جديدة للجامعات والمعاهد والمدارس الخاصة بصورة مؤقتة، مبررة القرار بالحاجة إلى مراجعة الجودة ومعالجة المخالفات.

ومن حيث المبدأ، يحظى تشديد الرقابة على المؤسسات التعليمية بتأييد واسع، خاصة بعد الانتقادات التي طالت بعض الجهات التي اتهمت بتحويل العملية التعليمية إلى نشاط تجاري يركز على منح الشهادات أكثر من بناء الكفاءات.

لكن في المقابل، يطرح القرار تساؤلات بشأن قدرة الجامعات الحكومية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، وآليات توفير بدائل تعليمية وتقنية ومهنية تواكب احتياجات الاقتصاد.

كما يلفت مختصون إلى أن المشكلة لا تكمن في عدد الجامعات فقط، وإنما في غياب الربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، حيث تتخرج أعداد كبيرة من الشباب في تخصصات لا تجد طلباً فعلياً، بينما تعاني السوق نقصاً واضحاً في الفنيين والمبرمجين والحرفيين وخبراء الطاقة والصيانة.

بناء الإنسان يتصدر أولويات التنمية في ليبيا الحديثة… إصلاح التعليم ضرورة استراتيجية لمواجهة تحديات سوق المستقبل

إصلاح يتجاوز إغلاق الأبواب

ويرى محللون أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على وقف التوظيف العشوائي أو تجميد منح التراخيص الجديدة، بل يبدأ من بناء اقتصاد قادر على توليد فرص العمل، وتوسيع دور القطاع الخاص، وربط منظومة التعليم باحتياجات السوق، وقياس نتائج برامج التدريب بعدد من التحقوا فعلياً بوظائف منتجة.

كما يشددون على أهمية إعداد خريطة وطنية واضحة تحدد التخصصات المطلوبة، وحجم الوظائف المستقبلية، ونسبة الخريجين العاملين في مجالات دراستهم، بما يساعد على توجيه السياسات التعليمية والاقتصادية بصورة أكثر فاعلية.

وفي هذا السياق، يرى منتقدون أن الحكومة اكتفت بإعلان ما سيتم إيقافه، دون تقديم رؤية واضحة لما سيتم بناؤه، وهو ما يضاعف حالة القلق لدى فئة الشباب التي تنتظر سياسات توفر فرصاً حقيقية للإنتاج والعمل بدلاً من الاعتماد المستمر على الوظيفة الحكومية.

مستقبل الشباب بين التحديات والإصلاح

وتبقى قضية البطالة في ليبيا واحدة من أكثر الملفات ارتباطاً بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، إذ إن معالجة الأزمة تتطلب انتقالاً من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الجاري والمرتبات إلى اقتصاد منتج يقوم على الاستثمار والمهارة والابتكار.

ويؤكد مراقبون أن التحدي لم يعد يتمثل في عدد قرارات وقف التعيين أو تجميد التراخيص، وإنما في قدرة الدولة على فتح مسارات جديدة تمنح الشباب فرصة لبناء مستقبلهم داخل وطنهم. فالشباب الليبي لا يبحث فقط عن وظيفة حكومية، بل عن اقتصاد يوفر عملاً منتجاً، وتعليماً مرتبطاً بالمهارة، وفرصاً تحقق الاستقرار والكرامة، وهي معايير ستظل المقياس الحقيقي لأي برنامج إصلاحي خلال المرحلة المقبلة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا