سلط موقع «ديكود 39» الإيطالي الضوء على المساعي التي تبذلها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، وإبرام اتفاق لتقاسم السلطة بين الفصائل في شرق البلاد وغربها، محذرا من أن هذه الخطوة قد تعني تهميش المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات، وتعزز نفوذ النخب السياسية القائمة على حساب التحول السياسي طويل الأمد.
وقال في تقرير، نشره الخميس، إن الإدارة الأميركية تراهن على أن التوصل إلى اتفاق بين القائد العام لقوات «القيادة العامة»، المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، يمكن أن يُنهي 15 عاما من الصراع والانقسام السياسي.
تفاؤل حذر
في حين يرى مؤيدو المبادرة أنها قد تسهم في توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة، يحذر آخرون من أن اتفاقا بين العائلات السياسية والعسكرية الأكثر نفوذا في البلاد قد يقوض المسار الانتخابي الذي تدعمه الأمم المتحدة، ويثير معارضة من الأطراف المستبعدة، ويكرس النظام السياسي الذي أبقى ليبيا منقسمة طيلة السنوات الماضية.
- قناة فرنسية: خطة بولس لإعادة توحيد ليبيا «مقامرة سياسية» محفوفة بالمخاطر
- تعيين جريمي برنت في منصب كبير مستشاري مسعد بولس للشؤون الليبية
- مركز أبحاث يفسر: لماذا التزمت بريطانيا الصمت تجاه المبادرة الأميركية بشأن ليبيا؟
كما تعكس هذه التحركات، بحسب التقرير، توجها أوسع لإدارة ترامب يقوم على الدبلوماسية القائمة على الصفقات، وتحقيق الاستقرار على المدى القصير.
تحركات بولس بين الشرق والغرب
خلال العام الماضي، أجرى كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، زيارات عدة بين معسكري الشرق والغرب في ليبيا. وبحسب المقترح المتداول، ستحتفظ عائلة الدبيبة برئاسة الحكومة، بينما تتولى عائلة حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، المؤلف من ثلاثة أعضاء.
وخلال أحدث جولاته، انتقل بولس من مالطا إلى مصراتة وطرابلس وبنغازي، حيث التقى الدبيبة وحفتر ومسؤولين ماليين ليبيين ووزير الداخلية، والممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه.
وقال في تصريحات صحفية سابقة: «الاتفاق، في حال نجاحه، يمكن توقيعه في واشنطن بحضور الرئيس دونالد ترامب»، إلا أن مصدرا أكد أنه لم يجر إعلان جدول زمني محدد لهذا التوقيع.
وجاءت هذه التحركات بعد لقاء وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في واشنطن نائب قائد قوات «القيادة العامة»، الفريق أول ركن صدام حفتر، وركز خلاله على توحيد القوات المسلحة الليبية، وتهيئة الظروف لتحقيق سلام دائم.
وخلال اللقاء، أكد روبيو أن «الولايات المتحدة ستواصل العمل مع القادة الليبيين والشركاء الدوليين، لدعم ليبيا أكثر سلاما ووحدة وازدهارا»، بينما قال صدام حفتر إنه أعرب عن تقديره جهود الرئيس ترامب في إحلال السلام، وتعزيز التعاون بين ليبيا والولايات المتحدة.
تناقض الطرح الأميركي
في حين تؤكد الإدارة الأميركية دعمها عملية سياسية يقودها الليبيون، وتقوم على التوافق من أجل الوصول إلى حكم موحد واستقرار مع مسار يقود إلى انتخابات وطنية ذات مصداقية، يلفت محللون ومراقبون إلى تناقض في هذا الطرح، معتبرين أن منح مركزي القوة الرئيسيين في ليبيا تقسيما رسميا للسلطة قد يُضعف المسار الموازي الذي تقوده الأمم المتحدة، ويقلل من حافزهما للتخلي عن السلطة عبر الانتخابات.
وقال المدير السابق لملف ليبيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، بن فيشمان: «الاتفاق سيقضي عمليا على خطة الأمم المتحدة»، مضيفا: «الأطراف المسيطرة ليست لديها مصلحة في التخلي عن السلطة، والمشكلة في ليبيا كانت دائما تتمثل في تمسك من يسيطرون على موارد الدولة بالسلطة والثروة».
كما حذر المسؤول السابق في البيت الأبيض لشؤون أفريقيا، كاميرون هدسون، من أن «اتفاقا لتقاسم السلطة بين القوى المهيمنة قد يُهمش العملية التي تقودها الأمم المتحدة، ويُكرس النخب الحالية بدلا من تمهيد الطريق أمام الانتخابات».
مؤيدون: العملية الأممية متعثرة
في المقابل، يشير مؤيدو المبادرة إلى أن المسار الذي تقوده الأمم المتحدة ظل متعثرا لسنوات، وأن الحكومة المتمركزة في طرابلس لم تنفذ المهمة الأساسية التي أوكلت إليها، المتمثلة في قيادة البلاد إلى الانتخابات التي كان مقررا إجراؤها بالعام 2021.
ونقل تقرير «ديكود 39» عن مصدر دبلوماسي من شمال أفريقيا، طلب عدم كشف هويته، أن «اتفاقا غير مثالي يبقى أفضل من استمرار حالة الجمود، وقد يمنح واشنطن شركاء أقوى في مكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي».
وأضاف: «السؤال الرئيسي يتمثل في ما إذا كان الاتفاق بين حفتر والدبيبة سيحقق الاستقرار أم سيقتصر على إعادة توزيع السلطة بين النخب الليبية الحالية؟»، محذرا من «أن الأطراف المستبعدة من الاتفاق قد تعارضه، وربما تُعيد فتح باب المواجهات المسلحة».
النفط ضمن الحسابات
في سياق آخر، يلعب قطاع الطاقة دورا حيويا في المعادلة، بحسب التقرير الإيطالي، إذ تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، بينما وسعت الشركات الأميركية حضورها في السوق الليبية خلال العام الماضي.
غير أن تقرير «ديكود 39» تساءل عما إذا كانت هذه المفاوضات تعكس نمطا أوسع في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، يقوم على الجمع بين التسويات الدبلوماسية في مناطق النزاعات وتأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية ذات الأهمية الاستراتيجية.
ونقل عن ناشط ليبي قوله: «هذه المبادرة تحمل جميع سمات الصفقات التي ينتهجها ترامب»، مضيفا: «واشنطن تراهن على أن التوصل إلى اتفاق بين أقوى مراكز النفوذ المتنافسة في ليبيا قد يحقق توحيد مؤسسات الدولة، وهو ما عجزت سنوات من الجهود الدبلوماسية التي قادتها الأمم المتحدة عن تحقيقه، إلا أن هذا المسار قد يؤدي إلى إنهاء الانقسام المؤسسي عبر ترسيخ نفوذ الأطراف المسيطرة حاليا، بما يوفر استقرارا على المدى القصير على حساب التحول السياسي الطويل الأمد».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة