يشهد المشهد السياسي الليبي حراكًا متسارعًا مع استمرار المشاورات المتعلقة بعمل لجنة “4+4” والملفات المرتبطة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية، وسط تزايد الدعوات إلى إنهاء الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة التنفيذية، بالتوازي مع تصاعد التحذيرات من استمرار المرحلة الانتقالية أو إعادة إنتاجها عبر تسويات لا تحقق الاستقرار المنشود.
وفي هذا السياق، أكد عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي أن مجلس النواب يمنح أولوية كبيرة للتوافق بشأن رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية، باعتبار أن هذه الملفات تمثل مدخلًا رئيسيًا لإنهاء الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وأوضح العرفي أن تأجيل اختيار رئيس المفوضية واعتماد آلية جديدة يعكسان، بحسب تقديره، وجود أطراف تعمل على عرقلة التوافقات التي تسعى إليها لجنة “4+4”، بما يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة السياسية، مضيفًا أن محاولات إثارة الفوضى، سواء في المشهد السياسي أو على المستوى العسكري في الجنوب، تصب في اتجاه استمرار حالة عدم الاستقرار.
وأشار الجهاني إلى أن اللجنة قد تتحول في نهاية المطاف إلى مظلة توافقية تجمع مختلف الأطراف الليبية، مؤكدًا ضرورة تحقيق الحد الأدنى من الأهداف الوطنية المتمثلة في بناء دولة ليبية موحدة وديمقراطية ومستقرة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل حراك سياسي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بهدف كسر حالة الجمود السياسي عبر صيغة تفاوضية مصغرة تعالج الملفات الخلافية المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وأضاف أوحيدة أن المرحلة الحالية تتطلب إنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى تستعيد ليبيا وحدتها واستقرارها وأمنها وهيبتها، داعيًا إلى قيام سلطة موحدة تتحمل مسؤولياتها أمام الداخل والخارج.
كما أرجع أوحيدة جذور الأزمة إلى المسارات التي أعقبت أحداث فبراير، معتبرًا أن البلاد كان يمكن أن تتجه إلى خيارات أخرى، من بينها تفعيل الدستور المعطل أو إجراء استفتاء عليه وعلى نظام الحكم وشكل الدولة، بدلًا من استمرار حالة الانقسام.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه الأصوات السياسية التي تنظر بإيجابية إلى المبادرات الدولية القابلة للتنفيذ، شريطة أن تسهم في إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، مع استمرار الانتقادات الموجهة إلى أداء حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي يعتبرها مجلس النواب منتهية الولاية، في ظل استمرار الخلافات بشأن شرعيتها السياسية.
وفي جانب متصل، شدد عضو مجلس النواب محمد عامر العباني على أن قوة القانون لا تكمن في النصوص وحدها، وإنما في عدالة إنفاذها وحسن تطبيقها.
وأكد العباني أن الجميع يجب أن يكونوا سواء أمام القانون، موضحًا أن غياب التنفيذ يحول النصوص القانونية إلى مجرد حبر على ورق، وأن مشروعية إنفاذ القانون تستند إلى العدل والإنصاف واحترام سيادة القانون باعتباره المرجعية العليا للدولة.
محمد العباني، عضو مجلس النواببدوره، أوضح المهندس محمد المزوغي، المرشح لرئاسة الحكومة الليبية الموحدة، أن تشكيل حكومة جديدة لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لإنهاء الانقسام واستعادة مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن الهدف يتمثل في إنشاء سلطة تنفيذية موحدة تمتلك الشرعية والقدرة على توحيد المؤسسات وإطلاق برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي والخدمي ومعالجة الأزمات التي أثقلت كاهل المواطنين، إلى جانب تهيئة الظروف لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة يختار خلالها الليبيون قيادتهم بإرادتهم.
المزوغي يشكك في جدوى تحركات المبعوث الأمريكي مسعد بولسومن داخل لجنة الحوار المهيكل، أكدت الدكتورة منال أبوعميد أن تأجيل حسم الملفات الخلافية داخل لجنة “4+4” يثبت أن الاتفاقات الجزئية لا يمكن أن تكون بديلًا عن رؤية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة.
ورأت أن استمرار الخلاف بشأن رئاسة المفوضية وآليات الاختيار يعكس غياب التوافق الوطني الجامع، مؤكدة أن الحوار المهيكل أنتج توصيات تناولت توحيد المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، واستقلال المؤسسات السيادية، وتهيئة البيئة القانونية والسياسية للانتخابات.
وجددت دعوتها إلى الالتزام بتنفيذ مخرجات الحوار المهيكل باعتبارها مرجعية وطنية، محذرة من استبدالها بمسارات مؤقتة أو تفاهمات جزئية تؤدي إلى تأجيل الحل بدلًا من إنجازه، مؤكدة أن ليبيا تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.
عضو لجنة الحوار المهيكل، منال أبوعميد،من جانبه، طرح عضو لجنة الحوار المهيكل مصطفى البحباح رؤية تركز على البعد الفكري لبناء الدولة، معتبرًا أن الأزمة الليبية لا ترتبط بالأشخاص بقدر ارتباطها بالفكرة التي تقوم عليها السلطة.
وأكد أن المواطنة تمثل الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه الدولة الحديثة، باعتبارها عقدًا أخلاقيًا وقانونيًا يجعل الحقوق والواجبات قائمة على الانتماء للوطن وليس على الانتماءات الضيقة.
كما حذر البحباح من استمرار تغليب منطق القوة والسلاح والولاءات على المؤسسات، معتبرًا أن الدولة لا يمكن أن تُحتكر، وإنما تنهار عندما يحاول أي طرف امتلاكها.
وفي سياق آخر، أعرب البحباح عن تحفظه إزاء ما وصفه بالتسريبات المتعلقة بتوسيع صلاحيات لجنة “4+4”، معتبرًا أن اللجنة أُنشئت بتفويض محدد يتعلق باستكمال تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة الخلافات في القوانين الانتخابية، وأن توسيع اختصاصها ليشمل إعادة تشكيل السلطة التنفيذية يمثل، بحسب رأيه، تجاوزًا لتفويضها الأصلي.
كما رأى أن تجاوز مخرجات الحوار المهيكل يهدر أشهرًا من العمل الوطني، داعيًا إلى الالتزام بما وصفه بالمرجعيات الوطنية، ومقترحًا أن تكون أي حكومة انتقالية حكومة مصغرة محددة المهام والزمن والميزانية، مهمتها الأساسية تهيئة البلاد للانتخابات دون الدخول في التزامات طويلة الأجل.
البحباح: وثيقة المجالس الثلاثة محاولة لإطالة عمر السلطةوفي السياق ذاته، اعتبر المحلل السياسي عمر بوأسعيدة أن تأجيل توقيع الاتفاق لا يمثل إنجازًا دبلوماسيًا، بل يعكس وجود أزمة حقيقية لدى أحد أطراف الحوار.
وأضاف أن استخدام تعبير “التأجيل” يخفي، بحسب رأيه، عدم جاهزية أحد الأطراف للتوصل إلى اتفاق أو افتقاره إلى القدرة على اتخاذ القرار، مؤكدًا أن نجاح أي حوار يتطلب وجود شركاء يمتلكون قرارًا موحدًا.
ودعا بوأسعيدة بعثة الأمم المتحدة إلى قدر أكبر من الشفافية والوضوح، مشددًا على أن من حق الليبيين معرفة الجهات التي التزمت بالحوار وتلك التي عطلت التوافق، معتبرًا أن تسمية المعرقلين، متى توفرت الأدلة، تمثل خطوة ضرورية لحماية أي مسار سياسي من التعطيل، بينما يؤدي الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية العامة إلى إطالة الأزمة.
وفي المجمل، تعكس هذه المواقف تنوع الرؤى بشأن مستقبل العملية السياسية في ليبيا، لكنها تتقاطع عند أهمية إنهاء الانقسام، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية. كما يظهر دعم عدد من الشخصيات السياسية للمبادرة التي يقودها مسعد بولس باعتبارها فرصة يمكن البناء عليها إذا أسهمت في تحقيق تسوية عملية، بالتوازي مع استمرار المطالبات بإنجاز توافقات وطنية تحافظ على وحدة الدولة وتضمن انتقالًا سياسيًا مستقرًا.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤