آخر الأخبار

«الدولية للحقوقيين» تطرح خريطة طريق لإنهاء انقسام السلطة القضائية في ليبيا

شارك
مصدر الصورة
اجتماع الجمعية العمومية للمحكمة العليا في طرابلس، الأربعاء 31 ديسمبر 2025 بشأن تصرحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ضد المحكمة ورئيسها. (صورة مركبة: بوابة الوسط)

سلطت ورقة بحثية أعدتها اللجنة الدولية للحقوقيين الضوء على أزمة السلطة القضائية في ليبيا وتأثيراتها في سيادة القانون وحقوق الإنسان، مشيرةً إلى أن سلسلة القوانين الصادرة عن مجلس النواب بشأن تنظيم السلطة القضائية باتت «تقوض وحدة القضاء الليبي واستقلاليته»، في ضوء مساعي المجلس لإحكام السيطرة على هذه السلطة في خضم الأزمة السياسية المستمرة منذ العام 2011. كما قدمت الورقة خريطة طريق متضمنة عدة توصيات لمعالجة انقسام السلطة القضائية.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وتجيب الورقة البحثية، التي اطلعت عليها «بوابة الوسط» اليوم الأربعاء، عن أسباب تنافس هيئتي القضاء الدستوري والمجلس الأعلى للقضاء، كما تسلط الضوء على كيفية تقويض تدخل مجلس النواب في استقلال السلطة القضائية لالتزامات ليبيا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وكيف يؤدي انقسام السلطة القضائية الليبية إلى تقويض سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان، وذلك بعد استعراض تسلسلي لمسار أزمة السلطة القضائية المتصاعد منذ العام 2014.

لماذا تتنافس هيئتان قضائيتان دستوريتان في ليبيا؟
ونتيجة لإجراءات مجلس النواب، باتت تتنافس في ليبيا حاليًا هيئتان قضائيتان دستوريتان، هما الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، والمحكمة الدستورية العليا في بنغازي، التي استهلت أعمالها في ديسمبر 2025. وتسعى كل منهما إلى تأكيد ولايتها الدستورية المنفردة والحصرية على مستوى ليبيا على حساب الأخرى، مما أفضى إلى تضارب الأحكام الصادرة عنهما. وفي الوقت ذاته، يتنافس مجلسان أعلى للقضاء للإشراف على القضاء الليبي، بما في ذلك المقر الرئيس للمجلس الأعلى للقضاء.

وقال مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين، سعيد بنعربية: «إن قوانين مجلس النواب المتعلقة بالمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية العليا تنتهك التزامات ليبيا بموجب القانون الدولي، وتفضي إلى حالة من انعدام اليقين القانوني، إن لم تكن الفوضى القانونية، مما يعرض حماية حقوق الإنسان في البلاد لخطر متصاعد، ويُضعف ما تبقى من مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، ويهدد سلامة أي ترتيبات انتخابية أو دستورية مستقبلية».

وأضاف: «يتعين على السلطات الليبية صون استقلال المحكمة العليا ووحدتها، بما في ذلك دائرتها الدستورية، والمجلس الأعلى للقضاء المستقل وحمايتهما».

- مجلس الدولة يرفض أي محاولة للوساطة أو التأثير على اختصاصات السلطة القضائية
- «الأعلى للقضاء» يحذر من محاولات المساس بوحدة السلطة القضائية: أغراض سياسية وشخصية
- جريدة «الوسط»: خلاف القضاء و«النواب» يدشن عاماً جديداً للأزمة الليبية
- المحكمة العليا: عقيلة يهدم ركن العدالة وقد يجر البلاد إلى مخاطر الفوضى القانونية والتسلط واللاشرعية
- تكالة: يجب الحفاظ على وحدة السلطة القضائية

وترى الورقة أن مجلس النواب سعى خلال العام 2022 إلى إعادة تشكيل المحكمة العليا في محاولة لإحكام السيطرة عليها وصلاحياتها في مجال الرقابة الدستورية، من خلال تعيين عدد كبير من القضاة الجدد، لافتةً إلى أن «هذه التعيينات أفضت إلى تمكين أغلبية من القضاة من عرقلة، لفترة من الزمن، الجهود الرامية داخل المحكمة العليا إلى إعادة تفعيل صلاحيات الدائرة الدستورية في مراجعة دستورية القوانين، وهي الصلاحيات التي كانت معلقة منذ أكتوبر 2016».

وأنهت الجمعية العمومية للمحكمة العليا، في 18 أغسطس 2022، تعليق صلاحيات الدائرة الدستورية في مجال الرقابة الدستورية، في خطوة أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حينها عن أملها في أن تسهم في تسوية النزاعات المتعلقة بمشروعية القرارات الصادرة عن المؤسسات الليبية.

ورأت اللجنة الدولية للحقوقيين أن قيام مجلس النواب بإنشاء المحكمة الدستورية العليا في بنغازي، بموجب القانون رقم (5) لسنة 2023، كان بمثابة «استراتيجية جديدة للسيطرة على صلاحيات الرقابة الدستورية». ومن خلال هذا القانون، انفرد مجلس النواب بتعيين القضاة الـ13 للمحكمة في بنغازي وتفعيلها، على الرغم من أن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا أبطلت القانون مرتين، في 5 مارس 2023 و31 مايو 2023، على التوالي، استنادًا إلى عدة أسباب، من بينها أن مجلس النواب لا يملك صلاحية إنشاء هيئة قضائية دستورية. واستنادًا إلى تلك الأحكام، واصلت الدائرة الدستورية ممارسة عملها.

لماذا تتنافس هيئتان تؤديان دور المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا؟
كما سلطت اللجنة الدولية للحقوقيين الضوء على دور مجلس النواب في السيطرة على المجلس الأعلى للقضاء، على غرار سيطرته على صلاحيات الرقابة الدستورية، إذ شرع المجلس في اتخاذ خطوات عملية لإحكام سيطرته على المجلس الأعلى للقضاء واستبعاد أي تأثير للمحكمة العليا داخله، من خلال القانون رقم (11) لسنة 2021، الذي نص على تعيين رئيس التفتيش على الهيئات القضائية، بدلًا من رئيس المحكمة العليا، رئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء تلقائيًا، وتعيين النائب العام، بدلًا من رئيس التفتيش على الهيئات القضائية، نائبًا لرئيس المجلس تلقائيًا. كما أصدر القانون رقم (22) لسنة 2023، الذي نص على أن يتولى مجلس النواب تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وأن يكون النائب العام الليبي نائبًا لرئيس المجلس تلقائيًا.

ولفتت الورقة البحثية إلى أن هذه الإجراءات أبطلتها الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، بينما أيدتها المحكمة الدستورية العليا في بنغازي، ما دفع رئيس المحكمة العليا والرئيس السابق للمجلس الأعلى للقضاء، عبدالله بورزيزة، إلى العودة لرئاسة المجلس والسيطرة على مقره في طرابلس استنادًا إلى حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، في حين أصر رئيس التفتيش على الهيئات القضائية، الرئيس المعين من مجلس النواب لرئاسة المجلس الأعلى للقضاء، مفتاح القوي، على التمسك بمنصبه استنادًا إلى حكم المحكمة الدستورية العليا في بنغازي، حيث نقل أعماله إلى المدينة.

كيف قوض مجلس النواب استقلال القضاء؟
رأت اللجنة الدولية للحقوقيين أن دور مجلس النواب في اختيار وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وتعيين قضاة المحكمة العليا، بمن فيهم قضاة الدائرة الدستورية، «لا يتوافق مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية»، مؤكدة أن القوانين المختلفة الصادرة عن مجلس النواب بشأن السلطة القضائية في ليبيا «غيرت تركيبة المجلس الأعلى للقضاء إلى حد جعلها متعارضة مع الالتزامات القانونية لليبيا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان».

انقسام القضاء يقوض سيادة القانون وحقوق الإنسان في ليبيا
كما رأت اللجنة أن الأحكام بعدم دستورية القوانين الصادرة عن مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام، التي قضت بها المحكمة الدستورية العليا في بنغازي والدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، «تفرض حالة من الفوضى القانونية يمكن أن تهدد حقوق الإنسان، إذ يصبح الأفراد غير قادرين على معرفة القوانين الواجبة التطبيق عليهم على وجه اليقين، ومتى وأين تُطبق».

ولفتت إلى أنه «في ظل غياب أطر قانونية واضحة، فإن مباشرة الإجراءات القضائية وتنفيذ الأحكام القضائية تخضع بدورها للتعسف السياسي بدلًا من إقامة العدل بصورة عادلة، الأمر الذي يقوض الثقة العامة في السلطة القضائية الليبية»، فضلًا عن التأثير في الفرص السانحة لإجراء الانتخابات.

وأضافت أن انقسام السلطة القضائية «سيؤدي إلى إضعاف حماية حقوق الإنسان إلى حد بعيد، إن لم يؤد إلى تقويضها بالكامل، بما في ذلك الحقوق التي يكفلها مبدأ الشرعية، والحق في محاكمة عادلة، والحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وهو ما يتنافى مع سيادة القانون ويقوضها».

خريطة طريق لإنهاء انقسام السلطة القضائية في ليبيا
وقدمت اللجنة الدولية للحقوقيين، في ختام الورقة البحثية، خريطة طريق متضمنة عدة توصيات لمعالجة انقسام السلطة القضائية، دعت من خلالها السلطات الليبية إلى القيام بالخطوات الآتية:
- إلغاء القوانين الصادرة عن مجلس النواب بشأن المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية العليا، وإبطال جميع الآثار القانونية المترتبة عليها.
- ضمان صياغة أي ترتيبات تشريعية تتعلق بالسلطة القضائية خلال المرحلة الانتقالية في سياق عملية شفافة وشاملة تعكس آراء جميع أصحاب المصلحة المعنيين في مختلف أنحاء ليبيا، بمن فيهم القضاة أنفسهم وسائر ممثلي المجتمع القانوني، بما يكفل ما يلي:
أ) حماية استقلال السلطة القضائية الليبية ووحدتها، تحت مظلة المحكمة العليا، بما في ذلك دائرتها الدستورية، وبإشراف مجلس أعلى للقضاء مستقل.
ب) التأكيد بصورة لا لبس فيها على أن قرارات الدائرة الدستورية نهائية وغير قابلة لأي شكل من أشكال المراجعة أو الطعن، وأنها ملزمة لجميع السلطات العامة وواجبة التنفيذ.
ج) ضمان أن يمتد اختصاص الدائرة الدستورية في الرقابة ليشمل جميع التدابير الدستورية والتشريعية والقضائية والانتخابية المتخذة خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين اعتماد دستور جديد.
د) إصلاح الإطار التشريعي المنظم للمجلس الأعلى للقضاء، وضمان أن يكون المجلس:
1. مستقلًا عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما في ذلك من خلال تعديل تركيبته.
2. أن تكون أغلبية أعضائه من أهل المهن القانونية، وأن يُنتخبوا من قبل القضاة.
3. أن يكون تعدديًا ويعكس التنوع الذي يميز المجتمع الليبي، بما في ذلك مختلف مكوناته الجهوية والإثنية، مع ضمان تمثيل عادل للنساء.
4. أن يكون محصنًا ضد الشلل المؤسسي من خلال اعتماد آليات فعالة لتجاوز أي حالة جمود.
5. مختصًا بالبت في جميع المسائل المتعلقة بالمسار المهني للقضاة، ومخولًا بحماية استقلال السلطة القضائية.

هـ) ضمان استقلال المحكمة العليا، بوصفها مؤسسة، واستقلال قضاتها على نحو فردي، وتحقيقًا لذلك إلغاء أي صلاحيات مخولة للسلطة التشريعية لتعيين أعضائها مباشرة، وضمان أمنهم الوظيفي وآليات مساءلة عادلة.
و) ضمان تخويل مجلس أعلى للقضاء مستقل ومؤهل صلاحية فحص المرشحين واختيارهم، أو تقديم توصيات ملزمة بشأن تعيين قضاة المحكمة العليا، بما في ذلك الدائرة الدستورية، على أن تلتزم السلطتان التشريعية والتنفيذية بهذه التوصيات في الممارسة العملية.
ز) النص على ضمانات تقتضي أن تكون إجراءات المجلس الأعلى للقضاء شفافة ومفتوحة وعادلة وغير تمييزية، وأن تستند قراراته إلى إجراءات ومعايير موضوعية وواضحة وشفافة، وأن تكون خاضعة لرقابة المجتمع المدني، بما يكفل عدم تأثر إجراءات الاختيار بأي اعتبارات سياسية.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا