آخر الأخبار

شبكة «عين ليبيا» تكشف خفايا التلاعب بالهوية.. كيف تحولت منظومات الدولة إلى مخزن للفساد؟

شارك

في وقت تتزايد فيه المخاوف من تنامي مخاطر الفساد الإداري والتلاعب بالوثائق الرسمية والمنظومات الرقمية في ليبيا، تبرز قضايا تزوير المستندات والعبث بالبيانات الشخصية باعتبارها من الملفات التي تمس جوهر عمل مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين. فمع التحول الرقمي وتزايد الاعتماد على قواعد البيانات الحكومية، لم تعد الجرائم المرتبطة بالهوية القانونية مقتصرة على تزوير محررات ورقية، بل امتدت إلى استهداف منظومات حساسة تقوم عليها الحقوق والالتزامات القانونية، ما يفرض تحديات جديدة تتطلب تطوير التشريعات وتعزيز الرقابة وبناء منظومة حماية متكاملة للبيانات السيادية.

وقال أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، الدكتور مجدي الشبعاني، في تصريح لشبكة عين ليبيا، إنه لا يمكن علمياً الجزم بأن ليبيا أمام ظاهرة متنامية بمجرد تكرار الإعلان عن قضايا التزوير، موضحاً أن ذلك يحتاج إلى الاستناد إلى إحصاءات جنائية دقيقة تكشف اتجاهات هذه الجرائم عبر الزمن.

وأضاف أن تكرار الكشف عن وقائع تمس المستندات الرسمية والبيانات الشخصية، خصوصاً تلك المرتبطة بمنظومات الدولة الحساسة، يمثل مؤشراً يستوجب أعلى درجات اليقظة، مشيراً إلى أن طبيعة هذه الجرائم تغيرت، إذ لم تعد تقتصر على تزوير محرر رسمي أو انتحال بيانات شخص معين، وإنما امتدت في بعض الحالات إلى استهداف قواعد البيانات والمنظومات الرقمية التي تُدار من خلالها حقوق المواطنين والتزاماتهم القانونية.

وأكد الشبعاني أن خطورة هذه الجرائم لا تكمن فقط في عددها، وإنما في طبيعتها، لأنها تمس ما وصفه بـ”البيانات السيادية للدولة”، وهي البيانات التي تقوم عليها الهوية القانونية للمواطن، وتُبنى عليها القرارات الإدارية والمالية والقضائية والأمنية.

وأوضح أن الاعتداء على هذه البيانات لا يمثل مجرد مخالفة جنائية، بل يشكل تهديداً لمبدأ المشروعية، ولليقين القانوني، ولقدرة الدولة على إدارة مرافقها العامة بكفاءة وعدالة، باعتبار أن المساس بها ينتقل من الاعتداء على فرد إلى الاعتداء على الثقة العامة في مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن منظومات مثل السجل المدني والرقم الوطني تمثل البنية الأساسية للهوية القانونية للدولة والمواطن في آن واحد، موضحاً أن الرقم الوطني ليس مجرد رقم إداري، وإنما هو المفتاح الذي ترتبط به الشخصية القانونية للفرد وما يتصل بها من حقوق مدنية وسياسية ومالية واجتماعية.

ولفت إلى أن قانون الرقم الوطني الليبي رقم (8) لسنة 2014 نظم هذا النظام باعتباره المرجع الوطني للبيانات الأساسية للمواطن، محذراً من أن العبث بهذه البيانات قد يؤدي إلى منح حقوق لغير مستحقيها، أو حرمان أصحاب الحقوق منها، أو صرف أموال عامة بغير وجه حق، أو استخراج وثائق رسمية مزورة، أو التأثير في قواعد الناخبين، أو استغلال المعلومات في جرائم غسل الأموال والهجرة غير المشروعة والجريمة المنظمة.

وأكد الشبعاني أن حماية السجل المدني والرقم الوطني لم تعد مسألة إدارية فقط، بل أصبحت جزءاً من حماية الأمن القومي والسيادة الرقمية والثقة العامة في الدولة ومؤسساتها.

وفيما يتعلق بمدى كفاية التشريعات الليبية الحالية لمواجهة جرائم التزوير والفساد الإداري، أوضح الشبعاني أن المشكلة الرئيسية لا تكمن في نقص التجريم، مشيراً إلى أن القانون الليبي يتضمن نصوصاً تجرّم تزوير المحررات الرسمية واستعمالها، وتشدد العقوبة إذا ارتبطت الجريمة بالوظيفة العامة.

لكنه أوضح أن التحدي الحقيقي يتمثل في أن كثيراً من هذه النصوص صيغت في مرحلة كانت الجرائم فيها مرتبطة بالمحررات الورقية، بينما أصبح الواقع اليوم يشهد جرائم ترتكب داخل قواعد البيانات والمنظومات الإلكترونية، أو من خلال إساءة استخدام الصلاحيات الرقمية.

وشدد على الحاجة إلى تطوير تشريعي نوعي لا يقتصر على زيادة العقوبات، وإنما يشمل وضع نصوص خاصة بحماية البيانات السيادية للدولة، وتجريم العبث بقواعد البيانات الحكومية، وتشديد العقوبات إذا تعلق الأمر بالسجل المدني أو الرقم الوطني أو الوثائق السيادية، إضافة إلى تقرير مسؤولية جنائية عن إساءة استعمال الصلاحيات الإلكترونية والتواطؤ الإداري الذي يسهل ارتكاب هذه الجرائم.

وأشار إلى أن الردع الحقيقي لا يتحقق بالعقوبة وحدها، وإنما بسرعة اكتشاف الجريمة، وكفاءة التحقيق فيها، وسرعة الفصل القضائي، وضمان تنفيذ الأحكام.

وبيّن الشبعاني أن الجرائم المرتبطة بالتلاعب في منظومات الدولة لا تنتج عادة عن سبب واحد، وإنما عن اجتماع عدة عوامل، من بينها ضعف الرقابة الداخلية، وقصور الفصل بين صلاحيات إدخال البيانات واعتمادها ومراجعتها، وغياب أنظمة التدقيق الإلكتروني، ومنح موظف واحد صلاحيات واسعة دون رقابة لاحقة.

وأضاف أن ضعف الحوكمة الرقمية، وعدم تكامل قواعد البيانات، والاعتماد على الإجراءات الورقية، وقصور الأمن السيبراني، كلها عوامل تهيئ بيئة تسمح بارتكاب هذه الجرائم.

وأوضح أن الموظف الذي يستطيع منفرداً تعديل بيانات سيادية دون مراجعة مستقلة لا يمثل مجرد مخالفة فردية، وإنما يكشف عن خلل في تصميم الإجراءات الإدارية ذاتها، مؤكداً أن القضية في جوهرها ليست قضية موظف فاسد فقط، بل قضية منظومة تحتاج إلى إعادة بناء وفق معايير الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر.

وأكد أستاذ القانون العام المساعد أن استقلال الأجهزة الرقابية والقضائية يمثل الضمانة الأساسية لحماية سيادة القانون، مشيراً إلى أن هذا الاستقلال لا يتحقق بالنصوص وحدها، وإنما بتوفير ضمانات عملية تمكن هذه الأجهزة من أداء دورها دون تأثير أو تدخل.

ودعا إلى إنشاء وحدات متخصصة في الجرائم المرتبطة بالبيانات الحكومية والهوية الرقمية، تضم خبراء في الأدلة الرقمية والأمن السيبراني والمراجعة المالية إلى جانب أعضاء النيابة العامة، مع ضرورة حماية المبلغين وتطوير آليات تبادل المعلومات بين الجهات الرقابية.

وشدد على أهمية عدم قصر المسؤولية على المنفذ المباشر للجريمة فقط، بل مساءلة كل من أصدر التعليمات أو سهّل ارتكاب الجريمة أو تستر عليها أو انتفع منها، مؤكداً أن العدالة الحقيقية لا تكتفي بمحاسبة الحلقة الأضعف وإنما تمتد إلى جميع حلقات القرار الإداري.

وفي حديثه عن دور الأحكام القضائية في الحد من هذه الجرائم، أوضح الشبعاني أن الأحكام الرادعة ضرورة لا غنى عنها لأنها تؤكد سيادة القانون وتعيد الثقة في مؤسسات العدالة، لكنه أكد في الوقت ذاته أن السياسة الجنائية الحديثة تجاوزت فكرة الاقتصار على العقاب بعد وقوع الجريمة، وأصبحت تقوم على إدارة المخاطر والوقاية منها.

وأكد أن الدولة لا تقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرتها على منع وقوع الجريمة من الأساس، داعياً إلى بناء منظومة وقائية تقوم على التدقيق المستمر، وتحليل المخاطر، وتقييد الصلاحيات الإلكترونية، والرقابة المزدوجة، والتوقيع الإلكتروني، وربط كل تعديل داخل المنظومة بهوية الموظف الذي قام به، مع إخطار المواطن بأي تعديل يطرأ على بياناته.

وأوضح أن التحول الرقمي يمثل، إذا أُحسن تطبيقه، أحد أهم أدوات مكافحة الفساد والتزوير في الدولة الحديثة، لكنه لا يعني مجرد استبدال الورق بالحاسب الآلي، وإنما إعادة تصميم الإجراءات الإدارية وفق معايير الأمن السيبراني والحوكمة الرقمية.

وأشار إلى أن ربط قواعد البيانات الحكومية، واعتماد التحقق البيومتري، والتوقيع الإلكتروني، وسجلات التدقيق غير القابلة للتعديل، كلها أدوات تقلل من فرص التلاعب وتزيد من سرعة اكتشافه، مع ضرورة أن يتم هذا الربط ضمن إطار تشريعي وتقني يحمي الخصوصية ويؤمن البيانات السيادية للدولة ويمنع إساءة استخدامها.

وحول كثرة الضبطيات والتحقيقات الأخيرة، قال الشبعاني إن القضية لا تكمن في عدد القضايا التي يتم الإعلان عنها، وإنما في الرسالة التي تحملها هذه القضايا، موضحاً أن كل قضية يتم كشفها تمثل من جهة نجاحاً لأجهزة إنفاذ القانون في الوصول إلى المخالفات، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن ثغرة كانت موجودة داخل المنظومة قبل اكتشافها.

وأكد أن نجاح الدولة لا يقاس بعدد المقبوض عليهم أو الأحكام الصادرة فقط، وإنما بقدرتها على تحويل كل قضية فساد إلى مشروع إصلاح مؤسسي يعالج الأسباب التي سمحت بوقوعها، ويغلق الثغرات التي استُغلت، ويعيد بناء الإجراءات وفق معايير الحوكمة والشفافية.

واختتم الشبعاني بالتأكيد على أن الدولة الحديثة لا تُحمى بالعقوبات وحدها، وإنما بمؤسسات قوية، ومنظومات رقمية مؤمنة، ورقابة فعالة، وقضاء مستقل، وتشريعات مواكبة للتطور التقني، مشدداً على أن تحويل نتائج التحقيقات إلى إصلاحات هيكلية دائمة من شأنه تعزيز ثقة المواطن في دولته، وترسيخ سيادة القانون، وحماية أحد أهم مقومات الأمن الوطني، وهو سلامة البيانات السيادية للدولة.

آخر تحديث: 13 يوليو 2026 - 14:55
عين ليبيا المصدر: عين ليبيا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا