في وقت تتصاعد فيه أزمة السكن في ليبيا وسط ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتزايد الطلب على الوحدات السكنية، يطرح برنامج الحكومة لإنشاء 150 ألف وحدة سكنية تساؤلات حول قدرته الحقيقية على معالجة فجوة تراكمت لعقود، ومدى جاهزية السوق والمصارف والبنية التشريعية لتحويل الأرقام المعلنة إلى مساكن فعلية تصل إلى المواطنين وتخفف من معاناتهم.
وحول ذلك، أكد رجل الأعمال حسني بي، في تصريح لشبكة “عين ليبيا”، أن برنامج الحكومة لإنشاء 150 ألف وحدة سكنية قد يساهم في تخفيف جزء من العجز السكني في ليبيا، لكنه لا يمثل إلا الطلب المتنامي خلال سنتين، ولن يكون قادراً على حل الأزمة منفرداً، مشدداً على أن تقييم نجاح أي سياسة إسكانية لا يجب أن يعتمد على عدد الوحدات المعلن عنها فقط، بل على موقع تنفيذها، وتوثيقها، والجهات المستفيدة منها، وآليات تمويلها، والمدة الزمنية لإنجازها، ومدى توفر البنية التحتية والخدمات وفرص العمل في أماكن إنشائها.
وقال حسني بي إن إنشاء 150 ألف وحدة سكنية يمكن أن يخفف جزءاً من العجز القائم، لكنه لن يحل الأزمة بشكل كامل في ظل نمو سكاني يتعدى 100 ألف سنوياً، وتكوين أسر جديدة سنوياً لا يقل عن 70 ألف أسرة سنوياً، ووجود طلب متراكم على السكن منذ عقود طويلة.
وأشار إلى أن ليبيا تمتلك رصيداً كبيراً من المشروعات السكنية المتوقفة بدرجات إنجاز مختلفة، وهي ثروة مالية هائلة إذا ما قيّمت الأرض وما عليها، ويُقدّر عدد وحداتها بنحو 380 ألف وحدة بقيمة لا تقل عن 60 مليار دينار، معتبراً أن الأولوية الاقتصادية لا تتمثل دائماً في إطلاق مشروعات جديدة، بل في حصر المشروعات القائمة وتقييمها واستكمال القابل منها للتنفيذ، بدلاً من تجميد المزيد من الأموال العامة في مشروعات جديدة قد تتوقف لاحقاً.
وأوضح أن مسؤولية الدولة ليست توفير ملكية عقارية مجانية لكل مواطن، لأن ذلك مستحيل، فهذا الأمر لا تستطيع أي دولة في العالم تحمله بصورة مستدامة، مؤكداً أن دور الدولة يتمثل في ضمان وجود سقف لائق يحمي المواطن، وخاصة الفئات الهشة، من خلال الإيجار الاجتماعي والدعم الموجه وتنظيم السوق، ولا يذهب إلى نقل الملكية العقارية.
وفيما يتعلق بتركز نحو 45% من العجز السكني في طرابلس الكبرى و25% في بنغازي، أوضح حسني بي أن هذه النسب، إذا صحت، تعكس مشكلة أعمق من مجرد نقص الوحدات، وهي تركز السكان والوظائف والخدمات والجامعات والإدارة العامة في المدينتين.
وحذر من أن إنشاء مزيد من المساكن داخل طرابلس وبنغازي، قبل إكمال ما تم البدء به ولم يُنجز، أو بدون رؤية عمرانية متكاملة، قد يؤدي إلى زيادة الازدحام والضغط على الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي والمدارس والمستشفيات، بدلاً من معالجة الأزمة.
وأكد أن الحل يجب أن يقوم على ثلاثة مسارات متوازية، تتمثل في استكمال المشروعات المتوقفة داخل المدن الكبرى وربطها بالبنية التحتية والنقل العام، وتطوير ضواحٍ ومدن عمرانية متكاملة لا تكون مجرد تجمعات سكنية معزولة، بل تتوفر فيها الوظائف والخدمات والتعليم والصحة، إضافة إلى دعم التنمية في المدن والمناطق الأخرى، لأن المواطن لن ينتقل إلى مدينة جديدة لمجرد وجود مسكن، بل يحتاج إلى مصدر دخل ومدرسة ومستشفى وطريق وخدمات عامة.
وشدد حسني بي على أن السكن يجب أن يكون جزءاً من سياسة للتنمية الإقليمية، وليس مجرد عملية بناء شقق لإرضاء كل مواطن.
وفي ملف ارتفاع أسعار الشقق والإيجارات، قال حسني بي إن أسباب الفجوة متعددة ولا يمكن تحميل طرف واحد المسؤولية، موضحاً أن هناك نقصاً حقيقياً في المعروض الجاهز والقابل للسكن مقابل طلب متزايد، خاصة في طرابلس وبنغازي، وعادةً يكون الطلب هو المحدد للسعر.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة البناء يمثل عاملاً أساسياً بسبب انخفاض قيمة الدينار، وارتفاع أسعار مواد البناء المستوردة والمحلية، رغم دعم الإنتاج بالطاقة شبه المجانية، إضافة إلى تكاليف النقل والأيدي العاملة، إلى جانب مخاطر توقف المشروعات وعدم استقرار التشريعات والتأخر في دفع المستحقات.
كما أشار إلى دور المضاربة العقارية، واحتفاظ بعض الملاك بالعقارات والأراضي دون تطوير انتظاراً لارتفاع الأسعار في غياب تطبيق ضريبة العقارات الصادرة ولم تُنفذ، إضافة إلى غياب المعلومات الدقيقة عن الأسعار والصفقات.
وبيّن أن إقفال وضعف السجل العقاري، وتعطل تسجيل الرهونات العقارية، والنزاعات حول الملكية، وآثار قانون رقم 4 لسنة 1978 الذي لم يُلغَ بعد، ساهمت في تشويه السوق العقارية وتقليص الثقة في الملكية والاستثمار طويل الأجل، مؤكداً أن الفجوة السكنية ليست أزمة بناء فقط، بل أزمة ملكية وتشريع وتمويل وتخطيط وغياب سوق عقارية منظمة وشفافة.
وحول قدرة المصارف الليبية على تمويل المواطنين بقروض إسكانية طويلة الأجل، أوضح حسني بي أن قدرتها الحالية على تمويل الإسكان لعشرين أو ثلاثين سنة محدودة جداً مع التضخم المستمر، مشيراً إلى أن المصرف لا يستطيع منح تمويل عقاري طويل الأجل بمجرد وجود قرار حكومي، بل يحتاج إلى مجموعة من الشروط الأساسية.
وأوضح أن هذه الشروط تشمل وجود سجل عقاري موثوق وإلكتروني وغير قابل للتلاعب “بلوك تشين”، وإمكانية تسجيل الرهن العقاري، ووضوح ملكية الأرض والوحدة، وحماية حق المصرف في الضمان عند التعثر، ووجود دخل منتظم يمكن قياسه، وتوافر تأمين على العقار والمقترض، إضافة إلى وجود مصادر تمويل طويلة الأجل لدى المصارف.
وأشار إلى أن معظم ودائع المصارف الليبية قصيرة الأجل وتحت الطلب، بينما التمويل السكني يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، ما يخلق فجوة كبيرة بين آجال الودائع وآجال القروض.
وأكد أن مواطناً دخله لا يتعدى 3 آلاف دينار نتيجة خصم 6 آلاف دينار مقابل دعم المحروقات والطاقة لا يمكنه شراء وحدة قيمتها 400 ألف دينار بقرض تجاري عادي حتى لو امتد القرض لعشرين سنة، لأن القسط سيتجاوز قدرته المالية.
ولفت إلى الحاجة لنظام متكامل يشمل الرهن العقاري، وصناديق الادخار السكني، وضماناً جزئياً ومدروساً لبعض الشرائح، وتمويلاً متدرجاً، وإيجاراً منتهياً بالتملك في بعض الحالات.
وحذر من أن يكون التمويل عبر خلق نقود جديدة من المصرف المركزي لتمويل عجز حكومي في الميزانية، إن كانت لحكومة أو لعدة حكومات، حيث جميعها إنفاق عام، لأن ذلك سيرفع التضخم وتكاليف البناء، وقد يجعل المواطن يدفع ثمن المسكن مرتين: مرة عبر القسط، ومرة عبر انخفاض القوة الشرائية للدينار.
وفيما يتعلق بالمدة الزمنية اللازمة لمعالجة أزمة السكن، قال حسني بي إن أزمة تراكمت خلال عقود لا يمكن حلها بمشروع واحد أو خلال سنة أو سنتين، بل تحتاج إلى سنوات.
وأوضح أنه في حال توفر أراضٍ مسجلة، وتصاميم جاهزة، وتمويل واضح، ومقاولين قادرين، وبنية تحتية مضمونة، فقد يبدأ المواطن في رؤية وحدات منجزة تدريجياً خلال ثلاث سنوات، لكن الأزمة لن تنتهي إلا بعد 5 إلى 7 سنوات.
وأضاف أن الإنجاز الكامل لبرنامج بهذا الحجم بصورة واقعية قد يحتاج إلى فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات وربما أكثر، بحسب المواقع والتمويل والبنية التحتية، بينما تحتاج معالجة الأزمة السكنية بشكل عام إلى برنامج مستمر قد يمتد من عشر إلى خمس عشرة سنة يشمل استكمال المشروعات المتوقفة، وإنشاء وحدات جديدة، وتطوير سوق الإيجار، وإطلاق التمويل العقاري، وتوسعة المدن والبنية التحتية، وتحفيز القطاع الخاص.
وأكد أن الإعلان عن 150 ألف وحدة وكأنها ستنجز وتسلم دفعة واحدة أمر غير واقعي فنياً ومالياً.
وحول ضمان عدم توقف المبادرة كما حدث مع مشروعات إسكانية سابقة، قال حسني بي إن الضمان لا يكمن في التصريحات، بل في النموذج القانوني والمالي والتنفيذي.
وطالب بنشر بيانات كل مشروع بشكل واضح، بما يشمل ملكية الأرض وقيمتها، وعدد الوحدات ومواصفاتها، وتكلفة البنية التحتية، ومصدر التمويل، والجدول الزمني، واسم المطور والمقاول، ونسب الإنجاز، وآلية التخصيص أو البيع أو الإيجار، والجزاءات عند التأخير.
وشدد على ضرورة فصل دور الدولة عن دور المستثمر ودور المقاول، بحيث تكون الدولة منظماً ومراقباً وشريكاً بقيمة الأرض أو الأموال التي دفعتها ما قبل 2011، لا مقاولاً وممولاً وموزعاً ومديراً في الوقت نفسه.
واقترح في المشروعات المتوقفة نموذجاً يقوم على حصول مالك الأرض، سواء كان الدولة أو القطاع الخاص، على حصة تعادل قيمة الأرض وحق الرقبة، وحصول الخزانة العامة على حصة تعادل قيمة الأعمال والبنية التحتية والأموال التي سبق أن أنفقتها، بينما يحصل المستثمر الجديد على الحصة المقابلة للأموال الجديدة التي سيضخها والمخاطر التي سيتحملها ومسؤوليته عن الاستكمال والتسويق.
وأوضح أن هذا النموذج يجعل لكل مساهمة قيمة معلومة ولكل طرف حصة واضحة، بدلاً من اعتبار الأرض بلا قيمة أو اعتبار الأموال العامة مصروفات انتهت دون مقابل.
وأكد ضرورة وجود جهة مستقلة تتابع المشروعات وتنشر تقارير ربع سنوية عن نسب التنفيذ والتكلفة والانحراف عن الجداول الزمنية.
وحذر حسني بي من أنه في حال استمرار الوضع الحالي دون تدخل حقيقي، فإن أزمة السكن ستتفاقم خلال السنوات الخمس المقبلة، نتيجة زيادة الطلب بسبب النمو السكاني وتكوين أسر جديدة، مقابل بقاء المعروض أقل من الحاجة، إضافة إلى ارتفاع تكلفة البناء مع التضخم وتقلبات سعر الصرف، ما سينعكس على أسعار الشقق والإيجارات.
وأشار إلى أن أزمة السكن قد تتحول من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة اجتماعية تظهر في تأخر سن الزواج، وازدحام أكثر من أسرة داخل المسكن الواحد، والانتقال إلى مبانٍ ومناطق غير مخططة، والتوسع العشوائي على الأراضي الزراعية، وزيادة النزاعات حول الملكية والإيجارات، واتساع الفجوة بين من يمتلك عقاراً ومن لا يمتلكه.
وأضاف أن ضخ الدولة أموالاً كبيرة في البناء دون إصلاح السوق والتمويل والسجل العقاري قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بدلاً من انخفاضها، لأن زيادة الإنفاق النقدي دون زيادة سريعة في الإنتاج ستنعكس تضخماً في الأراضي ومواد البناء والأجور.
وأوضح حسني بي أنه لو كان مسؤولاً عن هذا الملف، فإن أول قرار سيتخذه هو وقف التعامل مع المشروع كرقم سياسي إجمالي، وتقسيمه إلى مشروعات مستقلة قابلة للقياس والتمويل والمحاسبة.
وقال إنه سيبدأ بحصر وتصنيف جميع المشروعات السكنية والأراضي المخصصة للإسكان إلى ثلاث فئات: مشروعات قابلة للاستكمال فوراً، ومشروعات تحتاج إلى إعادة هيكلة وشريك استثماري، ومشروعات غير مجدية يجب إيقافها أو تغيير استخدامها.
وأضاف أنه يجب نشر بطاقة مالية وفنية لكل مشروع، وتحديد حقوق الأطراف، وطرح المشروعات على المطورين والمستثمرين وفق منافسة شفافة، مع جدول زمني وضمانات تنفيذ وعقوبات واضحة.
وفيما يتعلق بحصة الدولة من الوحدات القائمة وغير المستكملة، قال حسني بي إنه لا يرى توزيعها كملكية مجانية، بل جمعها في محفظة وطنية للإيجار الاجتماعي وتخصيصها للفئات الهشة بإيجار لا يتجاوز 25% من القيمة الإيجارية السائدة، أو بنسبة تتناسب مع دخل الأسرة، مع اشتراط الإقامة الفعلية ومنع التأجير للغير.
وأوضح أنه بعد عشرين عاماً من الانتفاع المنتظم وسداد الالتزامات يمكن منح المستأجر حق شراء الوحدة بسعر مدعوم مثل 50% من قيمتها السوقية عند تاريخ نقل الملكية، على أن تبقى الوحدة قبل الشراء أصلاً عاماً لا يجوز بيعه أو تأجيره للغير أو توريث ملكيته.
وأشار إلى أن المواطن القادر جزئياً يمكنه شراء وحدة من حصة المطور أو المستثمر من خلال تمويل عقاري طويل الأجل وفق قدرته على السداد.
واختتم حسني بي تصريحه بالقول إن الدولة ليست ملزمة بمنح كل مواطن عقاراً مجانياً، لكنها ملزمة بألا تترك مواطناً دون سقف يحميه، مؤكداً أن الحق في السكن مسؤولية الدولة، أما التمليك المجاني للجميع فهو وعد غير عادل وغير قابل للاستدامة.
وأضاف أن ليبيا جرّبت نموذج تدخل الدولة الشامل في سوق العقارات من خلال قانون رقم 4 لسنة 1978، كما جرّبت قبل عام 2011 إطلاق برنامج ضخم قُدّر بنحو 380 ألف وحدة سكنية، وكانت النتيجة تعطل عدد كبير من المشروعات وتجميد مليارات الدنانير.
وشدد على ضرورة عدم تكرار التجربة نفسها تحت عنوان جديد، مؤكداً أن المطلوب ليس أن تبني الدولة وتمنح، بل أن تنظم وتشارك وتحمي: تنظم السوق، وتشارك بأرضها وأموالها، وتحمي الفئات التي لا تستطيع الوصول إلى السكن بقواها الذاتية.
المصدر:
عين ليبيا