آخر الأخبار

مرصد إيطالي: واشنطن تدفع نحو تفاهم بين الشرق والغرب الليبي.. لكن ماذا عن المعوقات؟

شارك
مصدر الصورة
المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس. (أرشيفية: الإنترنت)

تناول مرصد البحر المتوسط الإيطالي (أوسميد) التحركات الأميركية الأخيرة في ليبيا، الهادفة إلى توحيد الحكم والمؤسسات، وقال إن أبرز ما يميز التحرك الأميركي هو حرص واشنطن على الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع الفاعلين في شرق ليبيا وغربها، انطلاقا من قناعة مفادها أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للتنفيذ من دون إشراك القوى التي تسيطر فعليا على الأرض والأجهزة الأمنية.

مصدر الصورة مصدر الصورة

لكن المرصد تحدث في الوقت نفسه عن معارضة بعض المجموعات المسلحة في غرب ليبيا للنهج الأميركي، مما يجعل أي اتفاق أكثر هشاشة، ويُنذر بعسكرة الموقف على الأرض دون قدرة الأطراف المحلية أو الإقليمية على احتواء الموقف، كما حدث في مبادرات وساطة سابقة لم تحقق النجاح المطلوب.

الموقف في غرب ليبيا
تطرق المرصد الإيطالي إلى موقف المنطقة الغربية في ليبيا من المبادرة الأميركية، ولفت إلى «معارضة المجموعات المسلحة في طرابلس والمنطقة الغربية منح صدام حفتر أو عائلة حفتر بشكل عام أي دور قيادي»، موضحا: «بالنسبة لهذه الأطراف، فإن قبول النفوذ المؤسسي لـ(خصومها) لن يمثل تسوية، بل هزيمة استراتيجية وأيديولوجية».

- «أعيان وحكماء مصراتة»: مسعد بولس لم يقدم مبادرة مكتوبة ونرفض عسكرة الدولة
- «تايمز أوف مالطا»: «اجتماعات فاليتا» تثير مزيدا من التساؤلات حول مستقبل ليبيا
- 47 عضوًا بمجلس النواب يعلنون دعمهم المبادرة الأميركية ويدعون إلى توحيد المؤسسات

وأضاف: «هذا العداء الكامن يجعل أي اتفاق أكثر هشاشة مما توحي به الرواية الدبلوماسية الأميركية. ومن دون قدرة فعلية من قِبل واشنطن، أو الداعمين الإقليميين لها، على احتواء هذه الأطراف أو استيعابها، فإن الخطر الحقيقي يتمثل في أن أي اتفاق سيجرى التوصل إليه على مستوى القيادات قد يتعرض سريعا للإفشال على الأرض، كما حدث بالفعل في محاولات وساطة سابقة».

كما ينطوي هذا النهج على خطر معالجة نتائج الانقسام الليبي بدلا من أسبابه الجذرية. فمنذ العام 2011، لم تكن الأزمة الليبية ناتجة فقط عن التنافس بين الحكومات أو الجماعات المسلحة، بل أيضا عن غياب المؤسسات المشتركة، وضعف الدولة، وتداخل المصلحة العامة مع شبكات المحسوبية، وغياب توافق وطني بشأن قواعد المنافسة السياسية.

وقال المرصد الإيطالي: «قد يسهم اتفاق يُصاغ بالدرجة الأولى بين النخب السياسية والعسكرية في تجميد الصراع، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى حله، إذ قد يرسخ توازنات جديدة للقوى، لكنه يترك القضايا الهيكلية التي غذت حالة عدم الاستقرار خلال العقد الماضي من دون معالجة».

من هذا المنطلق، يكمن الخطر في أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى نظام دائم لإدارة توازنات القوى بين الأطراف المهيمنة. لهذا السبب، يرى التقرير أن «استدامة أي تسوية ستعتمد على قدرتها على أن تترافق مع إصلاحات مؤسسية، وآليات للمساءلة، وأشكال من المشاركة السياسية تتجاوز مجرد إعادة توزيع السلطة بين المجموعات الأكثر نفوذا في الوقت الراهن».

مسار أميركي يتماشى مع المبادرة الأممية
في المقابل، يرى مرصد «أوسميد» أن «التحرك الأميركي يتماشى مع المسار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي تواصل الدفع نحو توحيد المؤسسات، وتعزيز الإدارة الوطنية، ووضع إطار سياسي توافقي يقود إلى انتخابات تحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وأوضح: «أزمة الانتخابات لا ترتبط فقط بعدم تحديد موعد للاقتراع، وإنما بالخلافات حول القواعد المنظمة العملية السياسية، التي تشمل توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، وشروط الترشح للمناصب السيادية، ودور المؤسسة العسكرية، وتسلسل المراحل السياسية».

وأضاف: «النقاش لا يقتصر على تحديد موعد الانتخابات، التي يجري الحديث حاليا عن إمكان إجرائها في 17 فبراير 2027، وإنما يمتد إلى طبيعة النظام السياسي الذي سينتج عنها، والضمانات التي يمكن تقديمها لمراكز القوى المختلفة، لضمان قبول نتائجها».

كما رأى التقرير أن التحركات الأميركية قد تترك آثارا مباشرة على الدور الإيطالي في ليبيا إذا لم تتمكن روما من تقديم مبادرات عملية تتجاوز الدعوات العامة إلى استقرار منطقة البحر المتوسط، إذ قد تصبح القرارات المتعلقة بمستقبل ليبيا نتاج تفاهمات بين واشنطن والقاهرة وأبوظبي وأنقرة.

لا اتفاق سياسيا متكامل
في الوقت نفسه، أشار المرصد الإيطالي إلى نجاح المبادرة الأميركية في تحقيق بعض التقدم، بما في ذلك إقرار موازنة موحدة، وتنفيذ أول تدريبات مشتركة بين الشرق والغرب ضمن مناورات «فلينتلوك 26» العسكرية.

لكنه شدد على «ضرورة عدم المبالغة في تقدير ما تحقق حتى الآن، فالولايات المتحدة لا تزال في مرحلة الدفع الدبلوماسي، ولم تصل بعد إلى اتفاق سياسي متكامل». كما لفت إلى «معارضة بعض التشكيلات المسلحة في طرابلس وغرب ليبيا أي دور قيادي لصدام حفتر، وعائلة حفتر لا تزال تمثل تحديا أمام أي تفاهمات محتملة».

وقال المرصد: «صدام حفتر أصبح يمثل الطرف الرئيسي الذي تتواصل معه واشنطن في الشرق، بينما يظل رئيس حكومة (الوحدة الوطنية الموقتة)، عبدالحميد الدبيبة، إلى جانب دائرته السياسية والشخصيات المرتبطة بالأجهزة الأمنية في طرابلس، أبرز الشركاء في الغرب»، مضيفا: «مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، يتولى دورا محوريا في هذا المسار، بوصفه المسؤول الرئيسي عن متابعة الملف الليبي في واشنطن».

ملامح المبادرة الأميركية
وفقا للتقرير، يدفع بولس نحو صيغة تقوم على اتفاق لتقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين بهدف إعادة توحيد مؤسسات الحكم، وتعزيز الاستقرار، وتشجيع الاستثمارات في قطاع الطاقة.

وتتمثل السيناريوهات الأكثر تداولا في الإبقاء على عبدالحميد الدبيبة في موقع بارز داخل طرابلس، مع منح صدام حفتر دورا رئيسيا في هيكل تنفيذي مستقبلي. لكنه شدد على أن هذا الطرح لم يتحول إلى اتفاق رسمي معلن، وينبغي التعامل معه بوصفه أحد السيناريوهات المطروحة في المفاوضات.

في سياق متصل، اعتبر التقرير أن «مشاركة إبراهيم الدبيبة تعكس أن قنوات التفاوض لا تمر فقط عبر المؤسسات الرسمية، وإنما أيضا عبر الشبكات العائلية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمتلك نفوذا فعليا في إدارة السلطة داخل ليبيا».

وأضاف: «الحوار مع صدام حفتر يعكس أيضا تنامي دوره السياسي، إلى جانب دوره العسكري، مع تحول عائلة حفتر تدريجيا إلى لاعب سياسي واقتصادي ومؤسسي، بينما ترى واشنطن أن التواصل معه يتيح بناء علاقة مباشرة مع معسكر الشرق، ويحد في الوقت نفسه من احتمال زيادة اعتماد بنغازي على داعمين خارجيين آخرين، من بينهم روسيا».

بُعد إقليمي للأزمة
كما تناول التقرير البُعد الإقليمي للأزمة الليبية، موضحا أن الملف يرتبط أيضا بالتنافس الجيوسياسي بمنطقة البحر المتوسط، في ظل أهمية ليبيا بالنسبة لأمن المنطقة، ومسارات الهجرة، وموارد الطاقة، وتوازنات القوى بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ومصر والإمارات.

في هذا السياق، أشار مرصد «أوسميد» إلى أن تركيا بدأت خلال الفترة الأخيرة توسيع اتصالاتها مع شرق ليبيا، بعدما ظلت سنوات ترتكز على علاقاتها مع غرب البلاد.

ولفت إلى لقاء جمع بين رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم قالن، وصدام حفتر في بنغازي 23 يونيو 2026، تناول الحفاظ على الاستقرار، والعمل على توحيد الإدارتين والقوات العسكرية تحت سلطة واحدة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الثنائي.

واعتبر التقرير أن «هذا اللقاء يعكس رغبة أنقرة في الحفاظ على نفوذها في غرب ليبيا، مع تجنب استبعادها من أي ترتيبات سياسية مستقبلية قد تشمل إقليم برقة»، مشيرا إلى أن «هذا التقارب لا يعني تغيرا كاملا في التحالفات، وإنما يعكس قدرا أكبر من المرونة في السياسة التركية».

في المقابل، أوضح التقرير أن «مصر لا تزال تعتبر استقرار شرق ليبيا أولوية مرتبطة بأمنها القومي، مع اهتمامها بتقليل احتمالات التصعيد العسكري، وإدارة الحدود الغربية بصورة مستقرة».

كما أشار إلى أن «الإمارات عدلت خلال السنوات الأخيرة من نهجها، فأصبحت تعطي أولوية لدعم الاستقرار عبر التفاهمات السياسية بدلا من استمرار الصراع بين المعسكرات المتنافسة».

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا