انتقد مقال نشره «المجلس الأطلسي» المبادرة الأميركية لحل الأزمة السياسية في ليبيا، ويرى أنها لا تسهم في إعادة توحيد المؤسسات الوطنية المنقسمة، بل وصفها بـ«ترتيب غريب من ترتيبات تقاسم السلطة يضفي الطابع الرسمي على شبكات عائلية مهيمنة، وليس على المؤسسات الوطنية».
وجاء في المقال، بقلم الباحث في برنامج الشرق الأوسط كريم ميزران، أن المشكلة تكمن في آلية تنفيذ المبادرة الأميركية، وليس في الزخم المصاحب لها، مؤكدا أن الأفضل هو ربط الاعتراف والدعم الأميركي بتحقيق تقدم ملموس نحو إجراء الانتخابات، وتعزيز الرقابة المشتركة على عائدات النفط، وحماية المؤسسات الوطنية بدلا من دعم شخصيات بعينها.
وأشار إلى تزامن زيارة نائب قائد «القيادة العامة»، الفريق أول ركن صدام حفتر، العاصمة واشنطن، في 29 يونيو، حيث التقى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وزيارة نائب وزير الدفاع في «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالسلام الزوبي، حيث عقد اجتماعات مع المستشار البارز للرئيس الأميركي مسعد بولس، ونائب قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الفريق جون دبليو برينان، وأعضاء في مجلس الأمن القومي، ونائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو.
دلالة الاستقبال
يرى المقال أن مستوى الاستقبال حمل دلالات سياسية، إذ التقى صدام حفتر وزير الخارجية مباشرة، بينما أجرى الزوبي لقاءاته مع مسؤولين في مستويات أدنى، معتبرا أن ذلك «يعكس اختلافا في طريقة تعامل واشنطن مع الطرفين».
- جريدة إيطالية: لقاء صدام - روبيو في واشنطن يؤجل الاتفاق على المبادرة الأميركية
- صدام حفتر يعقد اجتماعًا بمجلس الأمن القومي الأميركي بحضور مستشار ميلوني
- روبيو: ناقشت مع صدام حفتر توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا
ولفت إلى أن «المصافحة التي جمعت روبيو بصدام حفتر تعكس دعما لخطة يصفها بأنها تقوم على (المحاصصة العائلية)، وهي صيغة لتقاسم السلطة تستند إلى تثبيت نفوذ العائلات والشبكات القائمة بدلا من بناء مؤسسات شاملة».
وقال ميزران: «الإطار الذي يروج له مسعد بولس يقضي ببقاء رئيس حكومة (الوحدة الوطنية الموقتة)، عبدالحميد الدبيبة، أو ابن شقيقه إبراهيم الدبيبة، في رئاسة الحكومة، مقابل تولي صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع تأجيل الانتخابات الوطنية إلى مرحلة لاحقة غير محددة»، مضيفا: «هذه المبادرة كانت تُنسب إلى بولس خلال الأشهر الماضية، إلا أن دعم وزير الخارجية الأميركي لها منحها زخما سياسيا أكبر».
آلية تنفيذ المبادرة الأميركية
على الرغم من الزخم الذي تحظى به المبادرة الأميركية، يرى المقال أن المشكلة تكمن في آلية التنفيذ، إذ قال: «تعثر المرحلة الانتقالية في ليبيا لم يكن نتيجة الصدفة، وإنما بسبب أطراف داخلية استفادت من دعم جهات خارجية حالت دون محاسبتها. منح هذه الأطراف اعترافا أميركيا لا يغير هذا الواقع، بل يكرسه، ويحول حالة عدم الاستقرار إلى تسوية رسمية».
كما يرى أن «هذه المقاربة تتجاوز الليبيين أنفسهم، فالانتخابات قد لا تشكل حلا فوريا في ظل استمرار الانقسام وسيطرة الجماعات المسلحة، إلا أن ذلك لا يبرر حصر مستقبل البلاد في اتفاق بين عدد محدود من العائلات»، مضيفا: «إجراء انتخابات في بلد لا يزال منقسما بين التشكيلات المسلحة يرسخ منطق (الفائز يأخذ كل شيء)».
واستشهد ميزران بنتائج الانتخابات البلدية التي جرت في أغسطس 2025، موضحا أن نسبة المشاركة فيها بلغت 71% بالبلديات الست والعشرين التي أُجريت فيها الانتخابات، على الرغم من تعليق الاقتراع في مناطق شرق البلاد وجنوبها، وإحراق بعض المكاتب الانتخابية في الغرب. واعتبر أن هذه المشاركة تعكس رغبة الليبيين في حلول تنطلق من الداخل، وليس في ترتيبات تفرض من الخارج.
المكاسب الاقتصادية
في سياق متصل، تطرق المقال إلى الجانب الاقتصادي من المبادرة، إذ يرى أن الجدوى الاقتصادية ضعيفة على حد السواء، لافتا إلى أنه على الرغم من تسجيل مستويات مرتفعة من الإنتاج النفطي، فإن الشعب الليبي لم يستفد من تلك العوائد مع انهيار قدرته الشرائية بشكل ملحوظ.
كما لفت إلى أن مصرف ليبيا المركزي خفض قيمة الدينار مرتين خلال أقل من عام، بينما ارتفعت سلة الحد الأدنى للإنفاق التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمي بنحو 20% خلال اثني عشر شهرا. وأضاف أن احتجاجات شهدتها مدن في غرب ليبيا خلال فبراير طالبت برحيل الطبقة السياسية، التي تحملها مسؤولية أزمة غلاء المعيشة.
ورأى المقال أن الخطة المقترحة تتجاهل شريحة الشباب، موضحا أن متوسط عمر السكان في ليبيا يبلغ نحو 28 عاما، وأن ما يقارب نصف السكان دون الخامسة والعشرين، بينما يقترب معدل بطالة الشباب من 50%. وقال إن هذه الفئة نشأت بعد العام 2011 على أمل قيام دولة جديدة، لكنها وجدت نفسها أمام واقع تهيمن فيه المحسوبية والروابط العائلية على توزيع السلطة والفرص.
كما أشار المقال إلى أن العائلات والقوى التي تعتمد عليها الخطة ليست متماسكة بالقدر الذي تفترضه، موضحا أن مدينة مصراتة تشهد انقساما بين مؤيدين ومعارضين لعبدالحميد الدبيبة، وأن فرض تسوية من الخارج قد يُزيد هذا الانقسام. وأضاف أن معسكر حفتر يشهد أيضا حالة من التذمر بسبب تركيز النفوذ في يد صدام حفتر، بما في ذلك من جانب إخوته.
استغلال أفضل للنفوذ الأميركي
إلى ذلك، اقترح المقال أن تستخدم الولايات المتحدة نفوذها بطريقة مختلفة عبر ربط الاعتراف والدعم بتحقيق تقدم ملموس نحو إجراء الانتخابات، وتعزيز الرقابة المشتركة على عائدات النفط، وحماية المؤسسات التي يختارها الليبيون، بدلا من دعم شخصيات يعدها المقال «مسؤولة عن تعطيل هذه المسارات خلال السنوات الماضية».
وقال ميزران: «واشنطن تقدم على رهان خطير بدعمها اتفاقا بين النخب السياسية يفتقر إلى تأييد شعبي واسع»، مضيفا أن تلك المخاطر قد تحقق استقرارا موقتا، لكنه حذر من أن التناقضات البنيوية في هذا الترتيب قد تظهر لاحقا، وتؤدي إلى انهياره واندلاع أعمال عنف.
كما رأى أن «الحفاظ على استقرار هش في الوقت الراهن مع زيادة احتمالات وقوع أزمة أكبر مستقبلا لا يمثل سياسة مستدامة أو حكيمة».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة