في ظل الجدل المتصاعد حول مستقبل دعم الوقود في ليبيا، يرى رجل الأعمال حسني بي أن الأزمة لا تكمن في مبدأ دعم المواطن، وإنما في الآلية الحالية التي حولت الدعم من أداة للحماية الاجتماعية إلى مصدر للهدر المالي والتهريب واستنزاف النقد الأجنبي.
وأوضح في تصريح لشبكة عين ليبيا أن بيانات صندوق النقد الدولي وديوان المحاسبة، إلى جانب تقارير البنك الدولي، تشير إلى تضخم فاتورة الوقود ووجود اختلالات كبيرة في منظومة الدعم، الأمر الذي جعل جزءًا معتبرًا من الدعم يتسرب إلى شبكات التهريب والأسواق الموازية بدلاً من وصوله إلى المواطن.
وبيّن أن سعر بيع الوقود محليًا لا يعكس تكلفته الاقتصادية، إذ يباع لتر البنزين بنحو 150 درهمًا، بينما تقترب تكلفته الحقيقية، بعد الاستيراد والنقل والتوزيع، من 6 دنانير للتر وفق الأسعار العالمية. ويؤدي هذا الفارق السعري الكبير إلى خلق أرباح استثنائية للتهريب، بدل أن يحقق منفعة عادلة للمواطن.
ووفق تقديراته، فإن ليبيا تخسر سنويًا ما بين 5 و6.7 مليارات دولار نتيجة التهريب والهدر، بينما تجاوزت قيمة واردات الوقود خلال عام 2024 نحو 9 مليارات دولار، وقد تصل فاتورة دعم الطاقة، عند احتساب الوقود والغاز والكهرباء، إلى نحو 17 مليار دولار.
ويؤكد حسني بي أن الحل ليس في إلغاء الدعم، وإنما في استبداله بدعم نقدي مباشر، بحيث تتحول الأموال التي تستفيد منها شبكات التهريب إلى تحويلات مباشرة للمواطنين. ويقترح صرف 500 دينار شهريًا لكل مواطن، أي نحو 3,000 دينار شهريًا للأسرة المكونة من ستة أفراد، بما يرفع القدرة الشرائية، ويرشد الاستهلاك، ويخفض الطلب غير الحقيقي على الوقود، ويحسن ميزان المدفوعات، ويحافظ على احتياطيات النقد الأجنبي.
ويرفض الربط بين هذا التحول وحدوث تضخم مرتفع، موضحًا أن التضخم ينشأ عندما يزداد الإنفاق الكلي أو يجري تمويله بطباعة نقود جديدة، بينما المقترح يقوم على إعادة توزيع إنفاق قائم دون زيادة حجمه. ويرى أنه حتى مع ارتفاع أجور النقل بنحو 20% وزيادة تعرفة الكهرباء إلى مستوياتها الاقتصادية، فإن التحويلات النقدية تعوض الأسر عن هذه الزيادات، ولا يتجاوز الأثر المتوقع على المستوى العام للأسعار نحو 3% إذا نُفذ البرنامج تدريجيًا ومن دون تمويل نقدي للعجز.
وأضاف أن تطبيق الإصلاح خلال عام واحد يمكن أن يؤدي إلى “القضاء على الفقر المدقع أو إخراج غالبية الأسر من دائرة الفقر وفق قيمة التحويل المقترحة” وخفض فاتورة الدعم والتهريب بنسبة تتراوح بين 30 و40%، وتوفير ما بين 4 و6 مليارات دولار من النقد الأجنبي، وتقليص عجز المالية العامة، وتعزيز احتياطيات المصرف المركزي، ودعم استقرار الدينار، مع إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والخدمات العامة.
كما يرى أن إزالة التشوه السعري ستقضي على الدافع الاقتصادي للتهريب، ليتحول النشاط التجاري عبر الحدود من تهريب مدعوم إلى تجارة عبور مشروعة تخضع للقانون وتحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن الرقابة، مهما بلغت كفاءتها، لن تكون كافية طالما بقي الفارق السعري بين السعر المحلي والسعر الاقتصادي يتجاوز 4000%، لأن هذا الفارق يخلق حافزًا ماليًا يفوق قدرة الأجهزة الرقابية على احتوائه. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإزالة التشوهات الاقتصادية التي تغذي التهريب، وليس بالاكتفاء بتشديد الرقابة.
وختم تصريحه بالقول: “الدعم السعري يخفي السرقة، أما الدعم النقدي فيكشفها، ويعيد المال إلى مستحقه الحقيقي، وهو المواطن الليبي.”
وحذر من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي، واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، واستمرار تراجع الثقة في الدينار الليبي، في حين أن إصلاح منظومة الدعم يمثل، في رأيه، أحد أهم مفاتيح استقرار الاقتصاد الليبي واستدامة المالية العامة.
المصدر:
عين ليبيا