تتسارع الخلافات داخل المشهد السياسي الليبي مع تصاعد التباين في المواقف داخل المجلس الرئاسي، في ظل جدل متجدد حول طبيعة الصلاحيات وحدود الاختصاصات بين مؤسساته. وتكشف هذه التطورات، بحسب خبراء قانونيين، عن أزمة أعمق تتجاوز مجرد الخلافات الإدارية، لتلامس إشكاليات بنيوية مرتبطة بغياب إطار دستوري واضح وتداخل الأدوار بين السلطات، ما ينعكس مباشرة على استقرار الدولة ومسارها السياسي.
وحول ذلك، أوضح المستشار القانوني في موسوعة التشريعات العربية، المحامي عمر بن يونس، في حديثه لشبكة عين ليبيا، أن الأزمة داخل المجلس الرئاسي الليبي ليست طارئة، بل تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد اتفاق السراج، مؤكداً أن المشكلة “عميقة منذ الاتفاق السياسي”.
وقال بن يونس إن أعضاء المجلس الرئاسي منذ تلك المرحلة لم يكونوا على دراية واضحة بمهام المجلس، مشيراً إلى أن الاهتمام انصب على المنصب بدل التركيز على طبيعة الدور، رغم أن الاتفاق السياسي لم يحدد بشكل دقيق هذه المناصب.
وأضاف أن هذا الوضع يشبه ما حدث في أزمة المؤتمر الوطني العام، حيث تخلّى الأعضاء عن دورهم التأسيسي وانشغلوا بتحويله إلى برلمان، ما أدى إلى “لخبطة سياسية أنهت ما يجب أن يكون”.
وفي ما يتعلق بتصاعد الخلاف حول تعيينات المناصب السيادية مثل رئيس المخابرات ورئيس الأركان، أوضح بن يونس أن ذلك طبيعي في ظل غياب معايير واضحة، ووجود نظام محاصصة سياسي، ما يجعل القرارات السياسية تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً أو “هزلياً” على حد وصفه.
وبيّن أن تعيين المناصب الكبرى، خصوصاً الأمنية، لا يخضع فقط للمحاصصة، بل يرتبط بمعادلات سياسية ودولية، تشمل تقارير المخابرات ومدى قبول الأجهزة الدولية للتعامل مع الشخصيات المعينة.
وحول تضارب البيانات بين أعضاء المجلس الرئاسي، اعتبر بن يونس أن ذلك يعكس أزمة شرعية مؤسسية في ليبيا، مشيراً إلى غياب السند الدستوري الواضح الذي يحدد اختصاص كل سلطة، بما في ذلك المجلس الرئاسي والبرلمان.
وأضاف أن اللجوء إلى الإعلان الدستوري لا يعد مرجعية دستورية دقيقة، بل هو “حيلة قانونية” يتم التعامل معها في غياب الدستور الحقيقي.
وفي ما يخص تأثير غياب التوافق داخل المجلس على استقرار مؤسسات الدولة في طرابلس، قال بن يونس إن ما يحدث هو صراع على الاختصاصات، في ظل عدم فهم واضح لطبيعة ودور المجلس الرئاسي، لافتاً إلى أن المؤسسات الحالية استثنائية وتتصرف وكأنها مؤسسات أصلية.
وأشار إلى وجود آراء فقهية تعتبر أن هذه المؤسسات تنطبق عليها نظرية “الموظف الفعلي”، مستشهداً برأي الفقيه القانوني المدني الراحل الدكتور وحيد رأفت، الذي رفض اعتبار حركة الضباط الأحرار في مصر ثورة واعتبرها انقلاباً.
وعن احتمال وجود انقسام داخل السلطة التنفيذية بين أطراف أو أقاليم داعمة، أوضح بن يونس أن الأمر في جوهره خلاف على الاختصاصات يتم تصعيده إلى صراع سياسي.
وفي ما يتعلق بدور الإطار القانوني والاتفاق السياسي في ضبط عمل المجلس الرئاسي، أكد أن الإشكال مرتبط بالمعيار الشخصي وإدارة المجلس، معتبراً أن الاتفاق السياسي كان يمكن أن يشكل فرصة لبناء أعراف سياسية، “ولكن…” كما قال، دون إكمال التفصيل.
أما بشأن تأثير التصعيد على مسار الانتخابات أو أي انتقال سياسي مستقبلي، فأكد أن غياب الشرعية الدستورية يجعل أي تصعيد مؤثراً بشكل مباشر، موضحاً أن أخطاء الماضي، خصوصاً ما بعد المؤتمر الوطني العام، ما زالت ممتدة إلى الوضع الحالي.
وفي السيناريوهات المحتملة، رأى بن يونس أن الحل يتطلب تغييراً جذرياً والعودة إلى نقطة البداية لفهم طبيعة المؤسسات ودورها واختصاصاتها، معتبراً أن ما يجري يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار منذ الثورة.
وختم بالإشارة إلى أن هناك سوء فهم مستمر لدور بعثة الأمم المتحدة، حيث يُعتقد أنها تضع الحلول، بينما هي في الواقع بعثة دعم فقط، ويجب تفسير كلمة “الدعم” بشكل ضيق حتى لا تتداخل مع القرار السياسي الليبي.
المصدر:
عين ليبيا